وجهات نظر

مقام سماعي.. لك أذن موسيقية.. أم صفيح؟

أحمد الصادق

 

 “هل لديك أذن موسيقية؟”

كثيرًا ما سمعنا في حياتنا هذا السؤال، ومر علينا مرور الكرام، مصحوبًا بإجابة تكون في غالب الأحوال شبيهة بــ”لا.. لكني أحب أن أستمع للموسيقى”، ولكن هل حقًا نحن متأكدون من إجابتنا بـ”لا…”، بل هل، بالأحرى، نعلم يقينًا ما يقصده السائل بذلك السؤال؟ هل يقصد أننا نستطيع تذوق الموسيقى؟ أم يقصد أننا نملك حاسة أذنية رفيعة تتيح لنا الاستماع لمقطوعات كلاسيكية معقدة ونستمتع بها دون الآخرين؟ أم أن لنا آذانًا تستطيع بإحكام أن تدندن ما سمعناه بحرفية عالية؟ أو حتى ربما بعد سماعنا لها لمرة واحدة منذ زمن؟ أم أن نتوقع نقلات المقطوعات ومتى تنتهي قبل أن تنتهي؟ أم تحديد التعبير الموسيقي للمقطوعة إذا كانت -بالتعبير الساذج- سعيدة أو حزينة؟ أم أننا نستطيع باقتدار أن نحدد المقام بمجرد سماعه، وتحديد درجته بضربة واحدة بطبلة الأذن؟

نحن نسمع دائمًا عن مصطلح “الأذن الموسيقية” ونتمنى دائمًا أن نحظى بها، الأذن التي تعطي هبة للمرء، كي يدرك حسيًّا، وبنحو دقيق، درجة النغم والإيقاع. موتسارت مثلًا معروف بأن كانت لديه أذن موسيقية غير عادية، ونحن نتوقع بلا ريب أن كل الموسيقيين لا بد من أن لديهم تلك الأذن، وإن لم يكن شرطًا أن تصبح موتسارتية.. ولكن، هل امتلاك المرء لأذن موسيقية يعتبر كافيًا؟

في رواية الكاتبة الإنجليزية ريبيكا ويست “فيضان النافورة” التي كان يغلب عليها تصنيف السيرة الذاتية أكثر، كانت “كورديليا” قد ترعرعت وسط عائلة موسيقية.. الأم موسيقية محترفة، والأختان كذلك.. أما كورديليا فلم تكن موسيقية، رغم أنها كانت تملك أعظم أذن موسيقية في العائلة.

جاء على لسان شقيقتها: “امتلكت كورديليا أذنًا موسيقية حقيقية، ودرجة نغم مطلقة بالفعل، لم تكن لدى أمي، ولا ماري، ولا أنا مثلها. كانت لها أصابع مطواعة، يمكن أن تحنيها إلى الرسغ تمامًا، وكان في إمكانها أن تقرأ أي شيء فور رؤيته، موسيقيًّا، لكن في كل مرة كانت كورديليا تعزف على الكمان، كان وجه أمي يتغضّن، غضبًا في البداية، ثم إشفاقًا في الوقت المناسب تمامًا.. كانت نغمتها زلقة على نحو فظيع، وبدا تقسيمها للعبارات الموسيقية مثل راشد غبي يشرح شيئًا لطفل. لم تكن تعرف أيضًا الموسيقى الجيدة من الرديئة، كما كنا نفعل، وكما فعلنا دومًا”.

في ناحية أخرى، وعلى النقيض من قصة كورديليا، نجد “جورج”، في قصة “الذُّرة الأجنبية” للروائي الإنجليزي سومرست موم.. “جورج”، ذلك الشاب المنحدر من عائلة نبيلة، المهيأ لحياة الصيد والرماية، نجده وقد نزع إلى رغبة شديدة في تعلم الموسيقى والبيانو، فسافر إلى ألمانيا لمدة سنتين، ثم عاد ليبدأ اختباره الأول الذي يقيس قدرته الموسيقية على البيانو.. كانت حاضرة آنذاك “لي ماكارت”، وهي عازفة بيانو شهيرة ومحترفة، جاءت لتقول رأيها في عزف جورج.

لكن جورج بدا عليه القلق، وعدم تمكنه من العزف، فأخذت يداه ترتعشان، يخطئ كثيرًا، يفعل العديد من النغمات الشاذة، ولا تنساب أصابع يديه على البيانو، بل أحدثت ضجيجًا غير متزن مع إيقاع المقطوعة، ما أدى إلى أن قالت “ماكارت” بعد انتهائه من العزف: “إذا ظننت أنك تملك في نفسك مقومات فنان، فيجب ألا أتردد في التوسل إليك كي تتخلى عن كل شيء من أجل الفن، الفن هو الشيء الوحيد الذي يهم.. فمقارنة بالفن، ليست للثروة والجاه والنفوذ أي قيمة”، ثم تابعت القول إن جورج لا يملك يدي عازف، ولا أذنًا موسيقية، وإنه لن يصبح أبدًا عازفًا من الطراز الأول ولو بعد ألف سنة!

يعاني كل من جورج وكورديليا من ضعف ما، لا يكتمل معه تذوق الموسيقى. فها هو جورج المولع بالموسيقى، لديه دافع جبار لتعلمها والعزف على البيانو، وتفانيًا لتحقيق حلمه، لكنه يفتقر إلى بعض الكفاءات العصبية الأساسية، كما أن أذنه الموسيقية ضعيفة. وها هي كورديليا تمتلك أذنًا موسيقية رائعة واستثنائية، لكنها تفتقر إلى التذوق، فلا تميز بين الموسيقى الحسنة والرديئة، ويتعذر عليها فهم تقسيم العبارات الموسيقية. نحن جميعًا بالطبع نأمل أن تتشابك رغباتنا مع قدراتنا: “ولكن سيكون هناك دائمًا أولئك الذين مثل جورج، ممن لا تتوافق قدراتهم مع رغباتهم، وأولئك مثل كورديليا، الذين يبدو أنهم يملكون كل موهبة، باستثناء الموهبة الأهم: ملكة التمييز أو الذوق”.

ليست في الموسيقى أيقونة مثالية، ليست هناك أذن إلهية تستطيع أن تفعل كل المعجزات، فينحني لها المنصتون، لا وجود لموهبة كلية، سواء معرفيًّا ووجدانيًّا.

يُذكر أن تشايكوفسكي كان على دراية تامة بأن قدرته على تكوين اللحن الموسيقي هائلة، إنها مساحته التي يستطيع التلاعب فيها، هي عرينه وملعبه، فيه يتنافس بثقة مع عظماء الموسيقى. لكنه كان يدرك أيضًا أن تلك القدرة لديه لم تكن مماثلة لقدرة تكوينه لتوليفات هارمونية مركبة من عدة ألحان متداخلة. لم يكن تشايكوفسكي يريد أن يصبح مؤلفًا عظيمًا كبيتهوفن، فقد كان سعيدًا مكتفيًا بكونه مؤلفًا لحنيًّا عظيمًا.

أما بالنسبة إلى علم التشريح، فأدمغة الموسيقيين تظهر بصورة لافتة مختلفة عن الأدمغة الأخرى العادية. ويتعلق الأمر بالفن الموسيقي فقط، فأدمغة الكُتّاب، المثّالين، الرسامين، الرياضيين.. لا تشكل ذلك الفارق الموجود لدى الموسيقيين، فباستخدام الرنين المغناطيسي أجرى جوتفريد شلوج في جامعة هارفارد مقارنات دقيقة لأحجام تراكيب دماغية متنوعة، ونشر في عام 1995 بحثًا يُظهر نقطة الالتقاء الكبيرة بين نصفي الكرة المُخيّة للدماغ، فكان كبيرًا لدى الموسيقيين المحترفين، كما أن جزءًا من القشرة السمعية، عند المسطح الصدغي، يكون كبيرًا بقدر غير عادي لدى الموسيقيين ذوي درجة النغم المطلقة.

كما أثبت جوتفريد وفريقه في دراسات بحثية أن تلك التغيرات في حجم المخ تتناسب طرديًّا مع تدريب الأطفال على الموسيقى؛ ليست النشأة الفطرية هي العامل الوحيد على تكوين الأذن الموسيقية، بل إن نشوء أذن موسيقية مرهون بطريقة التربية، هل كانت حافلة بفاعليات موسيقية أم لا، حتى إن الصُّم قد يمتلكون نزعة موسيقية كامنة، فيستجيبون للإيقاع الذي يشعرون به كاهتزاز، لا كصوت. وقد كانت إيفلين جليني، عازفة الإيقاع الأسكتلندية البارعة، قد بلغت الصمم في سن الثانية عشرة.

الكفاءة الموسيقية هي مقدرة بشرية عامة كالكفاءة اللغوية، لكن بعض الأسر قد يخلو تمامًا من النشاط الموسيقي، بحيث ينشأ الطفل ويترعرع دون أن يكتسب خبرة موسيقية، فالمقدرة الموسيقية تحتاج -كأي مقدرة بشرية كامنة في الإنسان- إلى تشجيع وتحفيز. بغياب ذلك قد لا تتطور المواهب الموسيقية.

وفي حين أن هناك فترة حرجة ينبغي على الطفل أن يطور فيها المقدرة اللغوية، فمن حسن الحظ أن المقدرة الموسيقية يمكن أن تتكون في أي مرحلة من مراحل العمر.

في كتاب “نزعة إلى الموسيقى” يذكر طبيب الأعصاب أوليفر ساكس، أن لديه صديقًا يدعى جيري ماركس. نشأ الأخير في بيت بعيد كل البعد عن الفعاليات الموسيقية، فلم يكن أبواه يذهبان إلى الحفلات الموسيقية، ولم تكن الموسيقى تعرف إلى الراديو طريقًا، حتى إنه كان يتساءل وهو صغير لماذا يحب أصدقاؤه في المدرسة الموسيقى ويهتمون بها كل ذلك الاهتمام: “كانت لدي أذن صفيحية، لم يكن باستطاعتي أن أغني لحنًا، ولا أن أعرف إن كان الآخرون يغنون بتناغم، كما لم يكن في إمكاني أن أميز بين نغمة وأخرى”.

كان جيري شغوفًا بعلم الفلك منذ صغره، وكان من البيّن أنه سيبدأ حياة علمية، من دون موسيقى. ولكن عندما بلغ الرابعة عشرة، كان مفتونًا بعلوم الصوت وفيزياء الأوتار المهتزة، فشعر بتوق إلى آلة وترية، سرعان ما أهداها إليه أبوه، فتعلم العزف، وأبهجه صوت الجيتار، وعندما بلغ السابعة عشرة فاز في إحدى مسابقات المهارات الموسيقية، وفي الجامعة تخصص في الموسيقى والعزف على الجيتار. ومذاك، أصبح بالموسيقى أمرًا محوريًّا في حياته.

 

المصدر
نزعة إلى الموسيقى. أوليفر ساكس. الدار العربية للعلوم ناشرون، 2010

أحمد الصادق

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى