مجاورو "الإمام"

الحياة الغامضة لورثة "أحواش الباشوات"

من ميدان السيدة عائشة يتفرَّع شارع يشقُ مبانيَ أثريةً لا تزال تحتفظ ببعض بقايا رونقها، في نهايته يقف مسجد يحمل اسم الإمام الشافعي، لا يزال تحت التجديد منذ أكثر من سنتين، يصطف أمامه أكثر من مقهى؛ أشهرها “قهوة عم سيد” المفتوحة طوال اليوم للزوار من ساكني المقابر.. هؤلاء الذين يزاحمون الموتى معيشتهم في “أحواش الباشوات”.

طبيعة منطقة الإمام الشافعي تختلف كثيرًا عن المقابر الأخرى؛ فمعظم الأحواش بها أثرية بُنيَت لأبناء الطبقة الأرستقراطية من الأسرة العلوية في أواخر القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، بالإضافة إلى أضرحة لناسكين وصالحين من السلف، مثل الإمام الوكيع (مُعلم الإمام الشافعي).

كما تضم المنطقة مدرستين قائمتين داخل حوش (لا يزال يُدفن فيه حتى الآن) بجانب مستوصف طبي يعالج آلاف الناس داخل حوش نسيم باشا (رئيس الوزارء في الحقبة الليبرالية)، وكذلك نوادٍ رياضية تابعة لوزارة الشباب والرياضة.

وتصل مساحات بعض الأحواش إلى 2000 متر مربع، مثل حوش الأمير مينا كتخدا. وكانت الأسر تحرص في ذلك الوقت على تزيين المقابر بأجود أنواع الرخام، كما أن المقابر تتمايز بعضُها عن البعض؛ فمقابر السيدات يُرسم عليها تاج بسيط إذا كانت المرأة ميسورة الحال لكنها لا تحمل أي ألقاب. أما إذا كانت أميرة أو ملكة فيُوضَع على شاهد قبرها تاج ضخم وضفيرتان طويلتان.

أما مقابر الرجال، فيُوضع على شاهدها تاج ضخم إذا كان المتوفى ملكًا، ويتقلص حجمه إذا كانت مرتبته أميرًا. أما إذا كان أحد الباشوات فيُوضع على شاهد القبر طربوش ضخم، ويتقلص الحجم بحسب مكانة الشخص. أما الأطفال، فكان يُوضع طربوش صغير الحجم أو تاج بسيط للفتيات، كما أن الشاهد يُزين بورق الذهب الفرنساوي، ويزين بالألوان حسب مكانة كل عائلة، ويكتب اسم المتوفى بماء الذهب.

وكانت تلك الشواهد مطمعًا لكثير من اللصوص، خاصةً أن أغلب المقابر كانت تحتوي على دلايات ونجف مصنوعة من الذهب، فتم تخريب وسرقة أغلبها، بسبب ضعف الرقابة، كما انهارت أسوار تلك الأحواش بفعل الزمن.

وفي الماضي، كان أصحاب الأحواش يحرصون على بناء غرف مستقلة ملحقة بالمقابر لتلقِّي واجب العزاء، وحتى يمكن لأهل المتوفى البقاء فيها بجانب الميت. حتى إن بعض الأشخاص ألحقوا بالمقابر مطابخ مُجَهَّزة ليتم طهو وجبات طازجة للقادمين من المعزين.

أحواش أتى عليها الزمن؛ فالنوافذ الملونة تكسَّرت، والجدران تشقَّقت، وبعضها تهدَّم، ولم يبقَ منها غير الأطلال والذكرى، ونادرًا ما يتذكَّرها أحد؛ فكثير من أصحاب تلك المقابر سافر خارج مصر، ولم يعد يزورها، وبعضهم لم يستطع دفع تكلفة الصيانة والمتابعة، فانهار كثير من الأبنية العتيقة، وبعضها تحوَّل إلى مناطق أثرية مثل “حوش الباشا” التابع لوزارة الآثار، وجامع السادات المالكية.

عم محمود: أنا عايش في قصر من 58 سنة

عم محمود سليمان، 58 عامًا، يعمل سباكًا، وهو من الجيل الثاني الذي يعيش في تلك الأحواش؛ فقد جاء والده من سوهاج لبيع محاصيل الفاكهة والخضراوات، ولكن حياة المدينة أعجبته فقرَّر البقاء في القاهرة وعدم العودة إلى بلدته مرة أخرى. ولأنه لم يكن يملك مالًا ولا مكانًا للعيش، اضطر إلى البقاء كعامل بناء وتنظيف المقابر وتجديدها وحراستها، وكان مسؤولًا عن رعاية أكثر من 20 حوشًا، وتزوَّج لينجب 5 أبناء: مات اثنان منهم وبقي شحتة ومحمود ورمضان، وهم جميعًا يسكنون أحواش الأمام الشافعي.

وفاة والد محمود –بينما كان طفلًا لم يتجاوز الثامنة– أجبرته على أن يتعلم مهنة تُعينه على كسب قوت يومه. ولأنه بعد فترة وجيزة أصبح يتيم الأب والأم، فقد اعتنت به جارة لهم في المقابر، فعاش في حوش “عين الحياة” حتى صار شابًّا، وتزوج فتاة كانت ترفض الحياة في المقابر.

قرر الزوجان أن يعيشا في منطقة صفط اللبن بالجيزة. ويحكي العم محمود عن تلك الفترة لـ”ذات مصر” قائلًا: “كأني سمكة خرجت برة المياه، ماكنتش مستحمل الدوشة والتعامل مع الناس.. مافيش جدعنة ولاد البلد هناك ولا إنسانية، ولازم يبقى معاك فلوس، ولو مش معاك هتموت من الجوع.. هنا الحياة مختلفة”.

ويضيف: “هنا في الإمام لما بتتعب ألف مين ييجي يسأل عليك، ويخدمك.. في النهاية أنا ما استحملتش الحياة هناك كثير، وسيبت المنطقة ورجعت الإمام بطولي؛ لأن مراتي والعيال رفضوا يرجعوا معايا عشان ما يتقالش إنهم ساكنين في مقابر”.

ويتابع عم محمود: “ليه الناس فاكرة إن اللي عايشين في المقابر دول ناس مُعدمة أو شحاتين؟! في أي منطقة في الدنيا هتلاقي الحلو والوحش، وهنا كمان زي ما فيه متسولين وشحاتين، فيه ناس موظفين ودكاترة ومهندسين ومحامين وغيرهم من المهن، وفيه ناس بتودي عيالها مدارس خاصة”.

ويُكمل: “هنا كل حاجة متوفرة داخل الأحواش، فيه 4 مدارس في المنطقة: 2 ابتدائي، وواحدة إعدادي، وواحدة ثانوي، ومستوصف، ومكتب بريد، ونادي رياضي، وكلهم بيقدموا أحسن خدمة لسكان المنطقة”.

يدافع عم محمود عن المكان الذي يعيش فيه منذ خمسة عقود، قائلًا: “أنا عايش هنا من 58 سنة.. عمر ما حد كلمني أو قال لي حاجة ضايقتني.. أنا عايش في قصر”، ويشير إلى مساحة كبيرة نسبيًّا في الهواء الطلق استغلها لزراعة شجر مانجو، ورمان، وبشملة، ونبق، ويقول: “بوزع اللي بينتجه الشجر على الجيران والأصدقاء”.

ووفقًا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإن سكان المقابر يوجدون في محافظة القاهرة فقط، وعددهم 660 أسرة بمعدل 2362 فردًا.

وتشير دراسة ماجستير بمكتبة الإسكندرية (2015) إلى أن عدد سكان المقابر في مصر يُقدر بنحو 3100 شخص موزعين على 11 منطقة للمدافن.

وبالنسبة إلى إدارة الجبانات بمحافظة القاهرة، فالمقيد لديها نحو 26 منطقة مقابر في المحافظة، منها 4 مقابر تحت الإنشاء، كما أن عدد “التُرَبيَّة” (المختصين بشؤون الدفن) المقيدين بالإدارة يصل إلى نحو 23 فردًا بأسرهم فقط.

رمضان: الشقق هنا زي برة.. وفيها "واي فاي"

على بُعد شارع واحد من منزل عم محمود، يعيش شقيقه رمضان (52 عامًا) في حوشٍ أكبر مع أبنائه الأربعة: 3 فتيات وولد، الكبرى أنهت دراسة معهد فني تجاري. أما الآخرون ففي مراحل دراسية مختلفة بين ابتدائية وإعدادية وثانوية تجارية.

عم رمضان حارس معين لدى وزارة الأوقاف منذ 16 عامًا، تزوَّج في هذا الحوش، وأنجب أطفاله، كما أن زوجته المتوفاة مدفونة في المكان نفسه، وهو يحرص على وضع مُسجِّل كبير يتلو آيات الله على قبر زوجته الراحلة يوميًّا.

الحوش مقسم إلى عدة أجزاء: الأول غرفة ضخمة تخص إحدى العائلات الأرستقراطية من الأسرة العلوية، وجزء خلفي مكون من مقابر صغيرة تخص الخدم. أما الجزء الثالث فقد خصَّصته وزارة الأوقاف كحق انتفاع للأسر مصرية التي ترغب في دفن موتها.

يعيش رمضان في شقتين صغيرتين: الأولى مُهملة كانت تعيش بها أسرة وهجرتها منذ زمن بعيد، ويستخدمها رمضان كمخزن لأدواته. أما الشقة الأخرى فمكونة من غرفتين مفروشتين بشكل مناسب، وتحتوي على جميع الأجهزة الكهربائية، حتى جهاز “واي فاي” من أجل الإنترنت.

يقول رمضان لـ”ذات مصر”: “الشقق هنا زي أي شقة برة ومفروشة بشكل كويس كمان”.

لا يرغب رمضان في ترك المكان، حتى بعد خروجه على المعاش، خاصةً أنه يقوم بالدفن على الطريقة الشرعية، رغم أن بإمكانه البحث عن مكان آخر بسهولة.

وعن أعمال السحر والشعوذة وسرقة جثث الموتى، يقول رمضان إن تلك الممارسات لا تقع في تلك المنطقة؛ لأنها تابعة لوزارة الأوقاف، كما أن السكان على درجة عالية من الوعي والثقافة؛ فبعضهم خريجو جامعات ويعملون في العديد من المناصب المرتفعة، بحسب قوله.

الدكتور إبراهيم مجدي استشاري الطب النفسي بكلية الطب جامعة القاهرة، يقول لـ”ذات مصر”، إن “ساكني المقابر هم من الجيل الثالث أو الرابع، وأغلب أجدادهم عاشوا في ذلك المكان بسبب الفقر المدقع. أما أبناؤهم فتعلموا ووصل بعضهم إلى مناصب رفيعة، لكنهم ارتبطوا وجدانيًّا بالمكان، فقد كوَّنوا صداقات وارتباطًا مع الجيران، وتزوجوا في المكان نفسه”.

ويضيف مجدي أن “ولادتهم في هذا المكان جعلتهم يعتادون الموتى، بل ويشعرون بالتقارب معهم، كما أن تلك الأحواش أثرية، ويوجد فيها مقامات لأولياء تُقام لهم الموالد والحفلات السنوية؛ ما يجعلها جاذبة لكثير من المواطنين”.

ويتابع استشاري الطب النفسي أن استقرار أغلبهم بالأحواش يرتبط أيضًا بأنهم ليسوا مضطرين إلى دفع أي فواتير بخلاف الطعام والشراب اللذين قد يحصلون عليهما كهدايا أو صدقات من أصحاب المقبرة، كما أن أغلبهم يعملون في المنطقة نفسها، ومن ثم لا يرغبون في الابتعاد عنها.

ويؤكد مجدي أن الأمر يختلف مع الجيل الجديد، خاصةً المتعلم منه؛ لأنهم يخشون الوصمة الاجتماعية بسبب بقائهم في تلك المنطقة؛ لذلك يبحثون عن أي فرصة للخروج إلى المجتمع. أما غير المتعلمين فـ”يستسهلون” البقاء و”التسول” من القادمين، بحسب قوله.

راضي مدير عام بشركة طيران و"تُرَبي"

على بعد أمتار قليلة من سكن رمضان، يقع حوش آخر لشقيقين؛ هما: راضي وعنتر. راضي الأخ الأكبر حاصل على بكالوريوس تجارة، كان مديرًا عامًّا في إحدى شركات الطيران لرش المبيدات التابعة لوزارة الزراعة، وبعد خروجه على المعاش عمل محاسبًا بإحدى الشركات الخاصة.

راضي الذي يقوم بدفن الموتى، يرى أن تلك المهنة لا تتعارض مع عمله أو مكانته الاجتماعية، ويُطلق عليه لقب “صبي”، وهي لا تعني إهانة، وإنما تعني الشخص المسئول عن دفن الموتى، لكنه لا يملك تصريحًا من إدارة الجبانات، وإنما يقوم بتلك المهنة بحكم وجوده في الحوش، وفي حضور المعلم “التُربي” المُقيد لدى إدارة الجبانات أو المحافظة.

يمتهن راضي تلك المهنة منذ أكثر من 45 عامًا، وهو يتباهى أمام الجميع من زملائه في العمل بأنه يسكن بحي الخليفة بمساكن الإماميين؛ أي “أحواش الباشوات”.

يرى راضي أن تلك المهنة تمنحه ثوابًا كبيرًا، وليس أي شخص مؤهلًا لها؛ لأن للميت “حُرمة” يجب مراعاتها، كما أن ما يراه من يقوم بالدفن لا يجب الحديث عنه حتى مع أهل المتوفى.

زوجته أمل من أبناء تلك المنطقة؛ فوالدها واحد من أقدم “التُرَبية” أو “المعلمين” في المنطقة، تركت التعليم مبكرًا، وتزوجت لتنجب 5 أبناء وصلوا إلى مراحل متقدمة في التعليم؛ فأحدهم تخرج في كلية اقتصاد وعلوم سياسية، والآخر تخرج في كلية الهندسة، (تزوجا ويقيمان خارج المقابر) وابنتها الثالثة في كلية إعلام (جامعة خاصة)، والرابع في المرحلة الثانوية، والأصغر في المرحلة الابتدائية.

تشعر أمل بالغربة والوحشة بمجرد خروجها من المقابر؛ فهي ترى المنازل العادية 4 جدران تُخيفها وتُشعِرها بالاختناق. أما الأحواش فمناطق واسعة، تسمح لها بالاستمتاع بالهواء الطلق، كما أنها تستأنس وتحب الحديث مع الموتى.

عنتر الأخ الأصغر لراضي، ممتلئ الجسم قصير القامة، تعليم متوسط، متزوج بليلى سليم الموظفة بشئون الطلبة في إحدى الكليات الحكومية، لديهما 3 أولاد: ابنتان متزوجتان بالخارج، وابنٌ لا يزال في المرحلة الابتدائية.

يقول عنتر إنه يعيش مع أخيه في حوش واحد منذ ما يقرب من 15 عامًا، وهو مقسم لطابقين؛ كل طابق يتكون من 8 غرف؛ أي 16 غرفة في الحوش، يقيم مع شقيقة في الدور الأرضي فقط؛ حيث حصل راضي على القسم الأكبر من الحوش بسبب عدد أبنائه. أما عنتر فيعيش في القسم الأصغر.

تقول ليلى إن “الحياة في المقابر ليست سيئة كما يروج البعض؛ فنحن مُعفَون من تكاليف أساسيات الحياة، مثل فاتورة الغاز والكهرباء والمياه، فضلًا عن أن المنطقة حيوية؛ فيمكنني الذهاب إلى عملي والعودة بسهولة، كما أن الجيران بمنزلة أهالي؛ فبعد العصر نجلس مع الجارات على باب الحوش لتبادل الأحاديث والأخبار والنكات”.

يتفق معها عنتر الذي يحب المقابر، لكنه يتمنى ألا يبقى ابنه فيها، ويخشى دائمًا من الوصمة الاجتماعية التي قد تلحق به. أما هو فقد أصبح كالسمك الذي لا يستطيع الخروج من الماء.

"الأستاذ حنفي" ترك التدريس وفتح ورشة نجارة: الحرفة أفضل

على بعد نحو 200 متر من سكن عنتر وراضي، يقطع صوت ماكينات الصمتَ الذي يعمُّ المكان، هي تابعة لورشة نجارة يملكها عم “حنفي” أشهر نجار بالمنطقة.

“الأستاذ حنفي”، كما يلقبه أهالي المنطقة، ليس حِرَفيًّا، بل حاصلٌ على ليسانس آداب قسم لغة عربية عام 1981، وعمل مدرسًا لمدة 7 سنوات، وهذا سر مناداة أهل المنطقة له باسم “الأستاذ”.

لكن تلك المهنة لم تكن تناسبه، كما يقول لـ”ذات مصر”؛ فقد كان يرغب أكثر في تعلم حرفة النجارة وتصنيع الأثاث، وجاءته الفرصة عندما سافر، ككثير من أبناء جيله، في التسعينيات إلى إحدى الدول الأوروبية، وهناك اضطرته الظروف إلى أن يلتحق بمصنع لصناعة الأثاث.

بعد عودته إلى القاهرة، قرر أن يستقر في منطقته وأن يحصل على حق انتفاع أحد الأحواش ليحوِّله إلى ورشة لصناعة الأثاث بالعمولة.

يقول عم حنفي لـ”ذات مصر” إن مقابر الباشوات هي مسقط رأس والده؛ فقد وُلد هو وأشقاؤه في تلك المنطقة، ولا يرغب في تركها. أما أبناؤه فيترك لهم حرية الاختيار، سواء رغبوا فيها أم لا.

الدكتورة هالة منصور أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أشرفت عام 1985 على دراسةٍ عن سكان المقابر بمنطقة المقطم، وكانت الدولة ترغب حينها في ترحيل ساكني المقابر إلى مساكن أخرى، لكن على عكس المتوقع واجه بعض السكان الأمر بالرفض التام.

تقول منصور لـ “ذات مصر”: “عند إجراء دراسة على السكن، وجدت أن هؤلاء السكان نوعان: الأول ميسورو الحال ويمكنهم الخروج. أما الثاني فلا تستطيعون الخروج بسبب الظروف المادية السيئة، لكنَّ كليهما يشتركان في أنهما حصلا على الاستقلالية؛ فالعيش في الأحواش يعني أن عائلة واحدة تعيش في مكان واحد بدون جيران في منزل واحد، وبدون مشاكل مع الآخرين”.

الدكتورة هالة منصور

وتضيف أستاذة علم الاجتماع، أن السكن في المقابر يضمن وجود مسكن مناسب بلا أي أعباء مادية تُذكَر مثل الإيجار والكهرباء والغاز والماء، بل يحصلون على أجر شهري بصفتهم حراسًا لتلك الأماكن، فضلًا عن أن وجودهم فيها يضمن لهم دخلًا في بعض المواسم من قِبل الزائرين من أهل الموتى.

وأوضحت منصور أن سكان المقابر اعتادوا العيش مع الأموات في الأحواش، وانتهت رهبة الموت لديهم؛ لذا يمارسون حياتهم بشكل طبيعي؛ فهم يحرصون على تعليم أبنائهم، واستغلال التكنولوجيا، وغالبًا ما يرفض أبناء تلك الشريحة البقاء في المنطقة بعد سن معينة.

وتلفت هالة إلى أن “الشريحة المعدمة، غالبًا ما تعيش على الصدقات، بالإضافة إلى الأعمال غير الشرعية، مثل تجارة المخدرات، وبيع بعض أجزاء الموتى لطلاب كليات الطب؛ ما يجعلهم متمسكين بالبقاء في ذلك المكان”.

عم سيد: لم أتمكن من العيش خارج المقابر أكثر من أسبوعين

عم سيد أقدم “تُربي” في منطقة الإماميين، يبلغ من العمر 92 عامًا، متعلق وجدانيًّا بالأحواش، ويعرف تاريخ المقابر بالتفصيل.

يحكي عم سيد عن أشهر تلك المقابر “حوش السجان” الخاصة بضابط ينتمي إلى الأسرة العلوية، ويحرس عم سيد مقبرته. يقول لـ”ذات مصر”: “لا لص يجرؤ على الاقتراب منها، على الرغم من أن أقفالها اهترأت بفعل الزمن”.

يرى عم سيد أن أفضل مكان يستريح فيه هو أن يفترش “الحصيرة” ويجلس عليها مع ابنته ليشاهد حفيده يلعب كرة القدم.

يقول عم سيد إنه حاول أكثر من مرة أن يعيش في غرفة عادية بمنطقة عين الصيرة، قريبًا من المدافن، لكنه لم يستطع أن يحيا بها أكثر من أسبوعين، ليعود بعدها إلى منطقته ومنزله؛ فهذه أرضه التي لا يتذكر متى جاء إليها، لكنه يسعى إلى أن يُدفن فيها.

بسبب السن، ولأنه غير مسجل لدى المحافظة بأنه “تُربي”، توقف عم سيد عن دفن الموتى منذ زمن بعيد، ومع ذلك لا يزال الكثيرون يستعينون به لقراءة القرآن على روح المتوفى.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

منى إبراهيم

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search