مناظرة بايدن وترامب

95 دقيقة من الشتائم!

هل ستكون مصارعة أم مناظرة كالتي عرفناها طوال تاريخنا؟ سؤال أوليّ طرحه ملايين الناس داخل أمريكا وخارجها، أمس الثلاثاء، وهم يوجهون الأنظار صوب الشاشات التي كانت تنقل أول مناظرة تليفزيونية بين المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمركية دونالد ترامب (74 عامًا) ومنافسه المرشح الديمقراطي، ونائب الرئيس السابق، جو بايدن (77 عامًا).

وقائع المناظرة الأولى كانت لافتةً ودالّة، وقد تخلف آثارًا في نتائج الانتخابات المقبلة بين ترامب وبايدن، المُقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. حفلت المناظرة بقدر كبير من الفوضى التي تخللتها اشتباكات لفظية، وإهانات شخصية. حاول المرشح الديمقراطي أن ينفي عن نفسه اتهامات الرجل “النعسان” و”الخرفان” التي وصمه بها ترامب، وحاول الرئيس الأمريكي الحالي أن يبدو في موقف غير المهتم باتهامات بايدن.

ترامب وبايدن قبل بدء المناظرة
أرقام "جو" واتهامات "دونالد"

الصحفي المخضرم، كريس والاس، الذي أدار مناظرة استغرقت 95 دقيقة، ركز في طرح الأسئلة على قضايا مثل الرعاية الصحية، وفيروس كورونا المستجد، وتعيينات المحكمة العليا، وتغير المناخ.

وركز ترامب على استخدام كبر سن بايدن، كوسيلة للتشكيك في اللياقة العقلية والبدنية للرجل، من خلال الإشارة إلى أن “بايدن لا يتذكر الجامعة التي التحق بها”، في حين استخدم منافسه الديمقراطي لغة الأرقام في كثير من القضايا، للتدليل على أن ترامب هو “أفشل رئيس عرفته أمريكا”. 

واحتلت قضية الرعاية الصحية في الولايات المتحدة مساحة كبيرة  من الهجوم المتبادل. ترامب اتهم بايدن بأنه يساري متطرف في خطته بشأن الرعاية الصحية، وأنه يسعى لخفض أسعار الأدوية، وإلغاء الحكومة لتفويضات للأمريكيين بشراء الرعاية الصحية. وهاجمه بايدن قائلًا إن “كل شيء يقوله (ترامب) حتى الآن كذب ببساطة.. إنه ليست لديه خطة؛ وهو رجل لا يعرف ما يتحدث عنه”.

من مناظرة ترامب وبادين استعدادا للانتخابات الأمريكية

كما حاول كلا المرشحين توظيف المخالفات المالية لصالحه. فقال ترامب: “الصين أخذت حصتك يا جو. ولا عجب أن يذهب ابنك، ويأخذ مليارات الدولارات”، في إشارة إلى استثمارات نجل بايدن، هانتر، في أوكرانيا والصين.

وكانت آخر محطة أنهى بها كريس والاس، المذيع التلفزيوني الأمريكي المناظرة، هي سؤاله لكلا المرشحين عن التعهد بقبول نتائج الانتخابات. امتنع ترامب عن تأكيد تصريحه السابق بأنه سوف يرفض -إذا تمت عملية الاقتراع عبر البريد- الانتقال السلمي للسلطة في حالة خسارته، قبل أن تخرج متحدثة البيت الأبيض بعدها بأيام نافية هذه التصريحات.

لكن ترامب أجاب على السؤال مستخدمًا مفردات جديدة: “قد لا نعرف (نتيجة الانتخابات) قبل أشهر”، مضيفًا في وقت لاحق: “لن تكون النهاية جيدة، وأنا أحض أنصاري على التوجه إلى مراكز الاقتراع والتنبه جيدًا”.

على الجانب الآخر، تعهد بايدن باحترام النتائج “بعد فرز جميع الصناديق”، قائلاً: “سأقبل نتيجة الانتخابات”، مضيفًا: “إذا لم يكن (الفائز) أنا، سأعترف بالنتيجة”، واعدًا في الوقت نفسه بأنه إذا ما فاز بالانتخابات فسيكون “رئيسًا للديمقراطيين وللجمهوريين” على حدّ سواء.

مواطنون أمريكيون يتابعون المناظرة
هل أبطل بايدن سلاح ترامب؟

خالف المرشح الديمقراطي التوقعات بأن يكون في موقع المُدافع الدائم أمام اتهامات وإهانات ترامب، كما اعتاد الأخير مع خصومه؛ ونجح جو بايدن  في إبطال هجوم ترامب بهجوم مبكر مضاد، لم تغب عنه الإهانات الشخصية التي بدأها بنعت الرئيس الجمهوري بـ”المهرج” و”الكاذب”.

وبدأ بايدن بتوبيخ ترامب حين قال إن الرئيس يجب أن يكون “أكثر ذكاء” لتجنب المزيد من الوفيات، ليرد عليه ترامب قائلاً: “كنت آخر التلاميذ في صفك.. أو آخرهم تقريبًا. لا تستخدم كلمة ذكاء معي. لا تستخدمها أبدًا. أنت لا تمتّ إلى الذكاء بصِلة”.

واستمرارًا لسياسة بايدن في توجيه الإهانات الشخصية لترامب، اتهم المرشح الديمقراطي ترامب بكونه “جرو” الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قائلاً: “هذا رئيس يستخدم كل شيء من أجل إثارة الكراهية العرقية والانقسام العرقي، إنه يسكب فقط البنزين على النار”.

ترامب وبايدن

وفشل ترامب في حماية صورته أمام الناخب الأمريكي “كرجل قوي” يستطيع مواجهة خصومه، في حين نجح نائب الرئيس السابق بآلية الهجوم المُبكر التي عززها بالأرقام في الدفاع عن نفسه، أمام الاتهامات التي روجت لها حملة ترامب على اعتباره شخصًا مسنًّا فاقدًا للتركيز، ولا يتمتع بالقدرات العقلية والذهنية التي تؤهله للحكم.

"والاس" الفائز الأول

نجح كريس والاس، (72 عامًا)، المذيع بقناة فوكس الأمريكية -الذي أدار المناظرة- في أن يكون تقريبًا هو الفائز الأكبر في المناظرة، بعدما استطاع فرض شخصيته على الحوار بحياد، وبأسئلة ذكية وقوية.

ويتمتع المذيع الأمريكي بمصداقية ونزاهة كبيرتين في الأوساط الإعلامية الأمريكية، وهو ما انعكس في طريقة إعداده للمناظرة من خلال وضع أسئلتها بنفسه، دون إطلاع أحد عليها، لا الرئيس ولا منافسه ولا حتى لجنة تنظيم المناظرات، ليؤكد بهذا الموقف حياده بعيدًا عن موقف قناته الداعمة لترامب.

المذيع كريس والاس الذي أدار المناظرة

ويتباهى والاس دومًا في حواراته بقدراته المهنية، كمُحاور يستطيع دومًا إثارة غضب المعسكرين السياسيين من خلال برنامجه التلفزيوني “فوكس نيوز صنداي”، الذي يتناول فيه الشأن الأمريكي.

وقبل تنظيم المناظرة، هاجم ترامب المذيع والاس، خريج جامعة هارفارد الأمريكية، قائلاً إن المذيع “يسيطر عليه اليسار الراديكالي” دون تقديم أي دليل، في ضوء اختياره للقضايا الرئيسة في الحوار والتي تتقاطع مع تهم للرئيس الحالي.

“والاس” الذي ينتمي إلى عائلة صحفية وإلى الحزب الديمقراطي، وتنقل بين مواقع صحفية وتلفزيونية منذ بداية عمله وهو طالب، وسبق له أن أدار مناظرة رئاسية بين دونالد ترامب وهيلاري كلينتون عام 2016، ونال صيتًا كبيرًا، عندما جعل ترامب يقول نصًّا إنه لن يلتزم بقبول نتائج الانتخابات. وبالطبع لا يمكن إغفال أن المذيع الأمريكي قال، في قت سابق، إنه ينتخب مرشحين ديمقراطيين وجمهوريين، في مقابلة له مع صحيفة التايمز البريطانية قبل 4 سنوات، شرح خلالها طبيعة علاقاته مع كبار الساسة والرؤساء في أثناء حواراته معهم. “أتعامل مع الجميع مثل الكلاب. هذه وجهة نظري تجاه جميع السياسيين”. هكذا أكد والاس!

هل تؤثر المناظرة في الرأي العام الأمريكي؟

مع نهاية عقد الثمانينات، تراجع تأثير المناظرات بين مرشحي الرئاسة الأمريكية على مجريات الانتخابات، وخفت تأثيرها على الرأي العام، بحيث لم تعد مؤشرًا على النتائج الحقيقية، أو عاملاً أساسيًّا في انقلاب الرأي العام من معسكر لآخر.  

ويكشف هذا التراجع في تأثيرها الحاسم، وقائع فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية عام 2016 على منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، رغم اعتبار الأخيرة منتصرة عليه بعد 3 مناظرات جمعتهما.

مناظرة ترامب وهيلاري كلينتون بالانتخابات السابقة

واقعة أخرى كاشفة لانحسار تأثير هذه المناظرات في النتائج الفعلية، كانت  في عام 2004، حين فاز المرشح الديموقراطي جون كيري على جورج بوش الابن في المناظرات الثلاث، وتحدثت وسائل الإعلام عن فوزه “شبه المؤكد”، قبل أن يخسر الانتخابات أيضًا.

المرة الأخيرة التي لعبت فيها المناظرة دورًا فاعلاً في ترجيح كفة الفائز فيها، كانت في عام 1984 حين  سخر المرشح رونالد ريجان، الذي كان يبلغ من العمر حينها 73 عامًا، من “صغر سن وقلة خبرة” منافسه الديمقراطي، ما ساعده على كسب الانتخابات.

وينحصر تأثير هذه المناظرات على أعداد محدودة من الناخبين، خصوصًا هؤلاء المتأرجحين في مواقفهم، والذين لا تتجاوز نسبتهم 10% من الناخبين الذي تؤثر المناظرة في دعمهم لمرشح عن آخر، وفق استطلاع لمركز أبحاث “بيو”.

يذكر أنه تتبقى مناظرتان أخريان بين الخصمين في 15 و22 أكتوبر/تشرين الأول المقبل في ميامي بولاية فلوريدا، وناشفيل بولاية تينيسي. وقد عرف التاريخ السياسي الأمريكي أول مناظرة رئاسية متلفزة قبل 60 عامًا، في ولاية شيكاجو، بين جون كينيدي وريتشارد نيكسون، لتتحول بعد ذلك إلى تقليد رسمي في الدولة العظمى.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أكرم الصبَّاغ

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search