ممنوع اللمس

المكفوفون مُكبّلون في زمن "كورونا"

بنظارة سوداء وعصا بيضاء وملامح واجمة، يحاول تلمّس خطاه في الشارع، صامتًا لولا وَقْع نقرات عصاه على الأرض، شاخصًا بعينيه نحو الظلام التام في قلب الظهيرة، يحس بخطوات المارة بجانبه دون أن يتوقف أحدهم ليمد يد العون له، فبحسب إجراءات التباعد الاجتماعي التي فرضتها جائحة كورونا يُعد التلامس فخًّا للعدوى بامتياز، مؤتنسًا بصخب الباعة وهو يمضي في سبيله، وبين لحظة وأخرى ينتابه خوفٌ غامضٌ كلما أسرعت سيارة من جانبه.

“وليد إبراهيم”، اعتاد أن يقطع الطريق ذهابًا وإيابًا كل يوم من مدينة “بدر” إلى وسط القاهرة مكان عمله كموظف شئون إدارية بمعهد سنجر التابع لوزارة التعليم العالي، لكنه حصل على إجازة مدفوعة الأجر مع انتشار جائحة “فيروس كورونا”، فلم يعد يخرج من البيت إلا للضرورة القصوى، متوكّأ عصاه، ولا يستخدم المواصلات العامة، بل يلجأ للمواصلات الخاصة، خوفًا من التلامس.

يشكو “وليد” من صعوبة المشي في الشارع هذه الأيام، إذ يعتمد بشكل كبير على طلب مساعدة الآخرين خلال السير، ومن ثمّ “التلامس”، لذلك يتحاشى طلب المساعدة حتى يتجنب العدوى، وبدأ يعتمد على مساعدة ابنه الصغير في كل مكان يذهب إليه، حتى أصبح لصيقًا به.

“وليد” لا يزال خائفًا من الإصابة بكورونا نتيجة لمس الأسطح، فحتى مع مساعدة ولده الصغير يضطر للمس الأبواب والمقابض والجدارن وعصاه تلامس الأرض بشكل مستمر، مما يجعلها معرضة لحمل للفيروس، لذلك يحاول الالتزام بالحظر الكامل وتوعية المكفوفين على المجموعات التي يُديرها عبر “فيسبوك”، بأهمية الالتزام بالجلوس بالبيت واتّباع التعليمات حتى انتهاء الأزمة.

مطالبات بتقديم خدمات "أونلاين" للمكفوفين.. ودعم صحي

“شيماء مجاهد”، قررت عدم الخروج من المنزل إلا في حالات الضرورة القصوى، مع اتباع الاحتياطات اللازمة، لكنها لا تستطيع تفادي الصعوبات التي تواجهها عند الخروج، سواء لقضاء احتياجاتها أو من أجل قبض راتبها، بسبب عدم وجود ماكينة صراف آلي بالقرب من سكنها تابعة للبنك الخاص ببطاقة الراتب، مما يضطرها إلى استقلال المواصلات العامة من أجل الذهاب إلى أقرب ماكينة صرف.

“شيماء” تطالب الحكومة بعمل تطبيق للمكفوفين يتم من خلاله طلب أي خدمة “أونلاين” لتسهيل تلبية احتياجاتهم في ظل الأوضاع الحالية.

“أحمد حسنين”، الدكتور بكلية الدراسات الإسلامية جامعة الأزهر بنين، يطالب وزارة التضامن الاجتماعي بتوقيع بروتوكول مع وزارة الصحة لتوفير الخدمات العلاجية لذوي الاحتياجات الخاصة في حالة مرضهم، نظرًا لظروفهم الخاصة التي تتطلب تدخلًا خاصًّا.

في مايو الماضي، أطلق “المعهد المصرفي- EBI” مبادرة “بصيرة” لمساعدة المكفوفين خلال فترة العزل المنزلي نتيجة فيروس كورونا، لتقديم الدعم لهم في استذكار دروسهم في مراحل التعليم المختلفة، ووقّع المعهد بروتوكولات تعاون مع جمعيَّتَيْ “رسالة” و”النور والأمل”، من أجل تسهيل وصول الوسائل التعليمية للمكفوفين وضعاف البصر، لتوفير بيئة أفضل وتعويض غلق المدارس والجامعات بسبب جائحة فيروس كورونا.

لم تكن هذه المبادرة الوحيدة لدعم المكفوفين، فقد قدمت مبادرة “كل نور بيفرق” التابعة لمشروع “حوار في الظلام” لدعم المكفوفين من خلال خدمتين؛ الأولى: “عيادة أونلاين”، تعمل على توصيل المكفوفين بأطباء نفسيين لتقديم الدعم المعنوي لهم، والثانية: قائمة على مساعدة متطوعين للمكفوفين عن طريق توفير احتياجاتهم، أو تسجيل محاضرات صوتية توعوية لهم.

الإجراءات الاحترازية فرضت عبئًا ماليًّا على المكفوفين.. ونائب: قدّمنا الدعم
محمد أبو طالب

“محمد أبو طالب”، مدرب كمبيوتر وتقنيات مساعدة في مركز “نور البصيرة” لذوي الإعاقة بجامعة سوهاج، يتابع عمله “أونلاين” من خلال المنزل، لكنه يشكو لـ”ذات مصر” من التأثير السلبي لجائحة كورونا عليه من الناحية المالية؛ خصوصًا مع ضرورة شراء أدوات التعقيم بشكل مستمر، بالإضافة إلى الكمامات والقفازات الطبية، نظرًا للمسه المتكرر للأسطح والجدران، إلى جانب استقلاله المواصلات الخاصة عند الذهاب إلى أي مكان.

النائب “محمد أبو حامد”، عضو لجنة التضامن الاجتماعي والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة بالبرلمان، يقول لـ”ذات مصر”: “بالنسبة لبرامج الدعم المقدمة من الحكومة للمكفوفين فإنها لم تتأثر بجائحة كورونا. فعلى سبيل المثال، هناك معاش تكافل وكرامة، والمعاش المخصص لذوي الاحتياجات الخاصة ما زال مستمرًّا، بالإضافة إلى أن الزيادات الخاصة بمعاشات التضامن الاجتماعي التي تمت مؤخرًا سوف يستفيد منها ذوو الاحتياجات الخاصة ومنهم المكفوفون”.

ويضيف “أبو حامد” أن الدولة “قدمت دعمًا لذوي الاحتياجات الخاصة، ومنهم المكفوفون، داخل دور الرعاية الخاصة بهم، عن طريق تعقيم هذه الأماكن وضمان تباعد المسافات بينهم، أما السبب في عدم وجود مبادرة خاصة بالمكفوفين فهو أن كل الإعاقات تعرضت للضرر في ظل جائحة كورونا، وليس المكفوفون فقط”.

"شنطة رمضان" كانت آخر ما قدمته الجمعيات الأهلية للمكفوفين

بالرغم من المبادرات التي أطلقتها جهات عدة، إلا أن “رامي مصطفى” لا يزال يذكر آخر خدمة تم تقديمها للمكفوفين من جانب الجمعيات الأهلية خلال جائحة كورونا، وهي “الشنطة الرمضانية”. يقول لـ”ذات مصر”: “غير ذلك لم يتم تقديم أي دعم مادي أو نفسي للمكفوفين حتى الآن”، ويضيف: “السبب وراء عدم تقديم الدعم للمكفوفين هو إغلاق وزارة التضامن الاجتماعي للجمعيات الأهلية في مدينة المنصورة مكان إقامته بسبب فيروس كورونا”.

“رامي” يرى أن إغلاق الجمعيات بسبب كورونا مجرد “حجة استغلتها الجمعيات الخاصة بالمكفوفين حتى لا تقدم الدعم لهم”.

“رامي مصطفى” يشدد في حديثه لـ”ذات مصر” على “عدم وجود أي دور أو دعم للجمعيات الأهلية خلال جائحة كورونا، ولا حتى قيامها بعمل أي مبادرة”، مؤكدًا أن المبادرات التي تمت كانت “شخصيّة”.

“ذات مصر” تَوَاصَلَ مع جمعية “النور الحقيقي” لخدمة المكفوفين وضعاف البصر، والتي أكدت استمرارها في تقديم خدماتها على الرغم من الإغلاق، ومن أبرزها تقديم الدعم النفسي للمكفوفين عن طريق زيارة يومية لهم في المنازل، بالإضافة إلى الدعم المادي المتمثل في السلع الغذائية.

شعار جمعية "النور الحقيقي"

وأوضحت الجمعية أنها تقدم “دعمًا للأطفال المكفوفين في الفترة الحالية، عن طريق طباعة قصص لهم على طريقة برايل، وتوزيعها عليهم في المنازل”.

مشروع "إبراهيم" مهدَّد بالإغلاق.. و"محمد" في انتظار الوظيفة

“يحيى إبراهيم”، وجد صعوبة في البحث عن عمل، لذلك قرر هو ومجموعة من أصدقائه تأسيس مشروع خاص بهم، لتوريد بعض المنتجات للمحلات، وبالفعل بدأ المشروع الذي استمر لمدة شهرين قبل جائحة كورونا التي أغلقت المحلات التي كان يتعامل معها، فتوقف المشروع حاليًّا.

يحيى إبراهيم

“يحيى” يقول لـ”ذات مصر” إنه مستمر في دفع ثمن إيجار مقر المشروع، دون تحصيل أي أرباح، مضيفًا: “حاولت البحث عن عمل آخر دون جدوى، وأنتظر انتهاء هذه الأزمة حتى أستطيع أن أعوض خسارة الأشهر الماضية، لكني أشعر بالخوف من استمرارها أكثر من ذلك فأضطر إلى غلق المشروع نهائيًّا”.

لم يكن “يحيى” الوحيد الذي تضرر عمله، فـ”محمد علي” فقد عمله أيضًا في “إعطاء الدروس الخصوصية” بعد توقف المدارس، وأصبح عاطلًا عن العمل، وحاول البحث عن أكثر من وظيفة دون جدوى.

محمد علي

“محمد” يقول لـ”ذات مصر”: إنه قبل جائحة كورونا جهّز أوراقه من أجل التقديم على وظيفة طبقًا لنسبة الـ5% التي توفرها الحكومة لذوي الاحتياجات الخاصة، لكن الإجراءات توقفت بسبب الجائحة، ولا يعرف متى ستنتهي حتى يبدأ عملًا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

سلوى يحيى

صحافية مصرية راحلة

مشاركة

أحمد بيكا

جرافيك ورسوم

Start typing and press Enter to search