زواياقصص مصورة

مقهى أندريا.. إطلالة خواجاتية على العقل

تستهل الست أم كلثوم مطلع قصيدتها “إنت عمري”، فيما يسترجع الشيوخ أيامهم التي راحت بعد “رجعوني عنيك”، والشباب غير مكترثين.

عادة ما يكون هذا حال مقهى أندريا في مدينة المنصورة بالدقهلية، معظم فترات اليوم. يجد فيه الكبار، العواجيز، مكانًا مناسبًا للترحم على الماضي بالقهوة، بينما الشباب لاهون في أنشطتهم، يقاسمون العجزة مقهاهم العجوز هو الآخر.. هكذا صار المكان دائرة زمن شبه مكتملة؛ ماضٍ ومستقبل، وهو حاضرهما.

 مقهى أندريا بمحافظة المنصورة

مقهى أندريا.. إطلالة خواجاتية على النيل

في عام 1920 أنشأ خواجة يوناني يدعى أندريا، مقهى بمدينة المنصورة يطل على فرع دمياط من النيل، ليكون الملتقى الأول للجريك في الدلتا. يرحل الخواجة لأثينا بعد أن يبيع مقهاه ليوناني آخر، سيبيعه بدوره لحسين عثمان.

 مقهى أندريا بمحافظة المنصورة

في رواية أخرى، أنشأ الخواجة كوستا مقهى سماه على اسم ابنه أندريا، اشتراه منه مصري يدعى حسين عثمان، عام 1954.

في كل الأحوال، انتقلت ملكية وإدارة المقهى لعثمان، ومن ثمّ ورثته إلى اليوم. وصّى عثمان أبناءه ألا يغيروا اسم المقهى أو أي من معالم تصميمه، ليبقى علامة تاريخية على الحضور الأوروبي في مصر، الدلتا.

بقي المقهى أوروبيًا، ثلاثيناتيًا، على مستوى الديكور. لكنه تمصّر تمامًا برُوّاده ومشاريبه. هنا الكبار مشتاقون للماضي، وهنا الشباب لرؤيةٍ متحفية له.

هكذا استطاع أندريا أن يُعبّر عن تراثه العتيق والمتجدد نسبيًا، كما استطاع عبور الأجيال ببصمته الخاصة جدًا، و جذب الجميع على حدٍ سواء.

 مقهى أندريا بمحافظة المنصورة

مع ذلك يرى بعض رواد المقهى من الشباب أنه ينقصه تحديث الأثاث ووضع شاشات لعرض مباريات كرة القدم.

لا يحتمل، في المستقبل القريب على الأقل، أن يُقدِم ملاك أندريا على خطوة كهذه. 100 عامٍ “على وضعهم”، تجعل المقهى مكانًا تراثيًا.

اختار أندريا موقع مقهاه على شاطئ ما يمسيه أهالي المنصورة بـ”البحر”، أي شاطئ النيل، فرع دمياط، وقرب منازل اليونانيين. لكنه، على الأرجح، لم يكن يعلم أن بالجوار سيكون مبنى مقر مديرية أمن الدقهلية، وأن هذه الجيرة كما جلبت له الأمن لسنوات، ستجلب له الحطام أيضًا.

شاهد “عدل”

بيّت الظلام في مقهى أندريا وما جاوره عندما تعرضت مديرية أمن الدقهلية لتفجير إرهابي في ديسمبر 2013، هرع على إثره من استطاع النجاة من رواد المقهى الذين أصيب بينهم سبعة أشخاص.

المقهى الذي استطاع الحفاظ على هويته، شكليًا على الأقل، لنحو 100 عام؛ شُوّهت ملامحه بعد الحادث الإرهابي، وقلّ تردد الشيوخ والعواجيز بشكل ملاحظ، إذ لم يعد المقهى ملاذًا آمنًا بالنسبة إليهم، في مقابل ازدياد توافد الشباب.

كان التفجير الإرهابي بمثابة حادثٍ فاصل بين حقبتين.. انتقل المقهى بالجملة من امتداد عهد أم كلثوم وفاتن حمامة وأنيس منصورة، الذين كانوا أبرز زواره، إلى عهد حديث يحكمه القلق وعلاماته المتصلة: زحام الشوارع وأصوات السيارات وصراخ الباعة الجائلين.

مع ذلك، بقيتُ أنا، وغيري قلة، نبحث في مقهى أندريا عمّا لم نعايشه لكن نصبوا إليه شعوريًا.

 مقهى أندريا بمحافظة المنصورة

جلسة لعلاج هواجس العقل

عادة ما أرتاد المكان آخر النهار أو ليلًا، حيث يسوده اللون الأصفر. يصفي ذهني ويعبر بي إلى مساحة من التفاؤل المريح.

 مقهى أندريا بمحافظة المنصورة

في هذا التوقيت يكون المقهى أكثر هدوءًا وسكونًا. وفي إحدى زواياه أختار طاولة مشبعة بضوء النيون الأصفر وأطلب واحد قهوة. في خارج المقهى، على عتبته، أحاول تعليق كل الضوضاء في عقلي. تساعدني أجواؤه على امتصاص آثار الحاضر.

 مقهى أندريا بمحافظة المنصورة

أتآلف معه، بدأب نملة، لإفراغ الذهن من كل شيء.. تخلية تكون تحليتها على الأرجح قهوة مظبوط وصوت أم كلثوم واضح، على عكس الحال في النهار.

 مقهى أندريا بمحافظة المنصورة

استطاع إذًا مقهى أندريا، بعد نحو قرن من الزمن متخم بالأحداث، أن يساهم في جلسة علاج هواجس شاب في مطلع العشرينات من عمره، بعزلة يصنعها المقهى في بعض أوقات اليوم والليلة، وعُلّاقات هواجس وضوضاء عقل على بابه.

 

اقرأ أيضًا:

الشيخ حسانين.. صلى على الماء و”عمل زي الخضر”

من هامبورج إلى التحرير.. حكومتهم متحف وأصغر شوارعنا مزارات

عبدالرحمن السيد

كاتب ومصور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى