سياسة

تحرير مقلي.. انتصار “غير مفاجئ” لتيجراي يكسر شوكة آبي أحمد

في تحول وصف بالدرامي، استعادت قوات دفاع إقليم تيجراي (قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي المعروفة سابقًا)، مساء الإثنين 28 يونيو، مدينة مقلي عاصمة الإقليم، بعد أن خضعت على مدار ثمانية أشهر لسيطرة الجيش الفيدرالي الإثيوبي التابع للحكومة المركزية في أديس أبابا، والتي اقتحمت مقلي في 28 نوفمبر من العام الماضي، فيما سُمّي حينها بعملية “إنفاذ القانون”.

وقبل أسبوع واحد من عودة مقلي إلى قبضة قوات دفاع إقليم تيجراي، قال المتحدث الرسمي باسمها، غيتاتشو ردأ، إن قواته “كسرت العمود الفقري للجيش الإثيوبي بعد انتصارها على تسع فرق من الجيش الحكومي”، مضيفًا أن “تحرير كامل تراب الإقليم بات وشيكًا”.

وبعد ساعات قليلة من استعادة عاصمة الإقليم المأزوم وإعلان حكومة آبي أحمد وقفًا أحاديًا لإطلاق النار إلى حين انتهاء فصل الخريف؛ عاد ردأ إلى وسائل الإعلام المحلية والدولية ليقول: “سنحتفل بالنصر، لكن الصراع لم ينته بعد. لقد حررنا العاصمة من قبضة الأعداء، لكنني ما زلت أشعر بالقلق، فلا يزال يتعين علينا القتال من أجل تقويض القدرات القتالية للعدو. هذا جيش إجرامي وسنتتبعه في كل مكان للتأكد من عدم امتلاكه القدرة على العودة”.

تحرير مقلي.. انتصار غير مفاجئ

“انتصار غير مفاجئ”، هو توصيف المحلل السياسي الإثيوبي حقوس ديستا، الذي قال لـ“ذات مصر”: “بصفتي موجود في أرض المعركة، يمكنني القول إن الانتصار المؤزر على قوات آبي أحمد ومليشيات إريتريا والأمهرا، لم يكن مفاجئًا”.

يوضح ديستا أن الانتصار الذي “كسر شوكة قوات آبي أحمد”، بتعبيره؛ إنما هو “ثمرة قتال طويل وشاق وبطولات وتضحيات”.

وبحسب ديستا، فإن قوات دفاع تيجراي “لم تهزم في المعركة”، بل انسحبت من مقلي “حفاظًا على أرواح المدنيين وممتلكاتهم وعلى البنية التحتية الحديثة، واعتصمت بالجبال لتعود مجددًا إلى شن حرب عصابات على الجيشين الإثيوبي والإريتري والمليشيات القبلية المساندة لهما”.

استمرت المعارك سبعة أشهر، حققت فيها قوات تيجراي انتصارات متتالية، يقول ديستا إن وسائل الإعلام لم تستطع تغطيتها بسبب اشتعال المعارك. كان ذلك سببًا في أن يتفاجأ الكثيرون من انسحاب قوات أديس أبابا، معتبرين ما حدث نصرًا مفاجئًا لقوات دفاع تيجراي. “لكنه انتصار غير مفاجئ”، يعود ديستا ليؤكد.

مقلي
انتصار قوات تيجراي على قوات آبي أحمد “ليس مفاجئًا”

يتفق حامد نورين، الباحث والمحلل السياسي السوداني، مع ديستا، بأن انسحاب قوات آبي أحمد والمليشيات الحليفة له من مقلي، “ليس انتصارًا مفاجئًا لقوات دفاع تيجراي”.

لدى نورين سردية تشرح دوافع التفاجؤ لدى كثير من متابعي الحرب في تيجراي، يطرحها في حديثه لـ“ذات مصر”: “الكثيرون توقعوا أن توجه قوات دفاع تيجراي ضربات موجعة إلى حكومة آبي أحمد بالتزامن مع إعلان الأخيرة إجراء انتخابات برلمانية على مستوى البلاد في 21 يونيو المنصرم، وذلك لتلفت قوات تيجراي أنظار العالم إلى أزمة الإقليم”.

لذلك، عندما أعلنت قوات دفاع تيجراي، بالفعل، قبيل الانتخابات، شن هجمات عسكرية مكثفة على قوات أديس أبابا، لم يتوقع أحد أن تؤتي هذه الهجمات ثمارها بهذه السرعة. “لم تلبث أن تداعت كل الفرق العسكرية التابعة لأديس أبابا وإريتريا أمام هجمات قوات دفاع تيجراي، لتنسحب مهزومة فيما يشبه الانهيار الكامل، ويعقب ذلك انسحاب الإدارة المدنية التي عينها آبي أحمد، بل دعوتها لحل النزاع بتسوية سياسية”، يقول نورين.

يذكر أن السبب البارز لشن قوات آبي أحمد الحرب على إقليم تيجراي، تنظيم الإقليم للانتخابات في 2020 بشكل منفرد، بعد أن أجّلها آبي أحمد للمرة الثانية على التوالي بحجة كورونا، وكان قد برر إلغاءها أول مرة عام 2019 بـ”الصعوبات اللوجستية والأمنية”.

انسحاب هزيمة لا سلام

وفي حين تحاول حكومة أديس أبابا الترويج إلى أن وقف إطلاق النار الأحادي من جانبها، وانسحابها من مقلي، عاصمة تيجراي؛ حرصًا منها على إحلال السلام، ينفي المحلل السياسي الإثيوبي حقوس ديستا هذه “المزاعم”.

يشدد ديستا على أن ما حدث هو “انسحاب هزيمة لا سلام”، مستطردًا: “لا يمكن أن يصبح من يشن حربًا على شعبه ويستعين بجيشٍ أجنبي لقتله وتشريده، داعية سلام، ولو حصل على جائزة نوبل للسلام”.

انتصار قوات دفاع تيجراي يعزز موقفها في أي مساعٍ تفاوضية. لذا فإن ديستا يرى أن أي مساعِ محتملة من آبي أحمد لعقد تسوية أو صفقة ما مع قوات تيجراي، ستستلزم بدايةً إلغاء تصنيفها جماعةً إرهابية، وإقرار تعويضات لأسر ضحايا الإقليم، وتخصيص ميزانية لإعادة الإعمار.

تحرير مقلي بـ”ضربة معلم”

“التكتيك العسكري المحكم” هو توصيف الباحث والمحلل السياسي حامد نورين، للهجوم “الكبير وغير المسبوق” بتعبيره، الذي نفذته قوات دفاع تيجراي على قوات أديس أبابا والمليشيات التابعة لها.

يشرح نورين أبعاد هذا التكتيك قائلًا: “بدأ بسحب الأسلحة والجنود من المدن والبلدات في الإقليم إلى الجبال والأودية، ومن هناك انطلقت ثورة مسلحة على طريقة منغستو هيلا مريام في السبعينيات”.

بهذا الشكل لم تتأثر القدرة العسكرية لقوات تيجراي بالهجوم الذي نفذته قوات أديس أبابا. وفي المقابل، استطاعت دخول حرب عصابات طويلة، نجحت في استنزاف قوات حكومة آبي أحمد، قبل الهجوم الحاسم الذي أدى لهزيمة أديس أبابا وانسحاب قواتها، وذلك قبيل إعلان نتيجة الانتخابات المتوقع أن يفوز بها حزب الازدهار بقيادة آبي أحمد.

تحرير مقلي
اعتمدت قوات دفاع تيجراي على تكتيك عسكري محكم لتحرير مقلي

“ضربة معلم، توصيف آخر يطلقه نورين على تحرك قوات تيجراي الذي أفضى للانتصار، ذلك أن توقيت “الضربة” تزامن مع الانتخابات، ما يجعلها “تنطوي على رسالة قوية للخارج، مفادها أن إثيوبيا في حالة حرب على الرغم من الرواية الحكومية الرسمية بأن القتال انتهى تقريبًا وأن الديمقراطية تجري بين يدي آبي أحمد وحزبه”.

فرص التسوية في ظل وجود آبي أحمد

أودت حرب إقليم تيجراي بحياة الآلاف، وأجبرت الملايين على الفرار إلى السودان، كما تسببت في مجاعة وصفت بالأسوأ منذ عقد.

وأدت الحرب إلى تقليب المجتمع الدولي على إثيوبيا، وخسارتها متانة علاقاتها بحلفائها الأبرز، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية. يصف ديستا الوضع بـ”إعادة البلاد إلى ما كانت عليه من تخلف وحرب أهلية، بعد موجة تنمية وازدهار عرفتها على مدار العقدين الماضيين”.

اقرأ أيضًا: “يوغسلافيا جديدة؟”: مستقبل الفيدرالية في إثيوبيا بعد حرب تيجراي

على ذلك، يستبعد ديستا أي تسوية سياسية في ظل وجود آبي أحمد. يقول لـ“ذات مصر”: “هذا الشخص يجب أن يخضع للمحاكمة، لأنه وضع المنطقة كلها على شفير الهاوية، وانتهج سلوكًا عدوانيًا مع الشعب الإثيوبي، وأخيرًا شكل تهديدًا للدول الشقيقة مثل مصر والسودان فيما يتصل بسد النهضة ومنطقة الفشقة”.

يذكر أن آبي أحمد أعلن مرارًا أنه لن يفاوض قوات دفاع تيجراي (الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي سابقًا)، واصفًا قادتها العسكريين والسياسيين بـ”المجرمين الإرهابيين”.

عبد الجليل سليمان

صحفي سوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى