مقاتلو داعش الأجانب "بضائع مُفخخة"

لطالما كانت إعادة المقاتلين الأجانب من أماكن الصراع في سوريا والعراق إلى أوطانهم قضية خلافية للغاية، باعتبار هؤلاء أشبه بالقنابل الموقوتة أو الطرود البشرية المفخخة بالأفكار السامة. فهناك دول، مثل مقدونيا، استعادت مقاتليها، في حين كانت دول أخرى، مثل فرنسا، أكثر انفتاحًا على إعادة الأطفال، أبناء المقاتلين، إلى أراضيها. وقد واجهت جهود إعادة هؤلاء إلى أوطانهم مقاومة من الجمهور ومعارضة من السياسيين، ففي النرويج مثلاً أدى قرار إعادة زوجة أحد المقاتلين وطفليها من سوريا إلى انهيار الائتلاف الحاكم.

وقد قرر مجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة، في وقت سابق، إعادة تأهيل هؤلاء المقاتلين الأجانب وإدماجهم، في حين لم ينص القرار على إعادة المقاتلين الأجانب إلى بلدانهم الأصلية، وهذا تحديدًا ما دعا الولايات المتحدة في أغسطس 2020 لاستخدام حق النقض ضد قرار مجلس الأمن، الذي كان يستهدف التعاطي مع مصير هؤلاء المقاتلين الباقين في سوريا والعراق، وحينها قالت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، كيلي كرافت، إن القرار الأممي “فشل حتى في تضمين إشارة إلى الخطوة الأولى الحاسمة، وهي العودة إلى بلدان المنشأ أو الجنسية”.

مقاتلو داعش
نفور أوروبي من عودة المقاتلين

دول أوروبا خصوصًا كانت تبدي نفورًا من إعادة مقاتليها الأجانب، فلدى أوروبا تجارب مع الهجمات الإرهابية على أيدي هؤلاء العائدين، إذ ضلع مقاتلون ينتمون إلى تنظيم داعش عادوا من مناطق الصراع في سوريا والعراق، في العديد من الهجمات مثل واقعة إطلاق النار 2014 على المتحف اليهودي في بروكسل، وهجوم 2015 على قطار تاليس في فرنسا، وهجمات باريس 2015، وتفجير مطار بروكسل 2016. ومن هنا يبرز التخوف الأساسي لدى أوروبا، وهو أن المقاتلين العائدين قد يخططون لهجمات مماثلة  في أوطانهم الغربية.

ورغم ذلك التخوف، عاد المقاتلون المتهمون في تلك الهجمات إلى أوروبا تحت أنظار الأجهزة الأمنية. فمثلاً عاد مهدي نموش، الرجل الذي هاجم متحف بروكسل، عبر تركيا وماليزيا وسنغافورة وهونج كونج لتجنب اكتشافه. وفي حالة هجمات باريس، استغل الجناة طرق اللاجئين لتهريب المقاتلين الأجانب.

كيلي كرافت

مشروع القرار الصادر من مجلس الأمن، حث وقتها الدول الأعضاء لمنع التهديدات الأمنية المستقبلية من المقاتلين الأجانب، من خلال تقديمهم إلى العدالة، ومنع عودتهم إلى الإرهاب وتجنيد مزيد من المقاتلين أو تجنيد مرافقيهم من أسرهم، خاصة الأطفال، بما في ذلك تسهيل عودة الأطفال إلى بلدانهم الأصلية، بحسب الاقتضاء وعلى أساس كل حالة على حدة.

أربعون ألف شخص من جميع أنحاء العالم سافروا إلى سوريا والعراق للقتال في صفوف تنظيمات مثل “داعش”، وقد لقي كثير منهم حتفهم في ساحة المعركة أو عادوا إلى ديارهم. ورغم ذلك بقيت مجموعة نشطة من المؤيدين الأجانب لما سُمي بـ”الخلافة الإسلامية” حتى بعد أن خسر تنظيم “داعش” الأراضي التي سيطر عليها، وانهار أوائل 2019. ومنذ ذلك الحين، ظل آلاف المقاتلين الأجانب رهن الاحتجاز، في أماكن مثل مخيمات “الهول” و”الروج” التي يسيطر عليها الأكراد في سوريا.

مهدي نموش
مكاسب العودة

الدول المؤيِّدة لإعادة المقاتلين الأجانب إلى بلادهم يرون أن خطرهم سيكون مرئيًا لأجهزة الأمن، وسيقل هذا بالفعل عبر عدد من الإجراءات،  منها: 

أولاً: تُمكِن محاكمة العائدين على الجرائم المرتكبة في سوريا والعراق وإيداعهم السجن.

ثانيًا: سوف تسمح الإجراءات الإدارية المختلفة -مثل إلغاء جواز السفر- للسلطات، بتقييد التحركات المحتملة للأفراد المشتبه بهم.

ثالثًا: تتبّع العائدين إلى الوطن، وتزويدهم بالمساعدة في إعادة التأهيل، من شأنه أن يوفر الفرص لرصد أنشطتهم.

وفي حين أن المخاطر الأمنية أكثر قابلية للإدارة في حالات العودة الخاضعة للرقابة، سيواجه العالم حالة من عدم اليقين أكبر، إذا بقي المقاتلون الأجانب في سوريا والعراق.

دروس تاريخية

لا يشكل الأفراد العائدون إلى بلدانهم التهديد الوحيد، إذ تشير الدروس المستفادة من التاريخ إلى أن من يقومون بإعادة موضعة المقاتلين الأجانب يمكن أن يشكلوا تهديدات متساوية، إن لم تكن أكبر.

في هذا السياق، يذكر أنه بعد الحرب السوفييتية – الأفغانية، انضم المقاتلون الأجانب الذين حُرموا من فرصة العودة إلى العديد من النزاعات المسلحة في العالم.

الحرب السوفيتية في أفغانستان

وساعد أولئك الذين نقلوا المقاتلين الأجانب على نشر الأيديولوجيات الجهادية في جميع أنحاء العالم، وشجعوا على نشر الإرهاب.

على سبيل المثال، سافر الأمريكي كريستوفر بول إلى أفغانستان والبوسنة، قبل أن يشق طريقه إلى ألمانيا لتدريب الخلايا الإسلامية هناك.

وفي التسعينات، وجد مقاتلون أجانب الملجأ في أوروبا، حيث ساعد بعضهم في بناء شبكات جهادية أوروبية. وبالمثل، كان أبو حمزة المصري ناشطًا في مسجد “فينسبري بارك” بلندن، مستهدفًا نشر أفكار جهادية متشددة.

في الوقت الحالي، يظل الخطر قائمًا في أنه حال عدم إعادة المقاتلين الأجانب من سوريا والعراق، فقد ينتقلون بالمثل إلى مناطق أخرى لنشر قناعات تنظيم “داعش”. وفي الوقت الذي تبدو فيه دول عدة مشلولة بسبب التردد حيال هذا الشأن، فإن تنظيم “داعش” يستغل هذا الوضع.

في هذا السياق، أفادت السلطات الكردية أن عددًا من أعضاء التنظيم هرب من السجون، وحذرت تقارير عديدة من أن تنظيم “داعش” بدأ يستعيد قوته وينجح في شن هجمات إرهابية في المنطقة.

مقاتلون أجانب في الرقة

هؤلاء المقاتلون الأجانب الذين تُركوا سوف يسعون للانضمام إلى تنظيم “داعش” في أول فرصة مواتية، لكن يمكن للآخرين أن يسلكوا مسارًا مختلفًا إذا أُعِيدوا إلى أوطانهم وقُدِّموا إلى العدالة، وأُعِيدوا إلى حياة هادئة.

تعريف بالكاتب:

إيلينا بوكالوفا: أستاذة مشاركة في كلية شؤون الأمن الدولي، في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن، ومؤلفة كتاب “عودة المقاتلين الأجانب الإسلاميين: التهديدات والتحديات للغرب”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

ترجمة

تامر الهلالي

مترجم مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search