مقاتلة بالقلم

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

عادت تلميذات الصف الثالث الابتدائي بمدرسة مغاغة إلى فصولهن الدراسية، بعد رحلة نظمتها المدرسة إلى مصنع السكر، وطلب مدرس اللغة العربية كتابة موضوع تعبير يصف المصنع والعمال والماكينات ومراحل التصنيع.. أراد مدرس اللغة موضوعًا صغيرًا من عدة جمل، على قدر طاقة تلميذات صغيرات ما زلن يتعلمن القراءة والكتابة.. لكن إحدى التلميذات كتبت 15 صفحة، بأسلوب أدبي مدهش.. أخذ المدرس ما خطته الصبية الصغيرة، وبلغ به التأثر حد البكاء أمام تلاميذه.

نعمات أحمد فؤاد، الأديبة المقاتلة، عاشت حياتها دفاعًا عن مصر وشعبها ونيلها وآثارها، وخاضت المعارك انتصارًا للجمال والحضارة واللغة والأرض.. عريقة، عراقة صعيد مصر الذي وهبنا إياها.. أصيلة، أصالة بلدة مغاغة بمحافظة المنيا حيث ولدت ونشأت وحفظت القرآن الكريم، وتلقت تعليمها الأوليّ قبل أن تنتقل إلى المدرسة الثانوية الداخلية بضاحية حلوان، وتتخرج فيها لتكون أول فتاة مصرية تحقق المركز الأول على مستوى الجمهورية في امتحانات “التوجيهية”.

التحقت الطالبة النابهة بكلية الآداب، ثم حصلت على الماجستير عام 1952 في أدب عبد القادر المازني، فكانت صاحبة أول رسالة علمية في الأدب الحديث تناقشها الجامعات المصرية.. ولأن حبها للنيل بلغ حدًّا لا يُدرَك فقد جعلت رسالتها للدكتوراة عام 1959 بعنوان “النيل في الأدب المصري”.. ولم يكن غريبًا أن يسبغ عليها أبناء بلدتها لقب “عروس النيل”.

توثقت علاقة نعمات فؤاد بكبار أدباء عصرها، وعلى رأسهم الأستاذ أحمد حسن الزيات الذي كان يعتبرها امتدادًا له، وكذلك بالأستاذ عباس محمود العقاد الذي وضعت عنه كتابها “الجمال والحرية والشخصية الإنسانية في أدب العقاد”.. وقد توالى الإنتاج الأدبي للراحلة الكبيرة منذ عقد الخمسينات، وهو إنتاج اتسم بالغزارة في حجمه، وبالعمق والصدق في مضمونه.

ولعل من أشهر أعمال نعمات فؤاد كتابها عن سيدة الغناء العربي بعنوان “أم كلثوم وعصر من الفن”، وهو مرجع مهم جدًّا في تاريخ كوكب الشرق، وتقول عنه صاحبته: عند انتهائي من كتابة هذا المؤلف الذي لم أكتبه سيرة ذاتية فقط ولكن تأريخًا لعصر شامل، ذهبت إلى الست أم كلثوم كي أعرضه عليها قبل طبعه، فقرأته ونال إعجابها ولكنها تحفظت على بعض نقاط وردت به، أذكر منها ما كتبته عن مكانتها وقت أن كانت منيرة المهدية سلطانة الطرب… احتكمنا إلى شاعر الشباب أحمد رامي فجاء في صفي”.

ومن أعمالها المهمة أيضًا كتاب “شخصية مصر”، الذي انتهت من إعداده، ثم بلغها أن الدكتور جمال حمدان قد أرسل كتابًا إلى المطبعة بنفس العنوان، فاتصلت به مصرة على تغيير عنوان كتابها، لكن العالم الكبير قال لها: اتركيه يا نعمات.. فأنت كتبتِ عن التاريخ وأنا كتبتُ عن الجغرافيا، وسأضع تحت عنوان كتابي عبارة “دراسة في عبقرية المكان”. أما كتابها “رسالة إلى ابنتي” فقد تُرجِم إلى عدة لغات خصوصًا بعد أن منحته اليونيسكو عام 1962 جائزة أفضل كتاب في العام عن قضية الأمومة.

ومن أهم أعمال نعمات أحمد فؤاد موسوعة “عيون الكتب”، وهي دراسة وتحليل لنحو أكثر من 200 كتاب من الكتب العالمية، وحين سُئِلت: هل تغني هذه الموسوعة عن مكتبة، أم أن هذا صيغة من صيغ المبالغة؟ أجابت: هذه الموسوعة قصدت بها أن تحث على التعلم والاطلاع، ومعرفة ما عند الآخرين، وهي بذلك تغري باقتناء مكتبة، ولا تغني عن مكتبة.

وقد امتلكت نعمات فؤاد مكتبة ضخمة كونتها مع زوجها ورفيق دربها الأستاذ محمد طاهر، وتضم أكثر من 40 ألف مجلد، وقد أوصت أن تؤول هذه الكتب والمجلدات جميعًا إلى مكتبة الإسكندرية.

ومن مؤلفاتها الكثيرة الغزيرة نذكر: “القاهرة في حياتي”، “اللص والكلاب.. محنة البنوك المصرية”، “صناعة الجهل”، “خصائص الشعر الحديث”، “آفاق مصرية”، “آفاق إسلامية”، “النيل في التراث الشعبي”، “العودة إلى المنبع”، “أعيدوا كتابة التاريخ”. كما تركت دراسات أدبية عدة عن الرافعي والأخطل الصغير وأحمد رامي وإبراهيم ناجي.

كانت الأديبة الكبيرة تملك قلمًا حادًّا، توجهه كسلاح فتاك ضد كل انتهاك لحضارة مصر وتاريخها وأرضها.. وقد انتصرت في كل معاركها، وخرجت مرفوعة الرأس، محاطة بحب المصريين وتقديرهم، ومن أهم معاركها تصديها لقضية “هضبة الأهرام” عام 1977، حين قررت السلطة بيع 10 آلاف فدان بجوار أهرام الجيزة إلى مستثمر كندي، لإقامة مدينة سياحية وملاعب جولف ومبانٍ تغيّر معالم المنطقة الأثرية الأهم في العالم، مقابل مليوني دولار.. وأطلقت نعمات هجومها الأول بمقال في صحيفة الأهرام تحت عنوان: “مدينة سياحية عند الهرم، رفضت فيه الحفر والدّك وتوصيل أنابيب المياه والصرف إلى جوار الأهرام الخالدة، وأعلنتها مدوية: “إن أصحاب الأموال غير أصحاب الحضارة”.

تلقت الأديبة الكبيرة اتصالاً من رئيس مجلس إدارة الشركة المنفذة للمشروع، وحاول إقناعها بما تراه جريمة، فلمّا أصرت على موقفها اتخذ سبيلاً آخر، يهددها تارة بإخبارها بأسماء كبار المسؤولين الذين حجزوا بالفعل فيلّات في المشروع، ويستميلها تارة بعرض منحها فيلّا مقابل أن تصمت.. وكان الرد في اليوم التالي عبر صحيفة الأخبار بمقال عنوانه “ارفعوا أيديكم عن هضبة الأهرام”.. واضطرت وزارة السياحة إلى إصدار بيان ترد به على سلسلة المقالات “الفؤادية” التي لا تكاد تنقطع، وفندت الراحلة الشجاعة بيان الوزارة، واتهمتها بخداع الشعب، وتجاهل البرلمان، وانحاز الرأي العام لموقفها، واضطر الرئيس السادات إلى إصدار قرار بوقف المشروع.

ومن معارك نعمات فؤاد التي لا تنسى، تصديها لمحاولة دفن نفايات نوورية في مصر، بعدما وقعت الحكومتان المصرية والنمساوية بروتوكولاً عام 1978، يقضي باستقبال أول شاحنة تحمل نفايات نووية لدفنها بالصحراء الشرقية، وعندما لم تجد نعمات استجابة من بلادها، خاطبت السلطات النمساوية، ثم فوجئت ذات يوم بزيارة سفير النمسا في القاهرة إلى منزلها، مقدمًا اعتذاره، ومؤكدًا على إلغاء البروتوكول.

استمرت الكاتبة المجاهدة في خوض معاركها، فناضلت بقلمها ضد هدم قبة الحسين، وقاومت التعديات الداخلية على نهر النيل، وسفر الآثار المصرية الفريدة إلى الخارج، ومشروع باب العزب المتمثل في تحويل جزء من القلعة إلى مشروع استثماري، وشنت حملة لاسترداد الآثار المصرية التي استولت عليها إسرائيل في أثناء احتلالها لسيناء، ودخلت في مواجهات شرسة مع فاروق حسني، وزير الثقافة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ومُنِعت كتبها من الطباعة، وتعرضت أحيانًا للمصادرة.

شغلت الراحلة الكبيرة منصب أستاذ الدراسات العليا لمادة فلسفة الحضارة بجامعة حلوان، ودرست في جامعات الأزهر وإسطنبول ونيويورك وجورج تاون وطرابلس، وعم وأكاديمية الفنون، كما كانت عضوًا بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، واللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية، ورئيسًا للجمعية العلمية للمحافظة على التراث والآثار التاريخية.

كان بيت نعمات فؤاد أشبه بمتحف للتراث المصري عبر العصور، وقد قسمته إلى قاعات لكل منها اسم: قاعة النيل، قاعة مصر، القاعة الفرعونية، القاعة الإسلامية، وكلها تضم أنماطًا مختلفة لأشكال الفن المصري، من لوحات ومنحوتات وقطع الخزف والآلات الموسيقية والأثاث المزين بالمقرنصات.. استمساكًا بأصولها وتاريخها، واعتزازًا بماضي أجدادها.. ورأت أن مصر أضفت روحها على الدين: مسيحية وإسلامًا، فموسيقى الكنيسة القبطية هي الأعظم بين الموسيقات الكنسية في العالم، وتلاوة القرآن المصرية هي الأعلى بين أساليب التلاوة في الدنيا.. وقالت كلمتها: مصر مَوْسَقَت الدين.

عاشت نعمات أحمد فؤاد 90 عامًا، وفي السنوات العشر الأخيرة من حياتها، فرضت على نفسها عزلة اختيارية، واعتكفت في منزلها خضوعًا لأحكام الزمن وتقدم السن، ثم رحلت، وبقيت كلمتها التي تلخص حياتها: شيء كبير أن يكون للإنسان قلم.. ولكن شيء نفيس أن يكون للإنسان موقف.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram