منذ دخول الكاميرا لمصر

الطنيخي يرمّم "ذاكرة الشعب"

فتيات يحصدن الياسمين وينشدن أغاني من الفلكلور الشعبي في ريف مصر عام ١٩٧٠، جنازة طه حسين من أمام جامعة القاهرة عام 1973، حُجاج مصريون داخل طائرة عام 1972، أسرة مصرية مجتمعة على الغداء عام 1974، “روز اليوسف” تحتفل بانطلاق أول مجلة عربية سياسية عام 1925.. مقاطع مصورة نادرة لمصر في حقب زمنية مختلفة، نُشرت ضمن مشروع “التوثيق المصري الواقعي”، ولاقت تفاعلاً كبيرًا من المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي.

الحنين إلى الوطن

الغربة، الحنين إلى الوطن، الاشتياق إلى الماضي والرغبة في استحضاره.. أسباب دفعت الشاب العشريني أحمد الطنيخي إلى البحث عن صور من تاريخ مصر وتوثيقها، ومشاركتها مع الجمهور، من خلال مشروعه “التوثيق المصري الواقعي” الذي يعرض فيه الحياة المصرية في الفترة من بداية استخدام الكاميرا في مصر عام 1839 حتى 1989.

سيدة تقف مع ابنها في أحد حقول الريف المصري

تخرج أحمد في كلية التجارة بجامعة الإسكندرية، وسافر للعمل كمحاسب مالي في إحدى دول الخليج، وحينها بدأت رحلته مع التوثيق: “منذ 7 سنوات بدأت بجمع الصور القديمة، كانت تستهويني فكرة توثيق الوجوه البسيطة والشوارع العادية في مصر، وربما كان للغربة دور كبير فى الشعور بالحنين تجاه كل ما يرتبط بالوطن”.. يحكي الطنيخي عن بداية تفكيره في مشروعه.

تطورت الفكرة مع الطنيخي بعد نشر بعض الصور، وتلقى ردود فعل واهتمامًا من متابعين يشاركونه نفس الهواية. يقول الطنيخي: “هنا جاءت فكرة عمل مشروع توثيقي لمصر، يضم صورًا ومقاطع مصورة نادرة لم تعرض من قبل، ومشاركتها مع الناس عبر صفحتي على موقع فيس بوك”.

“أريد خلق نوع من الانتماء والفخر بالتراث المصري، وإظهار تعددية الثقافات داخل الشعب المصري على مر الأزمنة، حيث التسامح وتقبل الآخرين داخل المجتمع”.. هكذا يحكي الطنيخي عن أهداف مشروعه، الذي يحاول من خلاله إثراء المعرفة، والتحفيز للبحث في التاريخ المصري، وسد الفجوة بين ثقافة الأجيال داخل المجتمع، بسبب النقص في معرفة الجيل الحالي بهويته المصرية، وانتشار ثقافة التغريب والافتخار بها، بحسب قوله.

لقاءات غرامية على أحد الطرق
إحياء التراث

هواية جمع الصور شجعت الطنيخي على دراسة علوم التوثيق، وقراءة الأبحاث المرتبطة بإحياء التراث وطرائق العرض المبتكرة. يستخدم الطنيخي 3 أدوات في مشروعه: البحث في الإنترنت عن كل ما هو موثق بالصوت والصورة وتحسين جودته. تتبع المصادر الأجنبية التى احتفظت بالتوثيقات المصورة والتواصل معهم للحصول على المواد المطلوبة. تدوين كل ما يخص الفترة التاريخية التي يعمل عليها بمواقع التواصل الاجتماعي.

بدأ الطنيخي أولاً بتوثيق الصور اعتمادًا على المصادر الأجنبية، مثل المجلات الأمريكية والبريطانية والفرنسية، والكتب المصورة التي توثق تاريخ الشرق الأوسط، ومن خلال تتبع السائحين الأجانب الذين زاروا أو عاشوا في مصر لفترات طويلة، وكان لديهم القدرة لاقتناء كاميرات حديثة فى وقتها، وأيضًا منصات أشهر مصوري الغرب الذين عملوا على توثيق الشارع المصري.

فتيات يغنين على عربة يجرها حصان

“بعد فترة بدأت المساهمات الشخصية للمتابعين تزداد. أستقبل يوميًّا صورًا عائلية من أزمنة مختلفة لمصر، بغرض ترميمها ونشرها، كما يعمل بعض الأصدقاء المقربين على شراء الصور القديمة من أماكن متعددة بالقاهرة، مثل سوق الإمام، لعرضها ضمن المشروع” يقول الطنيخي.

“بعد القراءة في أبحاث العلوم التوثيقية وإدراك أهميته في البحث والمقارنة، أيقنت تمامًا أن ما أريده من مقاطع حية متاح في المصادر الغربية، بسبب ندرة المصادر العربية، حيث لم تهتم المؤسسات الإعلامية والسينمائية بتوثيق الشارع، بل ركزت على التصوير في الإستديوهات والمواقع المغلقة، لذا تعلمت طريقة البحث بالأكواد في الأرشيف المركزي الوطني للدول الأجنبية” هذا ما يقوله الطنيخي عن بداية توثيقه اللقطات الحية الواقعية، وبحثه لمدة 3 سنوات في الوكالات الأجنبية، ليصل بعدها  إلى عدد من المقاطع المصورة، أبرزها مقطع فيديو يوثق أسرة مصرية تمارس حياتها العادية، وتتناول الغداء، وتستمع للمذياع خلال فترة الثلاثينات، وبجودة عالية، ولاقى الفيديو إعجاب كثير من المتابعين للمشروع.

أسرة قروية داخل استديو تصوير
صعوبات مالية واتهام سياسي

يعتمد الطنيخي في مشروعه على التمويل الذاتي، لذا واجهته صعوبات عديدة في الحصول على المواد المصورة، لتكلفتها العالية، وتخصيص عرضها لأغراض تجارية كالأفلام الوثائقية والسينمائية، وليس للمشاريع غير الربحية، أو للأفراد.

ومن المشكلات التي تعرض لها أيضًا، اتهامات سياسية بالترويج للملكية ومعادة ثورة يوليو/تموز 1952، بسبب نشره صورًا كثيرة من حياة المصريين في فترة الملكية، كما اتهمه أحدهم بالدعوة إلى الانحلال، بسبب توثيقه فترة السبعينات المعروفة بالانفتاح. يقول الطنيخي: “ما أعرضه هو مرآة تعكس واقع المجتمع المصري في فترات مختلفة؛ لا بد من وجود اختلاف عن الفترة الحالية، هذه هي طبيعة أي مجتمع وليست لها علاقة بالدين أو السياسة”.

فتيات في نزهة.. حرية بلا قيود

يتذكر الطنيخي موقفًا آخر عند ترميم وعرض صورة قارئ القرآن الشيخ مصطفى إسماعيل مع زوجته السيدة فاطمة، التي تظهر فيها من دون حجاب، ضمن ألبوم يوثق شكل الأسرة المصرية في الفترة بين ١٩٠٠ و١٩٤٠. تلقت الصورة بلاغات عديدة، وتسبب ذلك في حذف الألبوم كاملاً من “فيس بوك”: “نشرت الألبوم مرة أخرى من دون صورة الشيخ وزوجته، رغم رغبتي في عدم إخفاء حقيقة توثيقية ليست لها أي علاقة بالدين”.

الشيخ مصطفى إسماعيل وزوجته
قصص أبطال الصور

ردود فعل متباينة تلقاها مشروع التوثيق. يرى الطنيخي أن جيل الألفية اكتشف مصر جديدة غير التي يعرفها، وجيل السبعينات والثمانينات والتسعينات طغت عليه حالة النوستالجيا والحنين، أما جيل ما قبل السبعينات فكان سعيدًا باستعادة الذكريات. يحكي أحمد: “تواصل معي بعض العائلات من ذوي صلة القرابة بأشخاص وثقت صورهم بعد ترميمها، ومنهم فتاة رأت صورة لوالدتها في أثناء دراستها بأحد المعامل الكيميائية بجامعة الأزهر وسط زملائها، كان قد التقطها مصور أجنبي. لقد تأثرت بشدة”.

الحياة اليومية للمصريين قبل سنوات

قصص أخرى يتذكرها الطنيخي، ومنها قصة الفتاة التي رأت صورة بتاريخ 24 أكتوبر/تشرين الأول 1977، لوالدها الذي كان يعمل آنذلك فرد أمن في مطار القاهرة الدولي، ويتولى إجراءات احترازية مع المسافرين، وقت انتشار وباء الكوليرا خارج مصر. وصورة أخرى لطالب يدرس داخل الجامعة الأمريكية عام 1970، ليتفاجأ الطنيخي بعد نشرها بتواصل صاحب الصورة السفير طارق عباس معه، ليعبر عن امتنانه وشكره على الصورة التي يراها للمرة الأولى.

الطنيخي عبر فيسبوك

وأيضًا تلك الصورة التي عثر عليها أحد أصدقاء الطنيخي في سوق الإمام وترجع إلى عام 1935، وبعد ترميمها وإعادة تلوينها وتوثيقها، تواصل أكثر من شخص معه يؤكد أنها تنتمي إلى عائلة مصطفى بك رشيد، ابن أحمد باشا رشيد، وتعرفوا على جميع من في الصورة.

تجمع عائلي لأسرة مصرية
منصة الأرشيف المصري

يعمل الطنيخي حاليًّا على  توسيع منصات التوثيق، لتشمل مواقع إنستجرام وتويتر ويوتيوب، لإثراء المتابع بمعلومات جديدة تحفزه للبحث في التاريخ والتراث المصري. كما يحلم الطنيخي بتأسيس منصة إلكترونية مستقلة تحت مسمى “الأرشيف المصري” تضاهي في فكرتها الأرشيف الأجنبي، وتجمع التراث المصري بطريقة عرض احترافية وممتعة ومناسبة لجميع الأجيال.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

لانا أحمد

صحفية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram