منتدى "غاز المتوسط"

أمن واقتصاد... أحلاف وبنادق!

يبدو أن قصة غاز شرق المتوسط تتحول مع الوقت إلى متوالية سياسية – درامية يُسلّم بعضها بعضًا إلى عنوان مشهد عريض من أربع كلمات: ” الغاز والبنادق والأحلاف.. والأطماع”. 

تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط بدعوة من القاهرة في يناير 2019 كان فصلاً مهمًّا من فصول عدّة. المحاولة تستهدف وضع إطار للتعاون الدولي الممكن لتحقيق أقصـى إفادة من موارد الغاز المكتشف على أساس قانوني. وبدا أن المنتدى الذي حظي بعضوية سبعة بلاد، هي مصر وفلسطين وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا والأردن، أكثر عناية بالمسائل الفنية والاقتصادية.

الاجتماع الأول لمنتدى غاز المتوسط
أبعاد جيوسياسية

إلا أن تأسيس المنتدى لم يخلُ من أبعاد جيوسياسية مع عدم عضوية سوريا، بحكم الصراع الأهلي الدائر، ووجود إسرائيل، ولبنان الذي يتنازع مع إسرائيل على بعض آبار الغاز الحدودية في البلوكات (٨ و٩ و١٠) وكذلك استبعاد تركيا المتنازعة سياسيًّا وحدوديًّا مع أغلبية أعضاء المنتدى المؤسسين.

ومع ذلك، أبقت صيغة تأسيس المنتدى على إمكانية انضمام بلدان أخرى في المستقبل، إلا أن تركيا في المقابل رأت في تأسيس المنتدى دون اعتبار مصالحها ومصالح جمهورية قبرص التركية (التي تعترف بها فقط أنقرة) بمثابة “عمل عدائي”، اتخذت منه ذريعة لتوقيع اتفاقية منفردة مع حكومة الوفاق الليبية في نوفمبر 2019، في تجاهلٍ تام لحقائق الجغرافيا في شرق المتوسط.

ومع توقيع مرسوم تحويل المنتدى إلى منظمة إقليمية (٢٢ سبتمبر الحالي) يتضح طموح الدول المؤسسة في تعزيز التعاون حول الإفادة من غاز المتوسط، واستدامة العلاقات التعاونية في ما بينها.

ويزداد معه أيضًا درجة تسيُّس الجدل بشأن الغاز، خاصة مع تصعيد تركيا لصراعها مع كل من اليونان وقبرص من ناحية، وتهديدها للأمن القومي المصري من ناحية أخرى، في ظل تدخلها العسكري في ليبيا التـي وصل الصراع فيها إلى طريق مسدود من الناحيتين الدبلوماسية والعسكرية.

التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط

وعلى الرغم من تأكيد أعضاء المنتدى خلال اللقاءات الوزارية المتكررة خلال العامين الماضيين على ضرورة الانتقال إلى “منظمة دولية حكومية”، والتوقيع بالأحرف الأولى على الميثاق في يناير الماضـي، لا تمكن قراءة هذا التحول التنظيمي بعيدًا عن اضطرابات المنطقة، وتزايد المخاطر الأمنية.

موقف الفاعلين الدوليين

من المؤكد أن الدعم الأوروبي لاتفاقية المنتدى ينبع من دافعين أساسيين: يتمثل الأول في رغبة الاتحاد الأوروبي من تقليل اعتماد أوروبا على صادرات الغاز الروسية، التـي تمثل ورقة ضغط رئيسة تمتلكها موسكو في مواجهة القوى الغربية وحلفائها في شرق أوروبا. وهو الهدف الجيوسياسـي الذي تحاول موسكو الحؤول دون تحقيقه من خلال توطيد أقدامها في قطاع الطاقة في جنوب المتوسط وسوريا، ومن خلال خطوط نقل الغاز الروسـي عبر تركيا.

ويتمثل الهدف الثاني للاتحاد الأوروبي احتواء “الشغب التركي” من خلال تعزيز صيغة التحالف المتوسطية من خلال المنظمة، وبالتالي تقليل فرص اندلاع أي صراع في المنطقة يؤدي إلى مزيد من إضعاف حلف “الناتو”، وتعزيز فرص الوجود الروسـي في المنطقة.

سفن تركية بالبحر المتوسط

أما الولايات المتحدة التـي سعت لعضوية مراقبة في المنظمة، وعلى الرغم من قلقها من التصرفات التركية وتراجع دور “الناتو” في المنطقة أمام التوسع الروسـي، فلن تبذل ما يكفي من موارد للحفاظ على استقرار المنطقة، إلا في حال وقوع صراع مسلح قد يُهدد وجودها البحري في المنطقة، أو يؤدي إلى انقسام في “الناتو”.

نجاح دبلوماسي مصري

وبالنسبة إلى القاهرة، فالمنتدى يمثل نجاحًا خالصًا للدبلوماسية المصرية من عدة أوجه. فمأسسة المنتدى تعد تأكيدًا على العودة النشطة للسياسة المصرية في المنطقة الأكثر التصاقًا وارتباطًا بأمنها القومي.

تعاملت القاهرة مع قضية التنافس على الغاز من خلال عزل النشاط التركي من ناحية، وبناء قاعدة للتعاون بين بقية الأطراف من ناحية أخرى، كأساس لاجتناب أية صراعات تمنع مصر وغيرها من الإفادة من احتياطات الغاز. فضلاً عن تأكيد قدرة القاهرة على الأخذ بزمام المبادرة بدلاً من ردة الفعل تجاه التطورات في المنطقة.

وفضلاً عن ضمان المنظمة لاستدامة التعاون حول غاز المنطقة الذي تمتلك السواحل الشمالية المصرية الحصة الأكبر منه، وتتمثل في ٣٠ تريليون متر مكعب، فإن هذا التحول الجاري يدفع المساعي المصرية قدمًا للتحول إلى مركز إنتاج وتصدير الطاقة.

ويساعد مصر على هذا امتلاكها محطات إسالة الغاز الطبيعي في دمياط وإدكو، وبدء سريان الاتفاق المصري الإسرائيلي الذي ينص على إعادة تصدير جزء من الغاز المصدَّر إلى أوروبا، وكذلك التوصل لاتفاق لإنشاء خط غاز لتسييل الغاز القبرصـي المستخرج من حقول “أفروديت” إلى مصانع إدكو، وإعادة تصديره إلى أوروبا.

السيسي وزعيما قبرص واليونان

وقد يعزز الموقف المصري في هذا الصدد الصعوبات التـي تواجه تنفيذ اتفاق خط “إيست ميد” بين إسرائيل وقبرص واليونان، والمُوقّع في مطلع العام الحالي، بسبب زيادة تكلفة التصدير ومرور الخط بمناطق متنازع عليها، فضلاً عن وجود مخاوف بيئية من إنشائه على السواحل الأوروبية، وهو ما يعزز فرص نجاح مصر في مخططها التنموي في مجال الطاقة، وما قد ينعكس بالإيجاب على سوق الطاقة المحلية. 

تعميق التعاون الأمني

من المحتمل جدَّا أن يكون التحول نحو المنظمة من شأنه أن يقلل فرص التنافس الجيو-اقتصادي بين بلدان شرق المتوسط، من خلال تعميق الاعتماد المتبادل بين الأطراف المعنية.

ومع ذلك، تبقى المنظمة خطوة أولية بالنسبة إلى تأسيس نظام أمنـي في المنطقة التـي تفتقر إلى وجود بنية أمنية قادرة أولاً على إدارة الصراعات وترشيد التنافس بين أقطاب المنطقة، والقوى الدولية المهتمة بها، وثانيًا تعظيم فرص التعاون وحل الأزمات.

فالمنظمة الوليدة ما زالت تؤكد على الطبيعة الفنية والاقتصادية للتجمع الذي يسعى إلى “وضع رؤية مشتركة لمستقبل الغاز الطبيعي في المنطقة، وتطوير سوق الغاز الطبيعي من أجل الاستفادة المثلى من إمكانيات المنطقة”.

معضلات في الطريق

من ناحية أخرى، يؤكد الميثاق التأسيسـي للمنظمة على طابعها المتجاوز لإقليم شرق المتوسط، من خلال فتح باب الشراكة مع أطراف ومؤسسات دولية.

وقد يتناقض هذا الهدف الطموح مع الطبيعة الإقليمية للمنتدى، ولا يضع أساسًا قويًّا للعضوية المستقبلية، خاصة أن المنطقة ليست هي الأهم في إنتاج الغاز عالميًّا؛ مقارنة على سبيل المثال باحتياطيات الغاز الروسية، مع الأهمية القصوى لاحتياطات الغاز في المنطقة بالنسبة إلى دولها، من حيث كفاية الإنتاج المحلي والعوائد الاقتصادية للتصدير.

وبافتراض أن العضوية المفتوحة ستشمل جميع الدول ذات المصلحة في المنطقة، قد يجد المنتدى نفسه أمام معضلات سياسية مستقبلية، خاصة مع تناقض المصالح بين الأطراف الأوروبية، وروسيا صاحبة الحضور الاقتصادي والعسكري القوي في المنطقة.

تدريبات قتالية للجيش المصري بالبحر المتوسط

ويظل احتواء تركيا هو الرقم الأصعب. فعلى الرغم من التراجع النسبـي في خطاب تركيا الحاد بالنسبة إلى مصر واليونان، تحديدًا في ما يتعلق بالملف الليبـي وملف غاز المتوسط، يبدو أن الموقف التركي من المنتدى لن يلين بسهولة بسبب الحسابات المركبة للداخل التركي، وهواية الرئيس التركي إردوغان في جمع الأوراق اللازمة للضغط على خصومه وابتزاز حلفائه.

ومع ذلك، فإن تحقيق أهداف المنتدى يستلزم تجاوز أهداف التعاون الاقتصادي للبحث في سبل التعاون الأمنـي دون التحول إلى صيغة التحالف العسكري، التـي قد تؤدي إلى خطأ فادح في حسابات القوة، وهو ما قد يشعل صراعًا يهدد خطط التنمية في المنطقة.

كان توقيع اتفاقات ترسيم الحدود البحرية بين اليونان وإيطاليا (في يونيو الماضـي) واليونان ومصر (في أغسطس الماضي) بمثابة إلغاء قانوني لاتفاق أنقرة وحكومة الوفاق الليبية الإشكالي.

ومع ذلك، فما زال هناك الكثير من الجهد المطلوب من بلدان المنطقة لمحو الآثار السلبية للتدخل التركي في ليبيا، والمتمثلة في التصعيد العسكري وزيادة فوضـى السلاح في البلد المنكوب بالحرب الأهلية.

لذا سيكون من الضروري لدول المنتدى أن تدفع أكثر نحو حل سياسـي واقعي وشامل للصراع في ليبيا، وربما تضمين ليبيا مستقبلاً في المنظمة، وتقديم يد المساعدة لها في عملية إعادة الإعمار. 

ترسيم الحدود البحرية بين اليونان وإيطاليا
سوريا ولبنان

وأخيرًا يبقى ملف دور سوريا ولبنان المستقبلي في منتدى غاز شرق المتوسط بمثابة “الفيل الذي في الغرفة” وهو ما سيستدعى نقاشًا جديًّا عن كيفية تضمين مصالح البلدين العربيين في آليات التعاون، فضلاً عن ضرورة حل الأزمات الحدودية بين إسرائيل ولبنان لخفض احتمالات الصراع في المستقبل. وكذلك كيفية ربط آليات التعاون في المنطقة بعملية إعادة إعمار سوريا، التـي ستتضمن حتمًا الإفادة من احتياطيات الغاز قبالة السواحل السورية.

في كل الأحوال، وعلى الرغم من جدية تطوير الإطار التنظيمي والقانوني لمنتدى غاز شرق المتوسط، فإن التعاطي مع أمن المنطقة لضمان الإفادة الممكنة من موارد الطاقة المكتشفة فيها يستدعي إطارًا أمنيًّا وسياسيًّا أكثر تكاملاً وقدرة على معالجة الجوانب المركبة، لسياسات المنطقة الواقعة على حافة الشرق الأوسط المأزومة دائمًا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد العربي

باحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search