ثقافة وفن

ملحمة موسى.. ولادة جديدة لـ محمد رمضان بديلة للعبة “نمبر وان”

في نوفمبر الماضي، واجه الممثل محمد رمضان حملة مقاطعة واسعة النطاق على كل وسائل التواصل الاجتماعي بعد أن ظهر في صور عدة مع إسرائيليين أثناء زيارته إلى الإمارات، حيث انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي “هاشتاجات” تهاجمه، وقرر كثيرون من رواد السوشيال ميديا عدم متابعة أيٍ من أعماله الفنية القادمة.

لم تكن هذه هي المرة الأولى، أو الأخيرة، التي يلاقي فيها رمضان كل هذا الهجوم، فهو دائم البحث عن مثل هذه المعارك كي يصبح “تريندا” يوميا على مواقع التواصل.

فـ”نمبر وان”، مثلما يطلق على نفسه، يحاول دائما أن يكون في صدارة المشهد بأي طريقة، وهي عادة استلهمها من النجوم العالميين، خاصة نجمات الغناء مثل “ليدي جاجا” ونجوم الراب الذي يرتدون ملابس غريبة ويصففون شعرهم بطرق جديدة ويضعون “مكياجا” لافتا، فضلا عن طريقة حركتهم الغريبة واختياراتهم الفنية، من كلمات وألحان وفيديو، الأكثر غرابة.

هذه الغرابة الصادمة عادةً ما تجذب نسبة كبيرة من الشباب الذين يحبون كل ما هو جديد وغريب، والشباب هم الشريحة العمرية الأكبر في عالمنا اليوم، وبالتالي القوة الشرائية الأهم.

محمد رمضان في مسلسل موسى (2)
محمد رمضان في مسلسل موسى

حملة المقاطعة أثرت بالسلب على مسلسل محمد رمضان الجديد “ملحمة موسى”، الذي يعرض في موسم رمضان 2021، فقد تراجعت مشاهدات مسلسله بفارق كبير عن مسلسله “البرنس“، الذي عرض بموسم رمضان 2020.

لم يتصدر رمضان “التريندات” اليومية ولم يعد حديث “السوشيال ميديا” كعادته في كل موسم رمضاني، ولم نعد نجد الشباب على المقاهي يتابعون مسلسله كأنهم يتابعون “مباراة قمة”، رغم أنه يعرض على قناة DMC التي يشاهدها كثير من المشاهدين وفي أفضل وقت للعرض: بعد الإفطار مباشرة.

ملحمة موسى.. أو بطل لهذا الزمان

يدور “ملحمة موسى” حول “موسى” (محمد رمضان) الذي يعيش في قرية مصاغة بمحافظة سوهاج أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث يواجه الكثير من الصعوبات الناتجة عن تحالف تاجر الآثار “شداد” (رياض الخولي) وضابط إنجليزي “جون” (نجيب بلحسن): تحالف المال والسلطة، الذي يريد أن يسيطر على خيرات البلد، فيقف له “موسى” بالمرصاد، بالتعاون مع “المطاريد”.

يشارك “رمضان” البطولة كلٌ من: سمية الخشاب ورياض الخولي وعبير صبري وهبة مجدي وتارا عماد، والمسلسل إنتاج شركة “سينرجي” وموسيقى تامر كروان وتصوير محمد مختار وتأليف ناصر عبد الرحمن وإخراج محمد سلامة.

الحكاية في “ملحمة موسى” جرى تناولها في الدراما التليفزيونية أكثر من مرة، ومع ذلك عادةً ما تكون جذّابة للمشاهد المصري، خاصة أن السيناريست ناصر عبد الرحمن يعيد في “ملحمته” إنتاج السير الشعبية المصرية بطريقة ذكية وجذابة.

ناصر عبد الرحمن، الذي كتب فيلم “المدينة” 2000 و”هي فوضى” 2007 و”حين ميسرة” 2007 و”جنينة الأسماك” 2008، يستلهم في “ملحمة موسى”، سير شعبية مثل: “أدهم الشرقاوي” و”شفيقة ومتولي” و”الخط” و”علي الزيبق” (وهو دور لعبه محمد رمضان في فيلم “الكنز” بجزأيه) و”الشاطر حسن” و”ست الحسن والجمال”، بالإضافة إلى الحكايات التوراتية المتعلقة بالنبي موسى.

مسلسل موسى

من خلال العودة إلى السير الشعبية يتناول “عبد الرحمن” ما يحدث في مصر الآن من مشكلات، ويمس الحاجة المجتمعية إلى بطل شعبي قادر على جمع الناس من حوله ومحاربة الظلم والقهر الذي يشعر به الناس.

فالمصري منذ بداية الحضارة وهو مهموم بفكرة العدالة، لذلك ابتكر إلهة العدالة “ماعت” من أجل أن ترفع الظلم الذي يحيق به دائما، بل إن النصوص الفرعونية القديمة، وعلى رأسها “شكاوى الفلاح الفصيح”، خير دليل على ترسخ الظلم في المجتمع المصري منذ العصور القديمة ومعاناة الإنسان المصري البسيط من الظلم الواقع عليه من قبل الحكام وأصحاب المال والجاه والسلطة.

لذا تحمل “ملحمة موسى” كثيرا من طبقات التلقي كسيرة سياسية/اجتماعية/دينية، بداية من الطبقة الأولى المباشرة التي تتمثل في انتقام البطل ممن ظلموه، حتى الطبقات الأكثر تجريدا ورمزية: الصراع الطبقي والفساد السياسي وجشع رجال الأعمال.

يقدم ناصر عبد الرحمن حوارا شاعريا من حيث انتقاء ألفاظ قادرة على التعبير عن مشاعر شخصيات المسلسل بلغة تعلق في ذهن وقلب المشاهدين، وهو ما حدث بالفعل، حيث يردد رواد “السوشيال ميديا” جُملا ومقاطع من حوار المسلسل.

قصة العمل تتناول أحداثا تدور في إحدى قرى الصعيد، تظهر تباين اللغة واللهجة حسب كل فئة سكانية، فالقرى ذات الأصول العربية تختلف عن القرى ذات الأصل الغجري، التي تختلف بدورها عن لهجة القادمين من بحري.

محمد رمضان في مسلسل موسى (4)
مشهد من المسلسل

العيش لخبازه

أخيرا يترك محمد رمضان الحرية أكثر للمخرج لكي يسيطر على العمل ويقدم أفضل ما لديه، فيما اجتهد مدير التصوير محمد مختار على مستويين: أولهما، الإضاءة وثانيهما التصوير، فالإضاءة في المسلسل هي البطل الحقيقي لأنها تحاول أن تكون واقعية، بالإضافة إلى التغلب على مشكلة دائما ما تعوق مديري التصوير المصريين، وهي كيف يتم التصوير ليلا في قرية، حيث لا توجد أي إضاءة، ليقرر استخدام كشافات تنساب منها إضاءة ناعمة باللون الأزرق في بعض المشاهد واللون الأخضر في مشاهد أخرى.

في مشاهد الليل، حيث مشاعر الحزن والكآبة نجد الأزرق يسيطر على الكادر، بينما في مشاهد المغامرات نجد الأخضر غالبا، واستطاع أن يجعل المشاهد يشعر بأن الإضاءة في مشاهد الصباح بالداخل طبيعية، حيث جعل إضاءة الكشافات الكبيرة تدخل من النوافذ الضخمة للبيوت، وهي إضاءة ساطعة احتاجت بالتأكيد إلى كشافات كبيرة غير مباشرة.

جسد محمد مختار، بالتعاون مع المخرج، روح الجداريات الفرعونية بالمعابد على الشاشة عبر مستويات عدة أهمها سكنات وحركات الممثلين، إذ تحكم مدير التصوير والمخرج بشكل كبير في مكان الممثلين داخل الكادر ليقدموا لنا لقطات أقرب إلى اللوحات الفنية التي تماثل ما هو منقوش على جدران المعابد الفرعونية، كما استفاد المخرج ومدير التصوير من الفن التشكيلي، وتحديدا أسلوب فن التصوير في عصر النهضة الأوروبي، حيث اختيار مصدر الإضاءة والظلال، التي تتكون في أركان الكادر وعلى وجوه الممثلين وملابسهم وأكسسواراتهم بالإضافة إلى التركيز بالإضاءة على ما يريد صناع المسلسل بروزته في أعين المشاهدين أمام الشاشات المنزلية أو على المحمول.

المسلسل في الأساس ينتمي إلى الميلودراما، وبالتالي يجب أن يركز على إظهار المشاعر المختلفة، وهنا تميز أيضا مدير التصوير بقدرته على اختيار زوايا وأحجام الكادرات، فمثلا نجد كثيرا من اللقطات من أعلى، حيث يكون الله شاهدا على مآسي الملحمة، التي يعانيها أبطال المسلسل، خاصة في مشهد وفاة الأخ، الذي يعاني خللا عقليا في أثناء الحرب العالمية الثانية، وحينما حملوا الأم لتتأكد من وفاة ابنها موسى من عدمه عبر رؤية جثته، وأثناء فيضان النيل، الذي قتل الجد والحبيبة وغيرهما من أهل القرية.

محمد رمضان في مسلسل موسى (6)

الصورة الباهرة التي جذبت المشاهدين للمسلسل ناتجة عن تعاون شديد الثراء بين مهندس الديكور ومصممة الملابس والأكسسوارات ومدير التصوير وكلهم تحت إدارة مخرج قد فطن إلى روح المسلسل.

لقد بنى مهندس الديكور على الورق، قبل التنفيذ، ديكورا كاملا لقرية مصاغة في محافظة سوهاج في بداية الأربعينيات من القرن العشرين، وهي مكان الصراع، وهي مهمة صعبة ومكلفة بالتأكيد، حيث الفقر الشديد البادي على شوارع القرية وبيوتها، والرفاهية البسيطة التي نجدها في بيت تاجر السلاح والعمدة.

في المحصلة، “ملحمة موسى” ولادة جديدة لمحمد رمضان قدمها له المسلسل على طبق من ذهب، بدلاً من أن يصبح “نمبر وان” ضد الجميع.

اقرأ أيضًا:

القاهرة كابول.. حين تتوقف الدراما تبدأ الموعظة

مسلسل “الطاووس”.. “قيم الأسرة المصرية” للضعفاء فقط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى