ثقافة وفن

ممدوح عدوان.. “دون كيشوتنا” المعاصر

ما إن يُذكر اسم ممدوح عدوان حتى نستعيد في الذاكرة مدى حاجتنا إلى مثل ذاك المثقف المتنوِّر، وعلى الرغم مما تركه لنا: (26 مسرحية، 20 مجموعة شعرية، روايتان، خمسة كتب نثرية، 25 كتابا مترجما، وأكثر من 20 مسلسلا) على كثرته، إلا أن حاجتنا الآن تتضاعف إلى صوتِه وقهقهاته، وصوابية رؤيته، ونبرته العالية في وجه القبح، ودفاعه عن الاختلاف والجنون، وبحثه الدؤوب عن جماليات المعنى، واندفاعه الأثير إلى التغيير، انطلاقا من ذاته، أليس هو صاحب ديوان “يألفونك فانفر”؟.

هذه الموسوعية والمعرفة العميقة لدى “عدوان” كانت زادنا في معرفة أنفسنا، ودافعا للتغلغل نحو أعماق المقاوِم فينا، ونبذ الاستسلام واليأس، ومحاولة التقاط الـ”دون كيشوت” الخاص بنا، كحالة ورؤية ورمز، أتقنها صاحب “أعدائي” بروحه العالية، ونَفَسِهِ الطويل في إعادة تشكيل الواقع شعرا ومسرحا ورواية.

فهو الذي قال في بحثه الجميل “نحن.. دون كيشوت”: “ليس الموقف اليائس، إذا، موقفا غبيا، بل قد يكون من المخزي السكوت على كل هذا الخطأ في العالم بحجة انتظار توفر الظروف الملائمة للتصدي له.. هذه الظروف التي قد لا تأتي.. وقد يعجل في توفرها وجود عدد من الدونكيشوتات الذين يضحون دون حساب.. ونستطيع أن نقول بصورة عامة لا بد من وجود وقفة دونكيشوتية دائما لكي لا يموت الشرف في الحياة ذاتها، ومن أجل هذا خطر لي ذات يوم أن أدافع عن الجنون”.

وزيادةً في الإمعان في رؤيته تلك يضيف: “لم يعد من الضروري الوقوف عند صورة دون كيشوت التي كتبها سرفانتس، فهو موجود في كل مكان وفي كل منا، والرؤية الدونكيشوتية هي تلك التي لا تعطي صاحبها الفرصة للتراجع.. إنه يُقبِل إلى هزيمته الواضحة، ويتقبلها، لأنها صارت قدره.. لا بد من الوقفة التي تبدو انتحارية أو جنونية، فالتراجع للبحث عن فرصة جديدة تعني التغاضي عن الانهيار الذي حدث للبشر وللقيم، ويعني كأنه يتغاضى عن التردي.. إنه نوع من معاقبة النفس لإحياء ضمائر الآخرين”.

تعزيز الثقة باليأس

ممدوح عدوان
ممدوح عدوان

إذا، جَهَدَ “عدوان” في إعادة بناء القيم المنهارة، وتعزيز ثقتنا بيأسِنا المديد، كحافز للفعل، مهما كان ذلك ضربا من الجنون، وفي سبيل ذلك ترك ضيعته “قيرون” بكل موروثاتها الثقافية، باحثا عن أفق أرحب، عن مدى يستطيع من خلال تحقيق قولٍ مختلفٍ من دون قيود، فكانت مسرحيته “كيف تركت السيف؟” التي أخرجها فيصل الياسري للمسرح الجامعي في سوريا عام 1974.

ليفاجأ فريق العمل في ثاني أيام عرضها بمجموعة من الجنود تحرس المسرح جرّاء تهديدات من بعض المتطرفين بحرقه إذا لم يتوقف العمل، وبالفعل، صدر قرار بإيقاف عرض المسرحية في يومها الرابع.

وليست “كيف تركت السيف؟” العمل الوحيد الذي تعرّض للإيقاف بعد بدء عرضه، فهناك أيضا مسرحيته “ليل العبيد”، التي تعود إلى صدر التاريخ الإسلامي، وتعري كيف تواصل الطبقات الاجتماعية الثرية انخراطها في البنية السياسية بما ينسجم مع مصالحها، ليبدو بعد ذلك أن الإسلام كثورة مجتمعية، حافظ على رموز الفساد ممثلة بـ”أبي سفيان” بمجرد دخوله الشكلي تحت راية الدين الجديد، لتبقى أحوال الفقر والفساد والانحطاط  المجتمعي على حالها.

وإلى جانب المسرحيتين المذكورتين كتب عدوان 25 مسرحية أخرى، منها: (المخاض، محاكمة الرجل الذي لم يحارب، هاملت يستيقظ متأخرا، لو كنت فلسطينيا، الوحوش لا تغني، زيارة الملكة، الميراث، حكايات الملوك، القيامة، الزبال، أكلة لحوم البشر، سفر برلك، الغول (جمال باشا السفاح)، الفارسة والشاعر، كلب الأغا)، وغيرها.

ولنتعرف كيف يبني عدوان عماراته المسرحية، وكيف يفكر بالمسرح، ومن أين يستقي مادته الدرامية، سنلجأ إلى مسرحيته “المخاض” التي قال عنها:

“تعتمد على قصة تمرد (شاهين) المشهورة التي جرت وقائعها في الساحل السوري إبان الاحتلال الفرنسي، حيث إن شاهين كان [بمثابة] لكمةً موجّهة إلى نظام وناجمة عنه، إذ نرى في المسرحية الزّند الذي ضرب من المعصم إلى الإبط، ولا نرى اللكمة، فالمسرحية بلا شخصيات.

والناس الذين يظهرون على المسرح هم المسرح الحقيقي الذي يلعب عليه أبطال المسرحية أدوارهم. الغيظ والقتل والإرهاق والاحتجاج والبكاء والدوران في الحلقة المفرغة، أولئك هم أبطال المسرحية الحقيقيون.

أما الناس فإن كلاً منهم ليس إلا ضربة ريشة لاستكمال ملامح الوجه الذي أردت رسمه، ذلك الوجه المغطى بالغبار، والمليء بالتعب والإرهاق والألم. والذي يكمن الغيظ تحت جلده محاولاً التفجر في حركة مخاض مؤلمة، دون أن يعرف الطريق، فينتفخ في العروق وتحت الجلد كالدمامل. ونحن في المسرحية تحت الجلد ننعكس مع الغيظ على السحنة”.

أنسنة الألم

ممدوح عدوان
ممدوح عدوان

هكذا كان مسرح عدوان يؤنسن الألم، ويجعل الاضطهاد من لحم ودم، بما في ذلك مونودراماته، التي منها: “الزبال، القيامة، حال الدنيا، أكلة لحوم البشر” وعن خصوصيتها يكتب علي الراعي” في تقديمه لمسرحية “حال الدنيا” بأن:

المونودراما عند “عدوان” خرجت عن كونها طرفة مسرحية تعتمد على الممثل الواحد، وأصبحت تحقيقاً نفسياً وذهنياً في عقل شخص واحد، لا ينفصل عن الشخوص الذين لا يظهرون، بل يزيد هذه الشخوص قيمة أن الممثل الفرد الدائم الذكر لها، غير قادر على الانفصال عنها، فتكسب هذه الشخوص حضوراً قادراً وإن لم تظهر قط. ونحن إذا دققنا النظر في أفضل ما أخرجه فن المونودراما لوجدنا أن ثمة فناً مسرحياً جديداً قد أخذ في الظهور، وأنه فن يسعى إلى التكثيف، لا إلى الاختزال.

مسرحيات عدوان، كما جميع أعماله تأخذ منحىً فريدا في التفكير، وذات موقف خاص، سواء أكانت مستقاة من التاريخ، أو متخيلة، أو واقعية، فهو يتأمل مصير الثورة والثوار حين يخطئ الثائر الهدف فيقع في أيدي خصومه كما في “كيف تركت السيف؟” و”ليل العبيد” و”هاملت يستيقظ متأخرا”.

وفي أعمال أخرى يلتفت إلى قضايا الفقراء المطحونين، والمضطهدين، ينشغل بمصيرهم التعس، واضطرابهم في إطار مجتمع ظالم، السيادة فيه للغني على الفقير، وللرجل على المرأة.

وفي مسرحية “سفربرلك.. أيام الجوع” يقف “عدوان” مع تجربة الشعب السوري السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الربع الأول من القرن العشرين.. يقول ممدوح عنها:

“هي صياغة درامية غنائية لمعاناة الفلاحين، وهي تشمل على المجاعة والعلاقة بالأرض وبالدولة والدين والإقطاع والعشائر والطوائف، وتحاول استقراء انعكاسات هذه المعاناة على حكمة الشعب وفولكلوره، وعلى تشكله الاجتماعي والاقتصادي”.

الشاعر محمد الماغوط
الشاعر محمد الماغوط

أما عن مسرحيته “الفارسة والشاعر” التي كتبها تكريماً للشاعر “محمد الماغوط”، فكان دافعه لذلك طلب المسرح القومي بدمشق أن يقوم بإعداد مسرحية “العصفور الأحدب” للماغوط، وبعد أن قرأها وجد أنها تحتوي على قدر كبير من الشعر، فيما الجانب المسرحي فيها ضعيف، والإعداد قد يدفع ممدوح للتضحية بالشعر وإدخال حواريات درامية غير شعرية.

فقرر، كما يشير في أحد حواراته الصحفية، أن يأخذ منها مشهد المحاكمة وحده ويحوّله إلى مسرحية إلا أنه عزف عن ذلك، فمحاولته هذه بحسب تعبيره: “كمن يقوم بتحويل اللبن إلى عيران (زبادي)”، ثم فكَّر: “ولماذا نسحب خير القصيدة؟ ألكي نحولها إلى مسرحية؟ ولماذا نقسر النوع أن يتغير إلى نوع آخر؟ فلتبق القصيدة قصيدة، ولنكتب نصاً مسرحيا جديدا”.

هدمت صورة البطل

من مسلسل الزير سالم
من مسلسل الزير سالم

المغايرة والتثوير والعمق هي ما تميز أيضا عوالم الدراما التلفزيونية التي كتبها بوعي تاريخي واجتماعي، وبِهَمٍّ معرفي، يسعى للتعاطي مع التلفزيون كوسيلة توعية تحتمل عدم السطحية التي يتعامل بها كثيرون، وهو ما دعاه  مثلاً في كتابته سيناريو “الزير سالم” أن يُحطِّم صورة البطل الشعبي، كما يرويها حكواتي المقهى، لأنه لا يحبِّذ تمجيد فكرة الثأر، ويقول في ذلك:

“أنا هدمت هذه الصورة عن قصد، وأشعر بالسعادة لأنني فعلت ذلك”

وبموازاة ذلك قام بتعظيم صورة “الحارث بن عباد”، الذي كان رافضاً للحرب على امتداد الحكاية.

الشيء ذاته فعله في عمله “أبو الطيب المتنبي” الذي بنى عمارته الدرامية بالاتكاء على فهمه الخاص لشخصية “مالئ الدنيا وشاغل الناس” بعدما بقي عامين كاملين في إعادة قراءة أشعار المتنبي وتحليلها، ودراسة تفاصيل حياته، فهو كما يقول في كتابه “المتنبي في ضوء الدراما”:

“الكتابة الدرامية تفرض على صاحبها أن يتغلغل ما استطاع في  نفوس أبطاله كي يفهمهم، وأن يتخيلهم في الحالات التي يمكن أن يكون فيها البشر، وأن يرسم ردود أفعالهم، بالمنطق الدرامي، كما يمكن أن تكون عليه ردود فعل البشر، وذلك كله ضمن إطار المعلومة التاريخية الموثقة، خاصة أن المتنبي شخصية فذة في تراثنا الأدبي، ومحبوه وقراؤه وحفظة أشعاره أكثر من أن يتم إحصاؤهم، وأكثر خطورة من أن يتم الاشتباك معهم دون تحضير واستعداد مسبقين”.

وفق هذه الرؤية كتب عدوان للتلفزيون أعمالاً انحفرت في وعي المشاهدين، نذكر منها: “القبضاي بهلول، جريمة في الذاكرة، دائرة النار، قصة حب عادية، الدوامة، اللوحة الناقصة، شبكة العنكبوت، ليل الخائفين” وغيرها.

واستفاد في ذلك بمعرفته الدرامية، وتدريسه في المعهد العالي للفنون المسرحية، لبناء حكاياته التلفزيونية وشخوصها وأحداثها وحبكاتها، من دون استسهال، بل بطاقة مميزة، وخصوصية في الطرح، تملأ المتابع بالأسئلة، وتشدُّه للاكتشاف، مع متعة خالصة وتشويق عالي المستوى، بحيث أنه يشعر أنه يتلمَّس ملامحه، ويتعرف على أوجاعه وآلام مجتمعه.

وكأن الدراما التلفزيونية التي أبدعها عدوان ما هي إلا صورة أشعة سينية تُظهر للناس أماكن العطب في مجتمعهم، بمعنى أن صاحب “تلويحة الأيدي المتعبة” ينتصر لمعرفة الداء أولاً، ثم ينطلق منها نحو العلاج.

صدِام واعٍ مع “الأسد”

حافظ الأسد وابنه بشار
حافظ الأسد وابنه بشار

لم يكن “عدوان” مُجرَّد عابث، ومُحِبّ للغوص في ما يُختَلَف عليه، بل مُنظراً من الطراز الرفيع، ويبني اشتغالاته الإبداعية، وفق وعيه النظري، ورؤيته الخاصة التي لم يحد عنها، في جميع أعماله، على اختلاف مجالاتها، فمن منا لا يتذكر مداخلته الصادمة عام 1979 خلال اجتماع موسع لأعضاء اتحاد الكتاب العرب مع قيادات “الجبهة الوطنية التقدميّة” التي كانت إحدى أهم أدوات السلطة السورية في ذلك الوقت.

يومها، وقبل ولادة جيل سوري كامل، وفي عزّ هيمنة الحكم الشمولي لسوريا، قدّم عدوان مطالعةً عن أسباب التطرّف، حمّل فيها السلطات قدراً كبيراً من المسؤولية. وكان من أبرز ما قاله حينها:

“من ضمن الأسباب الداعية لاجتماعنا هذا، هو إحساس الجبهة الوطنية بأنها بعيدة قليلاً عن الناس. والجبهة الوطنية جزء من هذا النظام، الذي يحس أيضاً بأنه بعيد عن الناس. بُعد هذا الشارع السياسي السوري عن السلطات السورية المتتالية سببه تاريخ من وقوع هذا الشعب ضحية لكذب الأنظمة.

الأنظمة السياسية كاذبة، لذلك لا يصدّقها. لا يصدّق بياناً عن معركة، بخصوص عدد الشهداء، ولا يصدّق حتى درجات الحرارة القصوى والصغرى. الإعلام كمعبِّر عن السلطة يكذب أيضاً، أنا أشتغل في إعلام أخجل منه لأنه يكذب في درجات الحرارة، يكذب في إخفاء الكوليرا، يكذب بالتستر على اللصوص والتجار والمرتشين وشركائهم، و[الشعب] يشكك بي وبكم حينما كنتم تقول إن هناك فساد. الكذب ينطلق من الخوف. الخوف من الآخرين والسلطات التي تكذب، سلطات تخاف الشعب، وأن يراها على حقيقتها، لذلك يقمعون رأي الشعب ويقمعون حتى سؤاله”.

وفي توصيفه للواقع الثقافي السوري قال:

“المعارض اليساري كانت بيده أسلحة قمعية أكثر من السلطة. فقد وضع هؤلاء معايير نقدية لا تصلح إلا للمسلخ، وسلخوا تاريخاً من الحياة الثقافية. ولذلك، كانت معركتنا معهم أشد ضراوة لأن المعارِض يعتقد بأنه يمتلك الحقيقة الكاملة، بمقدار ما يملكها رجل السلطة، بفارق أن رجل السلطة، ولأنه يفعل فعلاً يومياً على الأرض، يرى أن هناك مبرراً للحوار معه ولنقده، ولو نقداً خفيفاً. أما الأول، ولأنه لا يفعل شيئاً إلا التنظير، فإنه يعتقد بأن الحقيقة لديه كاملة ولذلك تأتي أحكامه أكثر صرامة وأشد قسوة”.

صرخة لآلاف السنوات

ممدوح عدوان
ممدوح عدوان

عدوان كان يؤمن دائماً بأن الفنان يمتاز عن غيره بأنه يَخلُق مُنطلِقاً من أزمة، وخلقه دائماً صرخة غبطة أو تحذير أو احتجاج، إنه في الأزمة ليعانيها، وخارج الأزمة ليطرحها في نتاجه.

ويوضح صاحب “جنون آخر” بأن:

“تلك الصرخة كصرخة أولئك الذين ابتنوا قصراً كبيراً على جبل، وحين وقفوا في الوادي ليتأملوه سقط عليهم فسحقهم. وقلة فقط هم الذين استطاعوا الصراخ. وهؤلاء هم الفنانون.

إن قيمة صرختك تتحدد بمقدار ما تحوي من معاناة المجموع المعرض للسحق أو لأنك ترى القصر يهوي وهم لم يروه، وبالتالي بمقدار ما تحويه صرختك من صدق في إنذارهم، وإنذار نفسك، فإن الناس يستمرون في سماع هذه الصرخة آلاف السنوات إذا كانت تحوي في داخلها ألماً إنسانياً، وإذا كانت دليلاً على التعلق بالحياة وعلى الرغبة في الدفاع عن إنسانية الإنسان في هذا العالم“.

تنظير عدوان يدعمه وعي ورؤية ثاقبة، وإضافة لذلك فإن المتابع لأعماله يتلمَّس حساسيته العالية في كل ما أبدع، ومن ذلك ترجماته التي استطاع من خلالها أن يترك بصمة خاصة، من خلال قدرته على تجويد اللغة بما يناسب النص المترجم.

ومن قرأ ترجماته سواء في “الإلياذة” لهوميروس، أو “الطريق إلى غريكو” لكازانتزاكيس، أو “المهابهارتا” لبيتر بروك، أو “سد هارتا” لهيرمان هيسه، وغيرها الكثير، سيدرك الرهافة التي ميزته دوماً.

إذ كان عدوان يُفعِّل طاقة النص المترجم إلى أقصاها، مُدارياً خصائص اللغة، وقدرتها على الانسجام مع ما يبتغيه الكاتب الأساسي، مع اعتناء خاص بمكنونات اللغة الأصل، ومحاولة نقلها بأمانة، سواء على صعيد شاعريتها، أو اندغامها ببيئتها، أو مجاراتها للزمن الخاص خلال كتابتها.

اللذة الأخيرة

ممدوح عدوان
ممدوح عدوان

من يقرأ كتابه “حيونة الإنسان” (2003)، سيحسب أن عدوان ما زال حيا وكتب مؤلفه هذا عن حاضر سوريا النازف، فالدهشة لن ترافقه وهو يتابع كيف استطاع عدوان نبش طبقات القمع والوحشية التي وسمت حياتنا، وكيفية “صناعة الوحش” كما أسماها، إلى جانب توثيق العبثية التي طالت يوميات الإنسان المعاصر،على اختلاف تصنيفاته، بين الجلاد والضحية، القامع والمقموع، السلطة والحاشية، الطاغية والضعيف، الحاكم والمحكوم.. إلى ما هنالك من مواضيع يمكن اعتبارها استكمالاً لترجمته كتاب “تاريخ التعذيب” لمؤلفه “برنهاردت ج. هروود”.

ليبقى صاحب “وعليك تتكئ الحياة” شاعراً في كل ما كتب، إذ كان يتَّكئ على “جوهر الشعر بصفته اللذة الأخيرة”، مؤمناً كما قال في كتابه “دفاعاً عن الجنون” بأن:

“الفنان إذ يكتشف صفاءه، يكتشف عكر العالم، وتصطدم صلابة صفائه بصلابة العالم، وهذا الاصطدام يولد الشرارة المضيئة للعالم: يولد الفن. ومن هنا وجب أن يكون الشعر نتاجاً ذاتياً بحتاً، وقيمة الشعر تتحدد بصفاء الذات المولدة للشعر، وبمدى مقدرتها على أن تكون الكل، أي التربة التي تحوي جذور الناس.

هذه الشرارة احتراق داخلي، ولا بد لهذا الاحتراق من الخروج إلى المجموع لأنه ناجم عن الاصطدام بهم، ولا بد من الخروج بقوة تحددها رغبة الفنان في أن يكون مفيداً لهذا العالم.

 ربما هذا ما جعل شعر عدوان بمثابة صرخة لا تتخلى عن منبريتها ومباشرتها، وتتعزز باندفاعة الشعارات ووهم الإيديولوجيا لاسيما في ظل الانكسارات التي كانت هزيمة الـ67 أبرزها حضوراً في شعره، لكنه تخلى في دواوينه الأخيرة عن هُتافاته الشعرية، مُتَّجِهاً نحو داخله المسكون بالأشخاص والأحداث والأشياء المهملة.

وكأن المرض العُضال كان سبيله باتجاه سبر أغوار نفسه شعرياً، وتظهير نيجاتيفات من طفولته، وأصدقائه، والوجوه التي يعشقها، مُتخلياً عن كل أسلوبيته السابقة، أليس هو القائل:

“أين أذهب بباقات الأحلام الذابلة، والأناشيد المعلّقة مع البامياء والثوم؟

ماذا أفعل بهذه الشعارات المعلّبة التي انتهت مدتها؟

وأين أجد ظلي الذي كان يتمدد بأريحية، أمامي على الرمضاء، وكان يقتفي خطواتي، ويتسلل ورائي، ككلب الصيد؟”.

قفزة في الهواء

ديوان قفزة في الهواء
ديوان قفزة في الهواء

اختتم عدوان أعماله الإبداعية شعراً، من خلال “قفزة في الهواء”، عنوان الديوان الذي صدر بعد رحيله، الذي كان مرثيةً ذاتية، ومحاورات مع الموت، استسلاماً حيناً وتحدياً في أحيان أخرى، يقول:

“علام هذه العجلة؟/ بقيت كلمة لم أقلها/ وخصم لم أشتبك معه/ وفتاةً لم أغازلها”.

 ليبقى في كل ما أبدع المُتمرِّد الشجاع، يخوض حروبه الثقافية بعزم وثقة، من دون أن يهادن أحداً، والدون كيشوت المعاصر الذي لا يقبل الهزيمة، مهما عصف به اليأس.

ويواصل معاركه واحدة بعد الأخرى، في الشعر والترجمة والدراسات والمسرح والرواية وحتى في الكتابة الصحفية التي مُنع منها لأنه ظل يطرح من خلالها الأسئلة المحرمة وغير المعهودة، لكنه حافظ مراراً، على وهج ثورته في وجه البشاعة والإلغاء، مع شهية مفتوحة ومستمرة للكتابة في مختلف الميادين الإبداعية التي أجادها، وذلك حتى يوم وفاته في التاسع عشر من كانون الأول عام 2004.

إذ إنه على يقين تام بأن:

الفنان يعطي لأنه لا يستطيع إلا أن يعطي، إنه لا يستطيع السكوت، وعطاء الفنان كالجرب، كلما حككته كان عليه أن يحكه أكثر، ويصبح غير قادر على التوقف عن الحك، والعطاء، وحتى لو كان العطاء سابقاً لزمنه.

بديع صنيج

كاتب سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى