وجهات نظر

مقاربة أخرى للوساخة

محمد السيد الطناوي

في سياق حديث ما، خصّني صديق باعتراف أنه “وسخ”، واكتشف أن “وساخة” الطبع جبرية لا حيلة معها، وهذا الاكتشاف أو القناعة الجديدة ستترك المجال واسعا أمام “وساخته” لتتمدد في معاملاته، وربما في مقبل الأيام يسعد بها بعد انزعاج تسببت فيه مثلما كان واضحا من الدردشة العابرة.

كان تعليقي العفوي على كلامه أنه ما دام مرتاحا مع وساخته فلا مشكلة.. توقفت بعدها عند عبارة لم أتكلفها وتبدو للوهلة الأولى لا أخلاقية مثل نزوع صديقي، لكنها تعود في الواقع إلى ترتيب القيم لديّ، وليس غرضها تشجيع الصديق على مسلكه، فأنا أنفر نفورا بالغا من أن يتكلف أو يدعي أحدهم سلوكا ليس من طبعه، وأرى في ذلك رأس الشرور، وإذا تتبعت نفوري إلى مستوى أعمق فهو يجيء رد فعل على ثقافة تحتفي بالتكلف وتسوّق للادعاء، لهذا فمكاشفة النفس عندي فضيلة الفضائل، ونفورا من التصنع، فكثيرا ما بادرتُ إلى صدم بعضهم، إذا ما لمست صورة مثالية خصّوني بها، لأنها غير حقيقية، وأفضّل أن أكابد من النقص الإنساني على أن أغترّ بسلوك ظاهرُه الإحسان.

ليس فيما أسجله دعوة لإطلاق النوازع دون ضابط، فهناك آداب عامة تواضع عليها المجتمع لسلامه، واستقرت عليها الأسرة لتماسكها، ولا تشق على الأسوياء، لكن نفوري الرئيسي من تكلف حجب الذات عن نفسها ومنعها من أن تكون ذاتها.

ولعل أبلغ من تناول المعنى المراد هو عالم النفس الشهير كارل يونج في عرضه لمفهومه القناع persona، الذي يمكن رصده في سلوك كل منا استجابة لثقافته وإرضاءً لمجتمعه، عندما يتخلى عن مكونات بشخصيته، سعيا لتشكيل صورة مثالية عن ذاته يرتضيها لنفسه ويرضاها محيطه، أما المضامين “الفكر ـ عاطفية”، التي لا ينجح في استدماجها داخل الـpersona فيتم إهمالها ونسيانها أو إنكارها وكبتها رغبة في القبول المجتمعي.

والمفهوم persona مأخوذ من القناع في العمل المسرحي، يضعه الممثل لكي يتقمص دورا مقتبسا من الحياة الجماعية حين يستبعد ذاته ليجسد الشخصية المطلوبة منه، وتتمدد مهمة القناع لتشمل إخفاء المكون المجتمعي وإيهام الذات بأنه ينتمي لفرديّتها، وهذا لا يدفع إلى إنكار أن ثمة ما هو “فردي” في المكون المجتمعي بوصفه اختيار “الفردي”.

لكن هل تمييز المكون النفسي المجتمعي عن “الفردي” أمر سهل؟ في حالة صديقي، وربما بصفة عامة، من الصعب التمييز بين المكونين، فمن المتعسر معرفة إذا كانت النذالة والتمركز حول الذات كما قصد إليها صاحبي بتعبير “الوساخة” طبع أصيل ألزمه محيطه إنكاره وكبته أو أنها “عامل لا شخصي” حرضته عليه حياة مجتمعية غلب عليها الفساد الأخلاقي، هذه الحيرة تمتد إلى الفرد نفسه، فالقناع عملية تضليل محكمة توهم المرء أن المكون النفسي المجتمعي لديه هو “فردي” والعكس، أن ما يبدو “فردي” ربما كان في العمق مجتمعيا، لكن مهما بلغ إحكام القناع فإن الذات اللا واعية “الفردية” تنزع إلى التعبير عن نفسها، حتى ولو في أبسط صورة، مثلما يكون في الأحلام، وذلك تحقيقا لتوازن النفس، فالقناع يخفي قهرا تمارسه الحياة المجتمعية على المرء.

وبينما تتسم سيكولوجية القناع بالوضوح فيسهل فهمها نجد “الفردية”، لارتباطها باللا وعي، معتمة وغامضة و”يصعب بشكل لا نهائي إدراكها”، لكن مع ذلك هي ما يجعل الفرد الكائن الذي يجب أن يكون عليه، وتحقيقها لا يعني بالضرورة التمركز حول الذات، بل يتطلب تَمثُل الفرد لطبيعة وجوده، أما التمركز حول الذات والأنانية فيعود للفردانية التي تعمل على إبراز ومضاعفة سمات الفرد بالتعارض مع واجباته تجاه الحياة الجماعية.

لا تتعارض “الفردية” إذن مع الحياة الجماعية، بل مع ثقافة تنزع إلى قمع “فردية” المرء وكبتها لحساب صورة مثالية ينبغي عليه تمثلها، فلا هم لـ”الفردية” إلا إبراز تفرد الشخص، والتفرد يعني فيما يعنيه “القيام بالمهام الجماعية للفرد بصورة جيدة”، وكلما كانت الشخصية ثرية كلما كانت متفردة لتتسع الفروق الفردية بينها وغيرها، في حين أن الأشخاص الذين لا يملكون إلا وعيا فطريا يتشابهون بشكل كبير.

يجعلنا التفرد ما نحن عليه حقا وليس شخوصا آخرين، وهو لا يستهدف إلا تحرير الذات من الصور الزائفة للقناع، لكن هناك ثقافة، مثل ثقافتنا، لا ترتضي هذا النزوع، فتنحو منحى التنميط، قامعة أي بادرة للتفرد بما هو اختلاف وتمايز، محرضة على التكلف والادعاء والمداراة من أجل تحصيل القبول المجتمعي، ولا يمتد الأثر السلبي لذلك إلى الصحة النفسية فقط، بل يضم إليه أيضا قدرة المرء على الإبداع.

من هنا يمكن أن تتفهم تعليقي على كلام صاحبي بأنه تقدير للمكاشفة ورفض التكلف وتثمين للرغبة في تحرير الذات من أغلفة القناع الزائفة، التي ربما تبصرها مثلي ـ فيما خبرته من حياتك ـ هي الوساخة بعينها.

Email: Mohamed.altanawy1@gmail.com

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى