ثقافة وفن

ملكات نحل مدرسة الروابي.. العنف الأسري منبع لكابوس التنمر

لا أذكر أنني خلال مراهقتي اطلعتُ على أي محتوى عربي، مرئي أو مكتوب، يحكي عن يومٍ واقعي في المدرسة الثانوية؛ يوم من المفترض أن يكون طبيعيًّا.

لكن ما إن تطأ قدماك ساحة المدرسة، حتى تجد أحدهم يكيد لك مؤامرة، لا لشيء سوى الفراغ وإزاحة مشكلات عانى منها في البيت على الآخرين. وفي المقابل، مطلوب منك كل يوم أن تخرج من المدرسة كما أتيت، بلا جروح نفسية أو جسدية، وأن تتعلم كيف تتفادى الفخاخ المنصوبة لسذاجتك.

تعتبر المدرسة الثانوية بمثابة «بروفة» صغيرة للعالم الذي سنخرج إليه بعد سنوات قليلة. معظم الاضطرابات النفسية التي تعاني منها صديقاتي الآن، بدأ ظهورها في المدرسة الثانوية، عندما اصطدمنا بالوصم والأذى غير المبرر من بعض الزملاء. لم نكن نعرف حينها كلمة تنمر، لم تكن سادت مصطلحًا بعد. كبديل، كنا نطلق على الأذى «كيدًا» أو «مضايقات». والكيد والمضايقة كلمتان مناسبتان لوصف عالم بنات، لا ترغب الواحدة منهن في شيء سوى أن تكون «ملكة نحل» المدرسة!

يُعد مسلسل «مدرسة الروابي للبنات» من الأعمال العربية القليلة جدًّا التي ناقشت مشكلات تلك الفترة، بصورة تقترب كثيرًا من الواقعية.

ملكة النحل في مدرسة الروابي للبنات

عرّف فرويد الإزاحة بأنها آلية دفاعية غير شعورية، يستبدل فيها العقلُ هدفًا آخر أقل قوة لتفريغ الغضب فيه، بالهدف الذي سبب له الألم والأذية.

في أول حلقة من المسلسل، تظهر ليان ورقية ورانيا. سنعرف أنهن أكثر الفتيات سطوة وقوة في المدرسة، وأن ليان هي الـ«Queen bee» أو ملكة النحل؛ كبيرة المتنمرين لهذه المجموعة التي لا تتوانى في التنمر على أي أحد ليس على هواهم، بما قد يتضمن أحيانًا الإيذاء بشكل عنيف.

بمرور الحلقات، سنرى كم السيطرة التي تفرضها ليان على زميلاتها؛ بل على إدارة المدرسة، يتجلى ذلك في قصة مريم. اعتدت ليان ورقية على مريم حتى كادت الأخيرة أن تفقد حياتها؛ لأنها اشتكت من المضايقات التي تتعرض لها من قبلهما يوميًّا في حافلة المدرسة.

بعد استفاقة مريم من الحادثة، لن تجد أحدًا يقف في صفها، حتى زميلتها نوف التي رأت ما حدث؛ بل حتى إدارة المدرسة متمثلة في مِس فاتن التي ستتغاضى عن الأمر، بينما ليان وصديقتها مستمرتان في ممارسة التنمر بلا حد.

مريم بعد أن تعرضت للأذية من ملكة نحل مدرسة الروابي للبنات

في الحلقتين الأولى والثانية تكون حياة الفتيات الثلاث غامضة. لا نعرف عنهن شيئاً، أو من أين أتين بكل هذه القدرة على أذية الأخريات. ثم على مر الحلقات تتكشف الخلفية السامة التي أتت منها الفتيات الثلاث، بدءًا برقية التي تتعرض لمعاملة سيئة من أمها؛ حيث تقلل من شأنها دائمًا، وتصفها بالقبح صراحة، ثم رانيا؛ حيث والدها السِّكِّير الذي يُفرغ غضبه عليها ويُعنِّفها كلما رآها، وأخيرًا ليان؛ حيث إخوتها الذين يتحكمون فيها وفي حياتها لمجرد أنهم «رجال» وأكبر منها سنًا.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم “الصيد”.. كيف نسرد واقعة التحرش بعين محايدة؟

في المقابل، تنطوي حياة مريم على استقرار أكبر؛ حيث يجمع بين والدتها ووالدها حب عميق، وبين الثلاثة بيت هادئ. مع ذلك، حين تعرضت مريم للأذية من ليان بهذا القدر من العنف، قررت الانتقام؛ لكن ليس انطلاقًا من إزاحة تتخلص بها من مشاعر سلبية تتعرض لها، وإنما لأن مريم وليان وجهان لعملة واحدة!

في المسبح، وخلال رحلة مدرسية، تعرضت نوف للتحرش من رجل مسن، ورغم أن ليان ونوف تكره كل منهما الأخرى، فإن ليان دافعت عنها، وحاولت حمايتها ثم احتواءها. يكشف لنا هذا جانبًا عميقًا وحقيقياً في شخصية ليان، ينفي الشر في ذاته منها. هي إنسان يكره الظلم والقهر؛ لكنها تتعرض له باستمرار في البيت، وعليه فهي غير مستعدة للتعرض له خارجه أيضًا، فتُخرج أسوأ ما فيها، إزاحة للسوء على الأخريات، الأضعف منها، لتجبر نقص سيطرة تفتقدها على حياتها من جهة، ولتتجنب أي احتمالية أذى من الآخرين غير من في بيتها.

في المقابل، قررت مريم وضع استراتيجية للانتقام الذي كانت على استعداد للتضحية من أجله، فخسرت حبيبها وأصدقاءها لهدف تدمير ملكات النحل.

في إحدى جلسات العلاج النفسي التي كانت تحضرها مريم، قالت لها المعالجة إنها تتحدث عن ليان كثيرًا، وإنها ربما ترغب في أن تكون مثلها؛ لكن مريم رفضت الفكرة، وزاد غضبها.

في الواقع، لطالما أرادت مريم أن تكون مثل اللواتي آذينها، لتحظى بالاحترام والهيبة. في آخر حلقتين ستظهر مريم بتسريحة شعر تشبه تسريحة ليان، وهي تمشي في أروقة المدرسة بلغة جسد ليان نفسها.

ما بين «mean girls» و«مدرسة الروابي للبنات»

في كتابها «queen bees and wannabes» جمعت روزاليند وايزمان حكايات وشهادات من عدد كبير من طالبات المدارس الثانوية، عن الأذى الذي تتعرض له فتيات هناك. وتشرح باستفاضة عن الفتيات اللاتي يمارسن دور ملكة النحل بالتنمر على الأخريات، بينما الأخريات -رغم الأذية التي يتعرضن لها- يلتففن حول هؤلاء الفتيات، ويصوِّبن أنظارهن لهن، أملًا في أن يكنَّ مثلهن.

وبهذه الطريقة لا تنتهي دوائر ممارسات التنمر؛ يذهب متنمر ويأتي آخر كان فيما مضى متطلعًا إلى المتنمر الأول. وعادة ما يكون الدافع الرغبة في الحصول على القبول وحصانة ملكات النحل.

نُشر كتاب روزاليند في 2002، وبات مصدرًا أساسيًّا لكل المسلسلات والأفلام التي تتحدث عن المدارس الثانوية بشكل عام، وعن الفتيات المتنمرات في هذه الألفية، بشكل خاص.

اقرأ/ي أيضًا: “التنمر”.. وحش يطارد أصحاب البشرة السوداء في الأردن

من هذا الكتاب خرج فيلم «mean girls» للمؤلفة تيان فاي. وأوضحت تيان في أكثر من مقابلة صحافية أن الكتاب كان مصدر الفيلم؛ حيث أخذت منه الحكايات والشهادات وطورتها لسيناريو الفيلم.

يمكن اعتبار مسلسل «مدرسة الروابي للبنات» النسخة الدرامية العربية من فيلم « mean girls»، حتى أن هناك مشاهد وتفاصيل مقتبسة تمامًا من الفيلم.

لكن ما يميز المسلسل -إلى جانب مسألة التنمر- إلقاؤه الضوء على جرائم الشرف والعنف الأُسري، والتحرش، والوصم بالمرض النفسي الذي تتعرض له الفتاة العربية في هذه المرحلة العمرية تحديدًا. هذا فضلًا عن طرح فكرة التقمُّص، أي أن يقف المتنمَّر عليه موقف المتنمِّر، والعكس، حتى يتفهم كل منهما أسباب سلوكه وسلوك الآخر.

مي أسامة المغربي

كاتبة مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى