ملابس الأقزام

"سبونج بوب" يجرح مشاعرنا!

“عامان مرّا دون اقتناء قطعة ملابس شتوية واحدة”.. ربما لو التقطت أذناك تلك العبارة لظننت أن الفقر وحده يمنعنا من شراء ثياب تجلب لنا الدفء، لكن جولات آية محمد ذات الـ25 عامًا على محالّ الملابس والتي تنتهي بخيبة أمل؛ تلفت النظر لحرمان قصار القامة في العالم الموجودين في مصر من حقهم في إيجاد مقاسات تناسب طبيعة أجسادهم.  

لا يبالي الأقزام الذين يتخطى عددهم الـ70 ألفًا في مصر، بما يُشاع عن ملابسهم التي يظن الغالبية أنها تأتي من محلات الأطفال، هم فقط يقطعون رحلة بحث يعرفون نهايتها مُسبقًا، لأن البائع يستقبلهم بعبارة “لا والله مافيش مقاسك هنا!”. تقول آية: “عايزين نلبس على الموضة زي الناس الطبيعيين، مش عشان مش لاقية اللي عايزاه أجيب هدوم أطفال، ماكنتش بالاقي لبس في محلات كتير وباضطر أرجع البيت فاضية”.

آية غاضبة

رغبة آية في ارتداء معاطف ثقيلة تُقابَل دائمًا بواقع صادم؛ فالبنسبة إلى ملابس الصيف تلجأ إلى شراء مقاسات كبيرة ثم تذهب بها إلى الترزي لعمل بعض التعديلات، تقول: “بيتقصر من الطول نُص اللبس تقريبًا، وبادفع فلوس كتير، لكن طبيعة أقمشة الشتوي صعب يتقص منها؛ لأنها صوف أو جواكيت وبالتالي مش متاح تتقصّر عشان هتبوظ والتكلفة هتكون مرتين تقريبًا، من سنتين تقريبًا ماجبتش لبس شتوي للسبب دا”.

آية محمد

معاناة الحصول على ملابس مناسبة لا تقتصر على موديل واحد، فجميع الأنواع غير متوافرة، لذا يصبح اللجوء إلى التفصيل هو الحل الوحيد، لكن  له عيوب، بحسب آية التي تضيف أن تفصيل فستان سواريه أو ملابس للمنزل أمر معقد ونتائجه ليست مضمونة، كما أن استلام الملابس يحتاج إلى زيارات عدة إلى الترزي، واختيار أقمشة وشرائها من أماكن معينة؛ وهنا تزداد التكلفة وتستغرق وقتًا أطول.

وعن حل أزمة الأقزام تقول: “أعتقد أن أفرع العلامات التجارية في مصر، يمكن أن تخصص لنا قسمًا خاصًّا داخل كل فرع، ولا نطلب منهم تصنيع كميات كبيرة في البداية، لكنها خطوة ستسعدنا وتُشعرنا أن مواكبة الموضة ليست مستحيلة”.

معاناة فستان الفرح!

دائمًا ما تكون المُعضلة الكبرى في حياة الفتيات هي اختيار موديل لفستان زفاف يتناسب مع قوام العروس ويواكب الموضة؛ لذا تسبقه غالبًا زيارات متعاقبة إلى “الأتيليه” وعمل “بروفا” على أكثر من فستان. لم تهتم منار مسعد، أشهر عروس في الأقزام، وصاحبة الأرقام القياسية في ألعاب القوى، الخطوات السابقة مع تحضيرات زفافها.

تحكي لـ”ذات مصر” معاناتها مع اختيار فستان الزفاف: “بدأت اختار تصميم معين قبل الفرح بفترة كبيرة، لأني كان لازم أفصّله، وده أخد وقت يعني تقريبًا شهرين ونص، عكس ما كنت مثلاً أختاره جاهز.. حتى فستان كتْب الكتاب كان سواريه تفصيل، لأن ده أنسب حل”.

منار مسعد مع زوجها عبد الرحمن بركات

ولا تُخفي العروس “منار” قلقها بشأن المظهر النهائي لفستان الزفاف بعد تفصيله، حتى إنها إذا استقرت على تصميم ما وشرعت في تفصيله، لا تقتنع به، وتضطر  إلى البحث عن موديل آخر تجري عليه بعض التعديلات عليه ليناسب طبيعتها الجسمانية.

عبد الرحمن يعاني أيضًا

صعوبات أخرى واجهت “منار”، بطلة ألعاب القوى، قبيل زفافها. معروف طبعًا أن الفتيات المصريات يشترين ملابس جديدة تخصص لبيت الزوجية، ومن الطبيعي أن  تفعل منار. لكن ما جرى غير معروف بالنسبة إلى أي فتاة غيرها. فكلما اشترت منار قطعة تذهب بها إلى الترزي لإجراء التعديلات وقص الزيادات منها، وهذا ما يحدث مع أطقم التمرين التي لا تنجو هي الأخرى من مقص الترزي.

بالموازاة، انشغل عبد الرحمن بركات، لاعب منتخب مصر لقصار القامة ( تُشرف عليه وزارة الشباب والرياضة) بتحضيرات العُرس، ليبدأ رحلة البحث عن “بدلة الفرح”، ولم تكن إجراءات الحظر وغلق المحال مبكرًا بفعل تفشي فيروس كورونا المستجد في مصر وقتذاك (في يونيو/حزيران الماضي) هي الصعوبات الوحيدة التي واجهها عبد الرحمن، إذ كان الحصول على مقاسٍ يناسب قِصر قامته في البدلات أمرًا ليس باليسير.

من آن إلى آخر، يتوجه عبد الرحمن إلى أفرع العلامات التجارية في مصر، لعله يجد بدلة زفاف تليق بالحدث الأبرز في حياته، لكن المُحصلة لا شيء. يقول: “بدلة الفرح دي أكتر حاجة عانيت فيها، كنت أروح أي محل يقول لي لأ والله مافيش مقاسك، واضطريت أروح لترزي  في عباس العقاد قبل فرحي بأسبوع واحد، وهو كان مقدّر الظرف واستلمتها قبل ما ينتهي الأسبوع، وكمان وفر لي بقية لوازم البدلة”.

عبد الرحمن بركات لاعب منتخب مصر لقصار القامة
حلول اضطرارية

بحسب عبد الرحمن بركات، فإن الفتيات يعانين أكثر من الرجال في بحثهن عن ملابس مناسبة، فإن كانت مشكلة الشباب تتلخص في ايجاد “بنطلون” بمقاس مناسب، فالبنات يدخلن عشرات المحلات ولا يجدن قطعة واحدة مناسبة؛ لذا تلجأ زوجته لتفصيل ما تريده، رغم أن ذلك يستغرق وقتًا أطول وعواقبه ليست دائمًا مضمونة لكنه يظل الحل الأنسب.

وعن التصور الشائع لدى الغالبية بأن الأقزام يحصلون على ملابسهم من محلات الأطفال، يجيب بقوله إن: “طبيعة التصميمات والرسومات مخصصة لتناسب الصغار وهي لا تليق بالأعمار الأكبر، فكيف أذهب إلى عملي بقميص يحمل رسمة سبونج بوب مثلاً! نحن نعتمد على تقصير الملابس الجاهزة أو تفصيلها”.

واستطرد: “لبسي عادي جدًّا، ممكن أشتري قميص أي مقاس حسب الماركة، المشكلة بتكون في البنطلون، يهمني يكون الوسط كويس، مستحيل ألاقي بنطلون طولي، لبس البيت كمان بيحتاج تظبيط عند الترزي”.

ورغم أن عبد الرحمن لاعب أساسي بالمنتخب، فإنه يعمل محاسبًا بأحد البنوك، ومع ذلك يتطلب التمرين ملابس رياضية. يحكي: “لبس المنتخب المكون من تيشرت وشورت هو من اختصاص أحد المسؤولين بالمنتخب”.

في ما يتعلق بالملابس الرياضية، قال الكابتن علي شعبان، مؤسس المنتخب المصري لكرة القدم للأقزام، إنه توصل إلى اتفاق مع إحدى الشركات المصرية -التي تُصنّع أطقم بعض الأندية في الدوري- بأن تُخصِّص خط إنتاج للأقزام بمقاسات خاصة، مضيفًا: “أول مرة أخدت اللعّيبة كلهم وراحوا المصنع عشان يظبطوا مقاساتهم، والأطوال عندنا بتبدأ من 110 حتى  145 سنتيمترًا”.

أمل خجول
خياطة في مصنع الأقزام بالإسكندرية

مع حلول يونيو/حزيران الماضي، ظهرت على استحياء إحدى الفتيات معلنة تخصيص خط إنتاج لملابس الأقزام، ونشرت على صفحتها الشخصية على موقع التواصل فيس بوك صورًا لها مرتدية الملابس التي صممتها وأنهت حياكتها. الفتاة اسمها نسمة يحيى، تبلغ من العمر 20 عامًا وتعاني من التقزّم.

سرعان ما أصبحت “نسمة” وجهًا مألوفًا للأقزام وغيرهم بعد أن استضافتها قنوات فضائية مصرية عدة، بل كانت صورتها غلافًا لمجلة identity المخصصة للفنانين والمشاهير، وفي كل حوار صحفي أو مقابلة تليفزيونية تتحدث الفتاة عن كفاحها وطموحها، وتُرجع تلك الخطوة إلى معاناتها في شراء ملابس مناسبة لها.

جمعية الأقزام

رغم الاحتفاء الذي لاقته نسمة من الفتيات قصيرات القامة، اللائي تمنين أن تنتهي معاناتهن بهذه الخطوة، وقف عصام شحاتة، مؤسس جمعية الأقزام بالإسكندرية -الجمعية الوحيدة التي تُعنى بمشكلات الأقزام في مصر- يسترجع ذكريات يتخوف من تكرارها مع خط إنتاج ملابس الأقزام الذي أعنت عنه نسمة.

يحكي: “كان عندنا مصنع هو الأول في الشرق الأوسط والعالم، هدفه إنتاج ملابس الأقزام بأيدي الأقزام.. الملابس من ضمن حقوق الأقزام وأبسطها.. في 2012 خاطبنا الجهات المعنية لمساندتنا في إنشاء مصنع ينتج ملابس مناسبة، وبالفعل وفرت لنا 7 ماكينات، وتدرب الأقزام على استخدامها وافتتحنا المصنع، لكن الأزمة كانت عدم توفير الخامات اللازمة لاستمرار المصنع”.

وتابع: “طلبت من نسمة تتعاون معانا عشان حد يتبنى مشروعنا والدولة تقف معانا عشان ماتوصلش لنفس النهاية.. هي بتصمم الملابس وإحنا بنفصل، وبكدة نقول إن الأقزام يقدروا يخدموا نفسهم، لكن كل واحد بيحب ياخد الشهرة لنفسه، وأنا لي عتاب عليها إنها كل ما تطلع في الإعلام بيقولوا إنها أول تجربة وده مش صحيح، لأن مصنعنا كان موجود من فترة كبيرة قبل ما يتقفل من سنتين”.

في السياق ذاته، تطوعت جمعية رجال الأعمال بالإسكندرية بتوفير الأقمشة والخيوط، واستطاع شحاتة ورفاقه، تدريب عدد كبير من الأقزام  على طريقة العمل على ماكينات الخياطة، وكان هذا الأمر سببًا في إيجاد فرص عمل لهم في مصانع الملابس الأخرى، “لأن مساحة مصنعنا صغيرة ولا تستوعب هذا العدد، وبعد 6 أشهر انقطع هذا الدعم من الجمعية”.

رئيس جمعية الأقزام يكشف لـ”ذات مصر” أن قصار القامة يتحملون أعباء مالية عالية بسبب الملابس، فهم يشترون مقاسات لا تناسبهم وبالتالي يلجؤون إلى تقصيرها وتضييقها بتكلفة قد تصل إلى نصف سعر قطعة الملابس، مشيرًا إلى أن السيدات يعانين أكثر، بسبب مكوثهن في المنزل فترات طويلة وما يترتب على ذلك من زيادة الوزن والسمنة؛ لذلك تتضاءل فرص حصولهن على مقاسات تليق بهن، لكن مصنعه وفر لهن أطقم للخروج والبيت وإسدالات للصلاة”.

دورة تدريبية لتصميم ملابس الأقزام

يتحدث “شحاتة” عن فترة تشغيل المصنع قائلاً: “كنّا ننتج ملابس للأطفال والكبار الذين يعانون من التقزّم، وكانت العاملات بالمصنع يُفصِّلن ملابس أطفالهن مجانًا”، ويضيف أن موديلات المصنع كانت تعرض الموديلات بمحلات ليست مملوكة للمصنع، و”خططنا لتوزيع إنتاجنا على جميع محافظات مصر بل وقررنا أن نصدّر إلى الخارج.. فقد طلب مني رجل أعمال سعودي الاستيراد من المصنع، لكن قبل البدء في التصدير توقف المصنع!”

وعن نهاية حُلمه بإغلاق المصنع، يؤكد أن الفكرة في البداية لاقت دعمًا إعلاميًّا مشابهًا لما يحدث الآن تجاه خط الإنتاج الذي أعلنتْ عنه الشابة نسمة، دون تقديم دعم مالي يضمن استمرار المشروع، فقد توقف المصنع قبل عامين بعد أن تعطلت الماكينات دون أن يملك المال اللازم لإصلاحها، وبعد مخاطبة الشؤون الاجتماعية بوزارة التضامن  لمنحه 3 ماكينات لم يتلق أي رد: “بدأت الدنيا تضيق بينا لأن القماش خلص والستات محتاجة أجور، ونقلنا الماكينات في محل إيجاره 1000 جنيه، وحتى المبلغ ده مش قادرين ندفعه شهريًّا”.

جمعية رعاية الأقزام
توسيع دائرة التضامن

تقول آيات محمد، اختصاصية الدعم النفسي، إن قِصار القامة يتعرضون للتنمر يوميًّا، منذ خروجهم من منازلهم وحتى العودة، وأزمة إيجاد ملابس مناسبة لهم تُضاعف عزلتهم، وتُشعرهم بأنهم خارج حسابات المجتمع ككل.

وتوضح أن شراء ثياب تواكب الموضة بالنسبة إلى الأقزام حلم صعب المنال؛ “لذلك لا بد من أن تلتفت إليهم خطوط الإنتاج، وتلتفت أيضًا إلى ذوي الإعاقات الحركية الذين يعانون في اختيار مقاسات مناسبة”.

في الإطار ذاته، اهتم عدد قليل من الأكاديميين المصريين بهذه الفئة مؤخرًا، منهم وديان طلعت مدين، الأستاذة بقسم الملابس الجاهزة بكلية الفنون الجميلة. وديان قدمت دراسة عام 2017 عن تصميم ملابس كاجوال لقصار القامة الرجال، كما قدمت الباحثة نعمة يسري ثابت، الأستاذ بكلية الاقتصاد المنزلي بجامعة حلوان،  رسالة دكتوراه بعنوان “وضع جداول قياسية للأقزام لبناء نموذج يتفق مع تكوينهم الجسماني”.

يُشار إلى أن عدد الأقزام في العالم يقارب ٢٠٠ ألف قزم، وفق دراسة حديثة، يعيش جزء منهم في مصر. وكشفت دراسة مصرية -حديثة هي الأخرى- أعدها مركز بحوث الأغذية، أن نحو 38% من المصريين يعانون من التقزم الغذائي، وهو قصر القامة المرتبط بسوء التغذية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

دعاء سلامة

صحفية مصرية

مشاركة

نفرت ناجي

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram