تدوين

ملاحظات بصرية على العملات المصرية

بالإضافة إلى كونها مخزنًا للقيمة، وأحد أهم رموز سيادة الدول، تعكس العملات أبعادًا أخرى للدولة، كالتاريخ والثقافة والتقاليد والقيم المؤسسة، وهي أيضًا هوية بصرية وتصميم فني يوازن بين الوظيفي والجمالي. وبالنظر إلى العملات المصرية، نجد أفكارًا مختلفة عبر الصورة:

1

مسجد السيدة عائشة
مسجد السيدة عائشة

2

نسر الجمهورية
نسر الجمهورية

3

الجامع الأزهر
الجامع الأزهر

4

رمسيس الثاني
رمسيس الثاني

5

جامع قيتيباي
جامع قيتيباي

6

معبد أبو سمبل
معبد أبو سمبل

7

جامع أحمد بن طولون
جامع أحمد بن طولون

8

الإله حابي
الإله حابي

9

مسجد الرفاعي
مسجد الرفاعي

10

خف رع
خف رع

11

جامع محمد علي
جامع محمد علي

12

رمسيس الثاني وعربته الحربية – سنوسرت الأول – بطليموس الثاني
رمسيس الثاني وعربته الحربية – سنوسرت الأول – بطليموس الثاني

13

جامع قجماس -جامع أبو حريبة
جامع قجماس -جامع أبو حريبة

14

معبد حورس بإدفو
معبد حورس بإدفو

15

مسجد السلطان حسن
مسجد السلطان حسن

16

تمثال ابو الهول
تمثال ابو الهول

17

جامع قانيباي الرماح
جامع قانيباي الرماح

18

تمثال الكاتب المصري
تمثال الكاتب المصري

     

    الاستقلال التام أو الجنيه الهمام

    تعود أصول الجنيه، إلى العملة الإنجليزية “جنيه – Guinea”، والتي بدأ تداولها في بريطانيا منذ القرن الـ17، في حين يأتي أصل الكلمة من غينيا، والتي كانت من أهم مناطق استخراج الذهب في العالم. لاحقًا سيترسخ هذا الاستم ذو الأصول الاستعمارية، من خلال الاحتلال البريطاني لمصر.

    الجنيه البريطاني القديم
    الجنيه البريطاني القديم

    تخلص الجنيه من ارتباطه النقدي بالجنيه الإسترليني في عام 1962، لكنه لم يتخلص من اسمه الاستعماري حتى الآن، رغم أن لمصر عملة نقدية تعود لعام 350 ق.م ، اسمها “نوب نفر” أو “الذهب الخالص”، سكت في عهد ملك الأسرة الـ30، تيوس.

    أول جنيه مصري ورقي
    أول جنيه مصري ورقي

    وكما يفتقد الجنيه لاسم أصيل، يفتقد أيضًا لهوية بصرية أصيلة وشعار ورمز نقدي مثل: الدولار ($) والإسترليني (£) والين (¥). بل إن البنك المركزي المصري نفسه لا يملك شعارًا بصريًا من الأساس.

    انفصام الـ50 جنيه

    تُجيب العملات المصرية عن سؤال الهوية بطريقة بسيطة: “إسلامية – فرعونية”. لكن الإجابة تبدو مُخلّة إذا ما وضعنا في الاعتبار تناقض الإجابة في ذاتها، بالإضافة إلى تجاهل المكونات الثقافية المتنوعة للمجتمع المصري، كالقبطية والنوبية والبدوية والأمازيغية وغير ذلك.

    ثم إن تجسيد الهوية الإسلامية يبدو ملتبسًا بعض الشيء، فقد اختارت العملة التأكيد على الهوية الإسلامية من خلال المساجد فقط، وهنا تغيب مساجد ربما أكثر قيمة من الناحية الدينية، مثل مسجد عمرو بن العاص مثلًا، في حين يحضر مسجد الرفاعي بما له من رمزية سياسة، باعتباره مدفنًا لأسرة محمد علي، ربما تفوق رمزيته الدينية.

    يتجلى هذا الانفصام في ورقة الـ50 جنيه: وجه يعبد الله في مسجد أبو حريبة، ووجه يعبد حورس في معبد إدفو.

    أم هل كان هدف المصمم، التأكيد على الهوية الإسلامية من خلال جماليات العمارة والفن الإسلامي؟

    لا نعتقد ذلك، فلو كان هذا هو الهدف، فلمَ تغيب الرموز المثالية المعبرة عن الفن الإسلامي، مثل: الخط العربي، المشكاة، والإسطرلاب وما إلى ذلك. ورحم الله الشلن المنقرض؛ كان يحمل مشكاة إسلامية وكتابة جميلة لـ”جمهورية مصر العربية” بخط الطغراء.

    هذا الانفصام يظهر أيضًا في رموز تمثل عصر أسرة محمد علي، وهو أمر مستغرب أن يظهر في عهد ثورة يوليو التي تعتبر قطيعة مع العهد الملكي البائد ورموزه.

    يتكرر الأمر ذاته في ورقة الربع جنيه، حيث نسر الجمهورية وأكاليل الذرة والقطن والقمح. هذا التصميم يتطابق مع التصميمات الاشتراكية السوفيتية، وهي تمثل مصر الناصرية الاشتراكية، لكنها أبعد ما تكون عن مصر في الوقت الراهن.

    لاحظ هنا تغيير شعار الجمهورية من صقر قريش (الملتفت يسارًا) إلى نسر صلاح الدين (الملتفت يمينًا) مع بقاء العناصر النباتية!

    يمكن القول إن عملات مصر نوستالجية للغاية، وتختزل التاريخ في حقب بعينها، متجاهلة، بطريقة غريبة، عصرنا الحديث الذي يعبر عن شعب مصر المعاصر؛ فلا وجود لرموز مثل قناة السويس، برج القاهرة، مكتبة الاسكندرية الجديدة، أو جامعة القاهرة، بكل ما تجسده هذه الرموز من قيم تاريخية وطنية وثقافية مهمة شكلت وجدان وعقل مصرنا المعاصرة.

    جدول يظهر تمثيل الحقب التاريخية المختلفة في العملات المصرية:

    العصر الرموز العدد النسبة
    عصر ما قبل الأسرات
    عهد الدولة القديمة تمثال الملك خفرع – أبو الهول – تمثال الكاتب المصري 3 31%
    عهد الدولة الوسطى الملك سنوسرت الأول 1 5%
    عهد الدولة الحديثة تمثال رمسيس الثاني – معبد أبو سمبل – الملك رمسيس الثاني وعربته الحربية – قناع توت عنخ آمون – الإله حابي 5 23%
    عهد الدولة البطلمية الملكة كليوباترا السابعة – الملك بطليموس الثاني – معبد حورس 3 13%
    عهد الدولة الرومانية والبيزنطية
    عهد الخلافة الإسلامية
    الدولة الطولونية جامع أحمد بن طولون 1 5%
    الدولة الإخشيدية
    الدولة الفاطمية الجامع الأزهر 1 5%
    الدولة الأيوبية
    الدولة المملوكية  مسجد السيدة عائشة – جامع قايتباي – جامع أبو حريبة – جامع السلطان حسن – جامع قاني باي السيفي 5 23%
    العصر العثماني جامع محمد علي 1 5%
    العصر الحديث نسر الجمهورية – جامع الرفاعي 2 8%

     

    الـ20 جنيه ونظرية الأمن القومي

    تُظهر ورقة الـ20 جنيه، الفرعون رمسيس الثاني راكبًا عجلته الحربية التي اقتبسها المصريون من محتليهم الهكسوس. يتجه رمسيس العظيم بعربته مصوبًا سهمه ناحية اليمين. لنا هنا أن نتسأل عن مغزى الاتجاه ناحية اليمين/الشرق، هل هي إشارة ضمنية لما استقر عليه الفكر الاستراتيجي المصري من أن العدائيات التقليدية تأتي من جهة الشرق؟ فمعظم الغزاة أتوا من بوابة مصر الشرقية، من الهكسوس إلى الآشوريين والفرس واليونانيين والعرب فالصليبيين والمغول والعثمانيين، انتهاءً بإسرائيل؛ وبذلك أصبحت الجبهة الشرقية ركيزة الأمن القومي عبر تاريخ مصر. فهل يقصد المصمم فعلًا الإشارة لهذا البعد المهم من خلال تصميمه؟

    أُرجّح أنه لا، والرأي الأقرب للتصديق أن السبب تصميمي بحت، وهو أن وجه العملة مصمم باللغة الإنجليزية، لذا التزم المصمم باتجاه عين الناظر من اليسار إلى اليمين، خاصة وأن نفس العربة الحربية تتجه إلى اليسار في فئة الـ50 قرش. لذا يبدو الملك رمسيس الثاني غير منشغل بالأمن القومي، بل يصوب سهمه إلى مؤخرة رأس الملك سنوسرت الأول المسكين وهو منشغل بافتتاح مائدة القرابين.

    وما قد يعزز هذا الاستنتاج، المشهد أسفل العربة الحربية، حيث نشاهد تتويج الملك بطليموس الثاني بالتاج المزدوج (سكيمتي) من فتاتين تمثلان مصر العليا ومصر السفلى، وهو مشهد يُبدع كثيرًا في تمجيد المحتل!

    للذكر مثل حظ الأنثيين

    إذا تأملت العملتين المعدنيتين من فئة الجنيه ونصف الجنيه، ستلاحظ أن الجنيه يحمل صورة الرجل متمثلًا في توت عنخ آمون، أما النصف فيحمل صورة الأنثى متمثلة في كليوباترا. إذا جال بخاطرك بعد هذه الملاحظة أن في ذلك تكريس لأنه للذكر مثل حظ الأنثيين، فلعلك على حق، أما إن لم تكن منتبهًا للأمر برمته، فلا عليك، على الأرجح أن الدولة نفسها لم نتنبه.

    تنص المادة 11 من الدستور المصري على: “الدولة تكفل تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفقًا لأحكام الدستور”، وهو نص أبعد ما يكون عن التحقق في الحالة البصرية للعملة المصرية.

    وفيما يخص المساواة، تظهر المرأة مرتين فقط على العملات المصرية (بروفايل كليوباترا، وامرأتان تتوجان الملك بطليموس الثاني في فئة 20 جنيه). في مقابل يظهر الرجل سبع مرات، وهي نسبة لا تقترب تمامًا من المساواة، لكنه أمر شائع عالميًا على كل حال، فمثلًا عملة الدولار الأمريكي لا تظهر إلا صور الآباء المؤسسين.

    ربما كان الأجدر بالمصمم استخدام رموز بصرية أكثر مساواة وتعبيرًا عن القيم الاجتماعية المصرية، فمثلًا يظهر تمثال الملك منكاو رع مع زوجته الجميلة خعمررنبتي الثانية، رُقيًا نادرًا وتعبيرًا صادقًا عن قيمة المساواة بين الرجل والمرأة، فالفنان المصري القديم جعل قامتيهما شبه متساوية، وتتكاتف المرأة مع الرجل، وتتمسك به، بينما يتقدم الرجل قليلًا ويقود المسير.

    تاريخنا الفني الثري يزخر بالعديد والعديد من هذه النماذج.

    جغرافيا العملات

    تشهد العملات المصرية تكدسًا جغرافيًا هائلًا لرموزها البصرية، وتمثيلًا غير عادل للمناطق الجغرافية المصرية؛ فالعاصمة القاهرة تؤكد على مركزيتها باتسحواذها على 64% من الرموز البصرية، مع غياب تام لمناطق جغرافية مهمة مثل الإسكندرية، ومدن القنال والدلتا وسيناء وصعيد مصر.

    بل إن الرموز البصرية الموجودة في القاهرة تتركز أيضًا في منطقة بعينها داخل العاصمة: جامع محمد علي يطل من القلعة على مسجد السلطان حسن الذي يكاتف ومسجد الرفاعي المواجه بدوره مسجد قاني باي، وليس ببعيد عنهم مسجد حمد بن طولون والسيدة عائشة.

    جامع المرسي أبو العباس كان يتواجد في فئة 25 قرشًا خلال الخمسينيات

    جدول تمثيل المحافظات على العملات المصرية:

    المحافظة المواقع النسبة
     

    القاهرة

    – مسجد السيدة عائشة

    – الجامع الأزهر

    – جامع قايتباي

    – جامع أحمد بن طولون

    – جامع الرفاعي

    – جامع محمد علي

    – جامع أبو حريبة

    – جامع السلطان حسن

    – جامع قاني باي الرماح

     

    9

     

    64%

    أسوان – معبد أبو سمبل

    – معبد حورس بإدفو

    -الملك رمسيس الثاني مع عربته “معبد بيت الوالي”

     

    3

     

    22%

    الجيزة – أبو الهول

     

    7%
    الأقصر – جدارية الملك سنوسرت الأول ” معبد الكرنك ”

     

    7%

    العين عليها حارس

    مثل مصري دارج يتجذر معناه ومدلولاته في التراث الثقافي المصري ، فهو يعود إلى أسطورة الإله حورس الذي فقد إحدى عينيه في صراعه مع عمه الإله ست، قبل أن يتدخل الإله تحوت ويستبدل العين المفقودة بالوادجت لتكون سليمة ومحمية إلى الأبد ، وبذلك أصبحت عين حورس رمزاً بصرياً وتميمة حماية من الشرور، فتظهر مثلا على الروشتات الطبية كرمز Rx -حسب عالم الفارماكولوجي البريطاني جيف أرونسون- ، وكذلك تحضر عين حورس في العملات الورقية المصرية لنفس السبب “حمايتها من التزوير” ، حيث تتواجد الوادجت كعنصر تأميني أساسي في العملات الورقية .

    عين حورس كعنصر تأميني على ورقة فئة 10 جنيهات

    ضُرب في عهد السلطان قايتباي!

    لو أن العملة التي بين أيدينا اليوم قد ضربت في عهد السلطان الأشرف قايتباي، سلطان المماليك الشراكسة ( 1468- 1496) ، لما اختلفت في شكلها كثيراً عما هي عليه اليوم، فعصر السلطان قايتباي يهيمن على الهوية البصرية للعملة المصرية ، من خلال ثلاثة مساجد هي مسجد قاتيباي (فئة الجنيه) الذي بناه السلطان عام 1474 ، ومسجد أبو حريبة (فئة خمسين جنيهاً) وقد أنشأه في عام 1480 م الأمير قجماس الإسحاقي – نائب السلطان الأشرف قايتباي في الاسكندرية  – ، ومسجد قانيباي الرماح ( فئة المائتي جنيه ) الذي يحمل اسم أحد أمراء قايتباي والمشرف على اسطبلات ابنه السلطان الناصر محمد ، ونلاحظ أنه مع سيادة عصر قايتباي لكن هناك غياب لقلعة قايتباي مع ما تحمله من رمزية سياسية ومعمارية عظيمة.

    ينطبق الأمر ذاته على الملك خفرع – خف رع أي المتجلي مثل رع – أحد فراعنة الأسرة الخامسة ، الذي يظهر تمثاله على فئة ال10 جنيهات، وأبو الهول الذي يجسده (فئة المئة جنيه)، وكاتبه أيضاً على ورقة المئتي جنيه.

    ولم يكتف المصمم أن يظهر الملك رمسيس الثاني أربع مرات أمام معبده في أبوسمبل -على صدر الجنيه- ، بل وضع تمثاله على نصف الجنيه ، كما استنسخ أيضاً -مرتين !!- الملك وعربته الحربية في فئتي ال 50 قرشاً وال20 جنيه.

    فن البورتريه المصري

    تنتشر البورتريهات على العملات المصرية ، وهي كلها جميلة للغاية وتنضح ببراعة الفن المثالي الفرعوني ، لكن ربما يؤخذ فقط على البورتريهات المختارة في تصميم العملات، وقوعها في أسر التصورات الاستشراقية والاستعمارية عن مصر، يتجلى الأمر بوضوح في بورتريه توت عنخ آمون وكليوباترا، فالملك والملكة ليسا الأعظم في تاريخنا التليد ، لكنهما يتميزان عن سائر الملوك بكونهما الأشهر في العالم .. وبهذا تتضح المسألة ، فالتصميم وكأنه موجه بالأساس للسائح الأجنبي وليس للمواطن المصري.

    وهنا تجدر الإشارة إلى فئة الخمسة جنيه كنموذج تمصير حقيقي للعملة المصرية ، ففي الفترة ما بين (1946 – 1960 ) كانت العملة تظهر الإله اليوناني نيلوس “أبو النيل” وحوله 16 تمثالاً لأطفال يمثلون فروع النيل ، وقد استبدل التصميم اليوناني بجدارية للإله حابي – إله النيل – وتفاصيل يومية من الحياة المصرية.

    عايزينها تبقى خضرا

    ينطبق الأمر تماماً على العملات الورقية المصرية ، فاللون الأخضر يهيمن على الهوية البصرية للعملة ( 5 من أصل 9 فئات : 50 قرشاً ، 5 جنيهات ، 20 جنيهاً ، مئة جنيه ، 200 جنيه ) ، وهي بالمناسبة ظاهرة عالمية ، حيث يعتبر اللون الأخضر الأكثر استخداماً في ألوان العملات عبر العالم ، ربما تأثراً بالدولار الأمريكي – الذي اكتسب لونه في عام 1861 لحمايته من التزوير، مع كون الأخضر يشير إلى النمو والاستقرار وهو المراد للقيمة النقدية ” ولذلك فإن لون الأسهم الصاعدة أخضر على سبيل المثال ” .

    إلى جانب الأخضر ، يبرز أيضاً الأزرق في فئة 25 قرشاً ، والأصفر في ورقة الجنيه ، وهي ألوان تعبر تماما عن الهوية المصرية (الأخضر – الزراعة ، الأزرق – النيل ، الأصفر – الصحاري المصرية) ، لكنها في الوقت ذاته تتنافى تماماً مع الألوان الوطنية – ألوان العلم المصري ، الأحمر والأبيض والأسود – ، الألوان التي لا يحضر منها في الأوراق النقدية سوى الاحمر بدرجاته في فئتي 10 جنيهات و50 جنيهاً ، ولا يجب أن يعاب على ألوان العملات المصرية تنافيها مع ألوان العلم ، ما دامت هذه الألوان الوطنية لا تعبر حقيقة عن البيئة المصرية.

    فن بالفلوس

    يشتبك الفنانون والمصممون الشباب مع العملة المصرية كعمل فني يعكس الهوية البصرية وكأحد أشكال البوب آرت، وظهرت عدة مشاريع بصرية تتعلق بالعملة منها ما هو كوميدي وساخر.

    ومنها ما يتناول الموضوع بجدية أكثر، مثل المصور الفوتوغرافي بيشوي فايز ، الذي قام بتوثيق المعالم الأثرية، من خلال تصوير نصف العملة الورقية إلى جانب نصف الموقع الأثري الموجود على هذه العملة ، أما المصمم عمرو موسى فحاول إضفاء طابع ثلاثي الأبعاد على رموز العملات، وكذلك حاول التشكيلي أحمد بيرو في معرضه – حكاية جنيه – إعادة إحياء الجنيه الورقي بعد استبداله بالعملة المعدنية.

    في نفس السياق تبرز تجربة مهمة تتعلق بمسابقة تحدي تصميم العملة المصرية ، وهي مبادرة أطلقها المصمم ماجد صبري على الفيسبوك وسرعان ما أفرزت المسابقة مئات التصميمات ، وأغلب هذه التصميمات جيدة ، مثل تصميم فة الخمسين جنيهاً للمصممة فاطمة نصار الذي يعبر ببراعة عن هوية مدينة الإسكندرية – وهي هوية تغيب عن العملات المصرية – ، لكن يعاب على شباب المصممين بعض القصور في الفكر التصميمي سواء من حيث الوعي المعرفي أو الثقافة البصرية ، مثل هذا التصميم لفئة المئتي جنيه ، الذي اختارت مصممته صورة جامع الشيخ زايد الكبير الموجود في العاصمة الإماراتية أبوظبي.

    تجربة أخرى مثيرة للاهتمام مع المصمم الرائع آدم عبد الغفار في تصميم بوستر مسلسل “القاهرة :كابول” ، والبوستر هو تصميم وظيفي كالعملة تماما ، وهنا يبرز تحدي أولي أمام المصمم في التعبير بصريا عن الجو العام للعمل الفني، ولأن المسلسل يدور حول فكرة المال والرغبة في السيطرة على العالم، اختار آدم “العملة” كوسيط بصري في تصميم البوستر، ثم ظهر تحدي آخر في تصميم البوستر كعملة بكل ما تحمله من مميزات بصرية وجرافيكية خاصة.

    وأقل ما يقال عن تصميم البوستر أنه ذكي للغاية، فالبوستر يروي بصريا أركان “القصة” الأساسية ، بفكرتها التي تدور حول المال “البوستر-العملة” ، وبشخصيات القصة “الممثلين” وفي مكان محدد “القاهرة بمشهد القاهرة الإسلامية وكابول بالمناظر الطبيعية للجبال “.

    اقرأ أيضًا: صعود “بيتكوين”.. العملة المشفرة في خدمة الإرهاب والمحتالين

    اختيار الفونت الفارسي “النستعليق” كان موفقا للغاية في التعبير عن فكرة المسلسل ، ورغم شيوع الخط الفارسي في تصميم بوسترات مسلسلات الموسم الرمضاني 2021 ، لكنه ربما كان البوستر الوحيد الذي يرتبط فيه نوع الفونت ارتباطا واعيا بمضمون المسلسل.

    وإن كان البوستر الأصلي بتكنيك الليثوجراف أكثر جمالية من الاختيار النهائي للبوستر بالالوان الطبيعية، لكنه يوضح لنا الفارق جليا بين ما هو “فني” وبين المتطلبات العملية والوظيفية في التصميم.

    في النهاية ربما كان الإصلاح النقدي للعملات أهم بكثير من الإصلاح البصري ، لكن العملات شأنها شأن كثير من الرموز البصرية الرسمية مثل العلم ونسر الجمهورية ، بحاجة ماسة للمراجعة والتطوير ، ولعل إصدار العملات البوليميرية الجديدة  يكون مناسبة مواتية لإعادة تقييم العملة المصرية بصرياً ، بما يضمن لها تحقيق أهدافها الوظيفية والجمالية على الوجه الأكمل .

    عمر فرحات

    صحفي مصري

    مقالات ذات صلة

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى