زوايا

مقابل اللقاح.. أرباح اقتصادية ودبلوماسية جديدة للولايات المتحدة

بعد خوض معركة حامية ضد فيروس كورونا، يبدو أن الولايات المتحدة بدأت تُحكم قبضتها على الوباء، وأخذ اقتصادها يتعافى. وقد يكون الوقت مناسبا الآن لكي تلعب أمريكا دورًا أكبر في اللقاح “التلقيح العالمي” ضد فيروس كورونا، سواء بدافع إنساني أو المصلحة.

مع تلقّي مزيد من جرعات اللقاحات المضادة لفيروس كورونا في الولايات المتحدة وحول العالم، بات هناك اتجاهان واضحان، فرغم وجود فوارق في معدلات التطعيم بالولايات المتحدة، كالفجوة بين الريف والحضر، فإنها تتضاءل أمام حالة عدم التكافؤ في الحصول على اللقاح على مستوى العالم، إذ يوجد أكثر من أربعين دولة لم تُعطِ ولو جرعة واحدة، ثانيا، وهي نقطة مرتبطة بما سبق، فإن الوباء لا يتراجع بشكل موحد ومتجانس.

تجارب لقاحات كورونا
تجارب لقاحات كورونا

هناك زيادة مفاجئة في عدد الإصابات داخل الولايات المتحدة كما الحال في ولاية ميتشجان، ولكن انتشار الفيروس القاتل في دول كالهند والبرازيل، أمر كارثي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

انضمت الولايات المتحدة أخيرا إلى الجهود المبذولة عالميا لتمكين الوصول العالمي للقاحات عبر تعهدها بتقديم 4 مليارات دولار لمبادرة كوفاكس بقيادة عدد من المنظمات متعددة الأطراف التي تسعى لتحقيق العدالة في توزيع اللقاحات عالميا.

ومنحت أمريكا أيضا أربعة ملايين جرعة من لقاح أسترازينيك، الذي لا تجيزه للمكسيك وكندا، وقد يؤدي قرارها بعودة الانضمام إلى منظمة الصحة العالمية -مصدر معلومات الصحة العامة ودعم العديد من الدول الفقيرة- إلى استعادة التمويل الذي تشتد الحاجة إليه في المنظمة أثناء الجائحة، ولكن يمكن لأمريكا أن تلعب دورا أكبر في ضمان تلقيح معظم دول العالم.

اقرأ أيضًا: “مزج اللقاحات”.. استراتيجية مجهولة لمواجهة “كورونا”

الأسباب الإنسانية للقيام بذلك لا تخفى على أحد، وهناك حاجة ماسة إلى الإمدادات الطبية، عوضا عن اللقاحات، لاحتواء الكارثة التي حلّت في الهند.

ولكن الهند تمثل جرس إنذار للدول التي تخفف القيود الصحية دون تطعيم سكانها بالسرعة اللازمة، إذ حصل أقل من 10% من سكان الهند على جرعة واحدة فقط من اللقاح.

تنفد جرعات اللقاح في الهند، وهي مفارقة مأساوية لأكبر دولة منتجة للقاحات في العالم، وهي التي تضم معهد مصل الهند (SII)، أكبر شركة منتجة للقاحات في العالم.

الرئيس الأمريكي بايدن
الرئيس الأمريكي بايدن

ولكن هناك أيضا أسباب تتعلق بالمصلحة الذاتية يجب أن تجبر الولايات المتحدة على المشاركة بنشاط أكبر في عمليات التلقيح.

يُقدِّر تقرير حديث صادر عن مؤسسة “راند” أن ما يُسمّى بـ”قومية اللقاحات” -وهي حالة تتجه فيها الدول إلى الوصول إلى إمدادات اللقاحات أولا وربما تخزين المكونات الرئيسية لإنتاج اللقاح على نحو يضر بالدول التي غالبا ما تكون أقل نموا- قد تكلف العالم ما يصل إلى 1.2 تريليون دولار سنويا من حيث الناتج المحلي الإجمالي.

ومن المقدر أن تكون فوائد ضمان حصول الدول منخفضة الدخل على اللقاحات متجاوزة بكثير التكلفة التي قد تتحملها الدول الغنية من خلال القيام بذلك، إذ ليس من المستغرب في عالم معولم تربطه التجارة والسفر، من المحتمل أن يتعطل الانتعاش الاقتصادي للولايات المتحدة بسبب المشكلات الصحية والاقتصادية التي تواجهها دول أخرى.

تدرج وزارة الخارجية الأمريكية 150 دولة على قائمة تنصح بـ”عدم السفر” إليها بسبب المستويات المرتفعة جدا من حالات الإصابة بكورونا، ومن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى إحداث خسائر كبيرة في صناعة السفر والسياحة، ناهيك بالشركات التجارية التي علّقت السفر الدولي لأكثر من عام.

اقرأ أيضًا: عدالة توزيع لقاحات كورونا.. الفقير يقف في آخر الصف

مع تفشي الوباء في عالم غير ملقّح، تظهر سلالات متحورة من الفيروس وتجد طريقها للانتشار بين مختلف الدول.

على سبيل المثال، الفيروس المتحوّر المسمى “مزدوج الطفرة” (لأنه يحتوي على طفرات من كاليفورنيا وجنوب إفريقيا والبرازيل وأماكن أخرى)، والذي يجتاح الهند، تم اكتشافه بالفعل في الولايات المتحدة.

ويمكن أن يكون تلقيح أكبر شريحة ممكنة من سكان العالم وسيلة للفوز في السباق ضد السلالات المتحورة. ولا شك أن تحقيق “مناعة القطيع” عالميا هي الطريقة الأكثر استدامة لتحقيقها محليا.

لقاح اسبوتنيك
لقاح اسبوتنيك الروسي

وتخاطر الولايات المتحدة أيضا بخسارة سباق القوة الناعمة أثناء الوباء لصالح الصين وروسيا، اللتين شحنتا لقاحات محلية الصنع إلى دول أخرى.

على سبيل المثال، شحنت الصين لقاح سينوفاك، محلي الصنع، إلى أكثر من 50 دولة، بما في ذلك معظم دول أمريكا اللاتينية، وتوجهت العديد من الدول إلى اعتماد لقاح سبوتنيك الروسي.

بالنظر إلى هذه التطورات، ما الذي يمكن للولايات المتحدة أن تفعله؟

تعيق القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على صادرات المكونات الأساسية المستخدمة في تصنيع اللقاحات عملية إنتاجها.

وقد ناشد معهد مصل الهند أمريكا لتخفيف تلك القيود، فقررت الولايات المتحدة إرسال مواد أولية مهمة لتصنيع اللقاحات إلى الهند وقد ترغب في التفكير برفع القيود عن تلك المكونات على المدى الطويل بشكل أكثر استراتيجية بدلا من تقديم تنازلات تكتيكية للتعامل مع الأزمة الحالية.

وفي حين أن تأمين الحاجة المحلية لمثل هذه المكونات أمر مهم، فإن القدرة الحالية على إنتاج اللقاحات لمعظم أنحاء العالم تكمن في مكان آخر.

في الوقت ذاته، لا يبدو أن الاستراتيجية الحكيمة تقتضي السماح لدولة نامية مثل الهند بتحمل الجزء الأكبر من عبء إنتاج اللقاح العالمي أثناء الجائحة.

فقد تعهد معهد مصل الهند بتقديم 1.1 مليار جرعة إلى مبادرة كوفاكس، بما في ذلك 100 مليون جرعة في مايو الجاري، ولكنه تمكّن من تقديم 20 مليون جرعة فقط.

في مواجهة أزمتها الحالية والحاجة إلى تطعيم سكانها، الذين يزيد عددهم على مليار نسمة، أوقفت الهند الصادرات، مما كان له تأثير على كثير من الدول، خاصة في إفريقيا، التي تنتظر الحصول على اللقاحات من خلال مبادرة كوفاكس.

ويمكن أن تأخذ عملية الإنتاج المكثف حاليا للقاحات في الولايات المتحدة في عين الاعتبار الاحتياجات العالمية من خلال العمل على إنتاج لقاحات أكثر ملاءمة للدول منخفضة الدخل، كما يمكن أن تساعد هذه القدرة المتزايدة أيضا على بناء المرونة المحلية اللازمة في حالات الطوارئ الصحية المستقبلية.

وأخيرا، طلبت الدول المتقدمة الحصول على جرعات من اللقاحات لكل مواطن، مما أثر على توفرها في أماكن أخرى.

ومن المرجح أن تصل الولايات المتحدة قريبا إلى مرحلة اللا عودة، حيث يفوق المعروض من اللقاحات الطلب عليها.

لقاح استرازينكا
لقاح استرازينكا

ومع الاستمرار في مواجهة تحدياتها الخاصة بشأن التردد في اعتماد اللقاحات، يمكن للولايات المتحدة أن تخصص اللقاحات الفائضة بشكل جيد ومثالي لمبادرة كوفاكس دون التقليل من حصة مواطنيها.

وفي حين كان إعلان مشاركة مزيد من لقاح أسترازينيكا موضع ترحيب كبير، يمكن أيضا التفكير في اللقاحات التي طورتها الولايات المتحدة، فقد أثبت لقاح جونسون آند جونسون، ذي الجرعة الواحدة، أنه مفيد في تطعيم المجتمعات المعرضة للإصابة في الولايات المتحدة.

وقد يكون استئناف إنتاج هذا اللقاح فرصة ذات أولوية أيضا للسكان المعرضين لخطر الإصابة في جميع أنحاء العالم.

يمكن أن تجني الولايات المتحدة مكاسب هائلة من حيث إنقاذ الأرواح وإحياء الاقتصاد العالمي ودبلوماسية اللقاحات.

المصدر: (اضغط)

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى