منيـب/ ر.. حدوتة مصرية

تبدأ الحدوتة عندما اصطحب الشاعر عبد الرحيم منصور المغني الشاب محمد منير إلى الملحن أحمد منيب، احتفى الموسيقي النوبي بـ”بلدياته” الذي أُوتي صوتا تمناه منيب لنفسه، لتبدأ رحلتهما معا.. رحلة لم تطل، لكن كان فيها لكل منهما سبع فوائد.

على عكس ما هو شائع من أن منيب صنع مجد منير، فـ”الكينج” هو من قدم منيب كما أراد لنفسه، جسد منير خصوصية ألحان منيب ومايزها عن أي موسيقى لملحن آخر، فلمعت في صوت الملك أصالة طبعت نغم الموسيقي النوبي، بينما غنى له الآخرون (ضمن ما عرف في الثمانينات بالموجة الشبابية) أغاني ربما كانت جيدة، لكنك لا تكاد تتعرف في أصوات مغنييها على هوية خاصة، ضمن ما عرف حينها (أواخر السبعينات والثمانينات) بالأغاني الشبابية.

 وبينما انطفأ أكثر هؤلاء المطربين، لا زال منير من وقتها وإلى اليوم نجما يغمر نفوس جمهوره بدفء صوته، ليستحضر بحضوره روائع منيب: حدوتة مصرية، شجر الليمون، الليلة يا سمرة، سحر المغنى، في دايرة الرحلة، بعتب عليكي، حواديت، شبابيك، هون يا ليل، يا مركبي، افتح قلبك، يا اسكندرية، عقد الفل والياسمين، أم الضفاير، في عنيكي غربة..

في حين وهب منيب، برعايته وألحانه، لمنير القاعدة التي انطلق منها، والخط المرسوم لمسيرته الفنية الضابط لها.

قبل منيب، كان الطنبور هو الآلة الحاضنة لأسرار الموسيقى النوبية، أسرار تعود إلى زمن الفراعنة، لكن منيب سقاها لآلة العود، فزاوج بين السلم الخماسي الراقص ذي الأصل الإفريقي، المميز لموسيقى النوبة، بالطرب العربي، ليقدم الأغنية النوبية ربما لأول مرة مضفرة بمذهب وكوبليهات، وكانت قبلها مجرد تنوعيات لحنية حرة وبسيطة تغنى بالمناسبات.

موسيقى منيب المترعة بالأصالة والشجن والدفء صقلتها رحلة طويلة دامت عامين مع عمدة التراث الشعبي وجامعه الأبرز زكريا الحجاوي حيث صحب الملحن الشاب فرقة الحجاوي فجاب معها قرى ونجوع ومدن مصر كافة لتكتنز ذائقته بتلوينات الموسيقى الشعبية، بينما تأخرت فرصة استثمار مخزونه الإبداعي إلى آواخر السبعينات.

طوى الانفتاح عصر أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم..، لتتوق نفوس الناس إلى موسيقى مختلفة تتناسب مع التغيرات الجذرية في بنية المجتمع حينها، وتقدم منيب من بين من تقدموا ليسطر أولى الصفحات في عصر جديد اتسم بالحيوية والخفة، ليستحق لقب الأب الروحي للأغنية الشبابية، حيث تغنى بألحانه وقتئذ أبرز مطربيها: علاء عبد الخالق (الحب ليه صاحب، بحب الكون، قلبك قارب، الحب بحر)، حميد الشاعري (لليلاه، صديق، بجيلك، صديق) إيهاب توفيق (اكمني، علمي)  محمد فؤاد (صدقني يا صاحبي)، هشام عباس (من طفولتي)، عمرو دياب (يا طير يا متغرب)، فارس (حكتبلك)، حسن عبد المجيد (ربك هو العالم)، مني عبد الغني (حالي).

لكن منير وحده كان صوت منيب.. امتد التعاون بينهما من 1977 تاريخ صدور “علموني عينيكي” أول ألبومات منير وحتى 1984 لينفصلا بعدها. وعبر تلك الفترة قدما معا 48 أغنية. كان النجاح الأكبر لهما وثالثهما الشاعر عبد الرحيم منصور مع ألبوم “شبابيك” 81 الذي تولى عازف الجاز الأشهر يحيى خليل توزيع أغانيه، وسبقت هذه التجربة أخرى مع هاني شنودة حيث قام بتوزيع ألبوم “بنتولد” 1978.

بعد القطيعة ابتعد منير لسنوات عن الساحة، بينما دخلها منيب مطربا، ليطلق ألبوما بعد آخر: مشتاقين، ويا عشرة، وكان وكان، وبلاد الدهب، وراح أغني، وقسمة ونصيب، وحدوتة مصرية”.. لكن الجميع لاحظ حينها أن منيب الملحن أعلى كعبا من منيب المطرب، وأن للحدوتة بطلين، يعد غياب أحدهما خصما من قيمتها الفنية.

عبر التعاون مع قامات مثل: عبد الرحمن الأبنودي وعبد الرحيم منصور وسيد حجاب وفؤاد حداد وأحمد فؤاد نجم ومجدي نجيب وعصام عبد الله وصلاح جاهين وجمال بخيت، أهدى منيب خلال تلك الفترة الثرية من حياته إلى الأغنية المصرية؛ الإيقاعات النوبية الفريدة والأصيلة، فسكبت موسيقاه في نفوس سامعيها حميمية مكوناتها صفاء وعذوبة طبعت ابن بلاد الذهب، وشجنا ولدته غربة لازمت صاحبها منذ الهجرة الجبرية طفلا من بلده النوبة مع بناء السد العالي إلى محافظة قنا، ثم الرحيل شابا إلى الإسكندرية، ليطرده أبوه من المنزل إثر فشله في إقناعه بالتخلى عن شغفه بالموسيقى، فينتقل الابن بعدها إلى القاهرة متفرغا لغوايته، يلازمه حنين إلى “البلاد البعيدة” بثه دائما عبر ألحانه.

من بين قضبان سجن الواحات سنة 62 انسلت أغنيته “الليلة يا سمرة” التي اختيرت في استفتاء لـ bbc  ضمن أفضل خمسين أغنية إفريقية في القرن العشرين، وكانت ضمن ألبوم منير “شبابيك” 81، لكن أول من غناها النوبي محمد حمام لرفيق الزنزانة المحامي اليساري زكي مراد، في عيد ميلاده، إهداءً من الثلاثي: فؤاد حداد شاعرها، ومنيب ملحنها وحمام مغنيها، وكانت أول أغاني منيب لمنير “شجر الليمون”، بينما أحب أغاني الملحن النوبي الكبير إليه “ربك لما يريد”، أما آخرها فكانت أغنية “مين بيعيش” لحسن الأسمر، ولعلها آخر كلمات منغمة رددها منيب: مين بيعيش في غير زمانه أو بيموت في غير أوانه، صافية ولا حزن مالينا، ضحكة ولا مكتوب عالينا.

بمشاركة

غلاف

أحمد بيكا

قصــة

محمد السيد الطناوي

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search