وجهات نظر

من أين أتى هؤلاء؟.. الإسلام الناقم على خاصرة العاصمة

محمد جبريل

“كيف تكون معزولاً في الضواحي وأنت رسول هذه المدينة؟”.. وائل عبد الفتاح

بعد عرض مشاهد الحلقة الخامسة من مسلسل “الاختيار 2” احتجاز وتعذيب مأمور وضباط وأفراد قسم شرطة كرداسة عقب اقتحام القسم، سألتني صديقة (من الجيل الأصغر سنا) لماذا حدث ذلك في كرداسة تحديداً؟ ومن أين أتت تلك الحشود؟.. لم يكن بوسعي الإجابة عن سؤالها بالسرعة المطلوبة، لكني وعدتها بأن أحيطها بالسياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أنتجت تلك الحشود.. هذا المقال إليها وإلى الذين لم يروا سوى الفصول النهائية في قصة الإسلام السياسي. 

اقرأ أيضًا: شفرة مِكي.. كيف وصل إلى “الاختيار 2” سالماً؟

الخلاص في الضواحي

لفهم قدرة الإسلام السياسي على التعبئة في هوامش العاصمة تجدر العودة إلى مرحلتين فاصلتين: الستينيات التي أطلقت البذور الإسلامية، والثمانينيات، ولنبدأ بالأخيرة، حيث استطاعت الحركة الإسلامية، بدرجات متفاوتة، أن تضم ثلاث فئات اجتماعية: الشباب الحضري الفقير، المتعلم في المدراس التي أنشأها النخبة المثقفة المضادة، البرجوازية الورعة (جيل كيبل 2000).

ولكلّ فئة منها مرجعيتها الاجتماعية وبرنامجها السياسي ومواردها الخاصة، ولكلّ منها فهمها الخاص للدولة الإسلامية، التي تعني عند الشباب الحضري الفقير كلّ ما هو محروم منه: الشغل والسكن والاحترام، أي العدالة الاجتماعية، فيما تعني التحكّم في دواليب الدولة بعد إزاحة السلطة الحاكمة عنها عند البرجوازية الورعة، أما النخبة المثقفة المضادة فوجودها رهين بإنتاجها للخطاب الإسلامي (كيبل 2000).

أثمر هذا التحدي عن سعي النظام التسلطي لتقوية نفسه بعد أن تجرّد من أي مصدر واضح للشرعية، ولم يكن أمامه سوى تعزيز سلطته بالأمن وحده، ومع تخليه عن أدواره الاجتماعية، لجأ إلى توسيع شبكة “المحاسيب” المستفيدين من الريوع الاقتصادية والسياسية، والسيطرة النسبية على المجتمع المدني، لاستئصال أيّ فرصة محتملة لمعارضة جذرية تتجاوز سقف الانفتاح السياسي (بعد الحقبة الناصرية) المنخفض.

الستينيات المتأرجحة

كادت الضربات الناصرية أن تجتث جماعة الإخوان المسلمين (الممثل الأكبر لتيارات الإسلام الحركي) حتى إذا جاءت فترة الانفتاح النسبي التي أشرف عليها عبد الناصر بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967، لم يكن هناك حزب سياسي أو جماعة قائمة على حالها، ومن هنا جاء الدور المركزي للطلاب القادمين من الريف في إعادة التيارات السياسية الأساسية إلى الحياة.

لعب الطلاب بشكل عام الدور الأكثر أهمية في إعادة الحياة إلى التيارات السياسية كافةً، ومنها الإحياء الإسلامي في السبعينيات، على نحو تُبيّنه دراسة أحمد عبد الله رزة: “الطلبة والسياسة في مصر” 1991.

ما يؤكد ضرورة إعادة النظر في هذه الفئة الاجتماعية التي أنتجتها السياسات التعليمية لنظام 1952، والمنحدرة تقليديا من طبقة اجتماعية معزولة تاريخيا عن أسلوب الحياة العصرية (هي بالتحديد طبقة الفلاحين) ومكّنتها من الوصول إلى المعرفة الحديثة دون أن تلقنها هذه السياسات، الآتية من أعلى، روح الحياة الحديثة ولا منطقها.

فبالنسبة إلى الذين مسّهم الحراك الاجتماعي بعمق في مصر الناصرية، خصوصا أولئك الذين انتقلوا من الريف إلى هوامش المدينة، وانتقلوا من وضع اجتماعي إلى آخر كان للتحولات الاجتماعية وقعُ الكارثة عليهم، إذ كشفت عدم ملاءمة ثقافتهم التقليدية ومعاييرهم الأخلاقية مع البيئة الحضرية المُستحدثة، وكان من الطبيعي أن يؤدي التناقض بين الثقافة الموروثة والواقع الاجتماعي الجديد إلى وضع هؤلاء في رحى الاغتراب.

ومع تضخم مشكلات التنمية (فشل الخطة الخمسية الثانية لعبد الناصر دليل عملي على ذلك) وعجز الدولة عن تحديث المجتمع بشكل متوازن، شعر الشباب المنتقلون حديثا للعيش على خاصرة العاصمة بالخداع وبعدم الامتنان للدولة، بل والسخط الصامت عليها.

وهو القطاع الذي أمد بقايا الإسلاميين (الذين أفلتوا من المقصلة الناصرية الأولى) بالكوادر التي تبنت تصورهم عن العدالة في دولة الإسلام، فالتفت مجموعة من الشباب حول سيد قطب عام 1965 وحاولوا تأسيس تنظيم في عُجالة ليطيح بالنظام، إلا أنه سرعان ما تم سحقهم على يد دولة “الأمن القومي”، وجاءت النكسة لتضع نهاية للأحلام الكبيرة، كاشفةً عن حدود المشروع الناصري السياسي/التنموي، وهو ما فجّر تمردا عجز النظام عن كبحه فحاول احتواءه.

انفجر الغضب الشعبي بعد أقل من عام من النكسة، وهو الذي ظل مكتوما منذ خطبة التنحي، أو بسببها، حتى انطلقت المظاهرات من أربعة مصانع بمدينة حلوان في 21 فبراير 1968، كاحتجاج على الأحكام العسكرية المخففة للقيادات العسكرية المسؤولة بشكل مباشر عن الهزيمة، وتحميل مسؤولية ما حدث في سيناء لصغار الضباط.

في اليوم التالي، التحق طلاب الجامعات بموجة الاحتجاجات حتى تحولت المظاهرات إلى حالة شغب مُعمّمة لم يُنهها سوى وعود عبد الناصر بأحكام أكثر قسوة تجاه المسؤولين عن أكبر هزيمة لحقت بالجيش المصري الحديث.

كانت هذه المظاهرات أول نشاط سياسي (احتجاجي) منذ عام 1954، وهو ما صدم عبد الناصر بشكل شخصي وفاجأ نظامه ككل، فلجأ إلى سلسلة قصيرة من الإصلاحات السياسية، فيما أعطى الخروج إلى الشارع وإجبار النظام على تقديم تنازلات ثقة لا يستهان بها، للطلاب في أنفسهم، وحوّلتهم إلى الرقم الأكثر أهمية وصعوبة في المعادلة السياسية، بعد تلاشي القوى السياسية عبر مطحنة “دولة المخابرات”.

وكان أول ظهور للإسلاميين بعد 9 شهور من تلك اللحظة الملحمية التي تمرد فيها “الأبناء على الأب”، حيث نظموا أول مظاهرة لهم بمدينة المنصورة في 21 نوفمبر 1968 انطلقت من المعهد الديني ضد سياسة “إصلاح الجامعة” والتي هدفت إلى تخفيض أعداد الطلاب كنوع من تخفيف العبء عن كاهل الدولة (يشير ذلك إلى أن عبد الناصر أشرف بنفسه على بدايات تفكيك مشروعه الاجتماعي) وأسفرت تلك الاحتجاجات عن أربعة قتلى.

ولمظاهرات المنصورة دلالة مهمة في هذا السياق، ففي بدايات العام نفسه عمد الإخوان إلى اختراق الاتحاد الاشتراكي (التنظيم السياسي الوحيد في البلد) حتى تحولت منظمة الشباب (وهي نخبة النخبة في الاتحاد الاشتراكي) إلى خلية إخوانية كبيرة، مما اضطر النظام لحل المنظمة (جيل كيبل 1988).

هامش مُضحك .. متن مخيف

هيمنت الماركسية والناصرية على الحركة الطلابية في جامعتي القاهرة والإسكندرية، فيما كانت الحركة الإسلامية أقلية هامشية محدودة التأثير والفاعلية فيهما، وبينما أرادت التغطية على ضعفها بمحاولة إقحام مطالب خاصة، بدت غرائبية وطريفة في تلك اللحظة على جدول النشاطات السياسية الطلابية من قبيل منع الاختلاط، فإن الكتل الطلابية اليسارية لم تكن لتأخذ مطالبها على محمل الجد، بل كانت تستبعدها، ودون كثير نقاش.

تيقّن الطلاب الإسلاميون ألا مستقبل سياسيا لديهم في السيطرة على الجامعة تحت راية الحركة الطلابية ذات المنزع الوطني/اليساري، فآثروا التعاون مع الحكومة على التحالف مع الذين يهمشونهم باستمرار ويحتلون مواقع التأثير والتوجيه ولا يعبؤون بأجندة يرى فيها الإسلاميون الخلاص الأخير لمجتمع مهزوم وتعصف به الأخطار من كل الجهات، بل كانوا يجدون فيها شيئا من الفكاهة وموضعا للتندر المُحبّب.

فيما لجأ الإسلاميون إلى تكثيف نشاطهم بالجامعات الإقليمية الجديدة حتى أصبحت جامعتا أسيوط والمنيا مركزين دائمين للنشاط الإسلامي، حسب دونالد مالكوم ريد في: “دور جامعة القاهرة في بناء مصر الحديثة” 2007.

في 1973 حقق النظام المطلب الطلابي الكبير: الحرب مع إسرائيل لاسترداد الكرامة والأرض، بعد أنْ كان أحمد عبد الله رزة، الزعيم الطلابي الأكثر شهرة والأكاديمي الذي أرّخ للحياة الطلابية المصرية لاحقا، يقود المسيرات الحاشدة مرارا إلى بيت السادات، ليمثل الطلاب ضغطا مدنيا على الرئاسة لخوض الحرب، في وقت كان يضغط فيه العسكريون من صغار الضباط إلى أرفع الرتب العسكرية كي يسترد الجيش كرامته المُهدرة وهيبته المُستباحة.

بعد الحرب، سادت فترة من الهدوء النسبي في الجامعات المصرية، سمحت للإسلامين بإبراز أجندتهم وتسييد مطالبهم بعد أن لم يجد الطلاب اليساريون ما ينشطون لأجله، كما لم يجدوا في التنين الإسلامي الوليد ما يثير مخاوفهم، وفي ذلك كان مقتلهم.

دولة بديلة؟

انتظم الإسلاميون في الأسر الطلابية التي تنوعت أنشطتها بين السياسة والشعر والنثر والرسم والعزف، وكانت الأسر التي يديرونها تختص بترتيل القرآن الكريم، وهي الأسر التي يصفها جيل كيبل في: “النبي والفرعون”، 1988، بـ”مفرخة تجنيد الكوادر الإسلامية”.

في خضم هذا ظهرت المشكلات الاجتماعية الناتجة عن سياسات الانفتاح وتخلي الدولة عن دورها الاجتماعي من قبيل الازدحام في الشارع الذي ينتهك أمان الطالبات وفي المواصلات العامة المكتظة بالبشر الذين يعاني جزء خطير منهم من تأخر سن الزواج ويجد في الاحتكاك العابر بأجساد الفتيات متعة مؤقتة ومتكررة، فضلاً عن الزحام في مدرجات الجامعة الذي يخدش حياءهن، أحست الطالبات بأنهن ضحايا مجتمع مأزوم ونظام لا أمل في إصلاحه.

بموازاة ذلك، توزع الطلاب على أحزمة البؤس القريبة من الجامعات، على حافة العاصمة، من كرداسة حتى إمبابة، مرورا بعين شمس:

كانت الجامعات في مصر تمر بأسوأ أحوالها (تدهورت لاحقا بما لا يمكن التنبؤ به) حتى تحولت إلى جامعة “الأعداد الغفيرة” (التعبير لجيل كيبل) وبدلا من أن يكون التعليم وسيلة للتفتح الفردي والتطور النقدي وفرصته المتاحة والمشروعة للصعود الاجتماعي، تدهور المستوى التعليمي، كما يؤكد دونالد مالكوم ريد، واستُخدم التعليم من قبل الخريجين بشكل لا يتناقض مع الأسس الثقافية للمجتمع التقليدي، وكان ذلك حصان طروادة للأصولية الناهضة على أكتاف المغتربين في المدينة.

تدهورت البنية التحتية للجامعة، التي كانت مفخرة النظام الناصري ودليل تقدمه وعلامة إنجازه، وتفاقمت مشكلات المناهج والتدريس، أما الظاهرة الأكثر فداحة والمرتبطة بذلك (والتي يشير إليها مالكوم ريد) فهي الهجرة الجماعية لأعضاء هيئة التدريس إلى جامعات الخليج، حتى فقدت الجامعات الأغلبية الكُفُؤة من كوادرها العلمية، ولم يبقَ فيها من العلم والعقل إلا قليل.

في مواجهة تلك الأزمات المستعصية قدمت الحركة الإسلامية حلولها الرؤيوية الكبرى: التبشير بمجتمع الخلاص.. والمؤقتة والجزئية: الدعاية للحجاب، ومنع الاختلاط، وتوزيع الملازم على الطلاب الفقراء.

نظّم الإسلاميون خلال العُطل الصيفية معسكرات كانت بمثابة “مدرسة كادر” حسب جيل كيبل، (كما في التنظيمات الشيوعية)، يتدرب فيها الطلاب على الرياضة الجماعية والدفاع عن النفس ويستمعون للدعاة الذين يقدمون حلولاً إسلامية للإحباطات المريرة السائدة في أوساط الطلاب والمجتمع على حدٍ سواء.

احتفت السلطة بهذا النوع من المعسكرات الأليفة، فيما بدأت الجماعة الإسلامية تسيطر على اتحاد الطلاب الذي تحول إلى رأس حربة التجنيد والتثقيف الإسلامي، واستُخدمت مخصصاته المالية في التخديم على أيديولوجيا الجماعة عبر طباعة ونشر سلسلة “صوت الحق” التي عرّفت جمهور المتعلمين بكتابات سيد قطب وأبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي وغيرهم من منظّري الدولة الإسلامية الموعودة.

فتح مصر مجددا

عمل الطلاب الإسلاميون على تغيير نمط الحياة في الجامعة دون كلل، ووضعوا على رأس أولوياتهم: منع الاختلاط بين الجنسين (كان ذلك بمثابة الحل الإسلامي لازدحام المدرجات)، والدعاية للحجاب في وقت أصبح فيه الكبت الجنسي مشكلة قومية (عبرت عن ذلك أفلام الشواطئ في السبعينيات).

وفي ظل العجز المزمن للبنية التحتية للمدن الرئيسية في مصر عن احتمال الكثافة السكانية المهولة (الناتجة عن الانفجار السكاني أو الهجرة إلى المدينة) وما نتج عن ذلك العجز من مشكلات اجتماعية، طالت الطالبات أولا، قررت الجماعة الإسلامية تسيير خطوط أتوبيسات خاصة بالطالبات من حي إمبابة الشعبي حتى قصر العيني، قريبا من الجامعة.

كانت هذه الأتوبيسات نموذجا مصغرا لما ستصبح عليه وسائل المواصلات في مصر في عقدي الثمانينيات والتسعينيات، إذ كانت حافلة بملصقات عذاب القبر وشعارات “الإسلام هو الحل” ودعاية للحجاب.

في البداية حفّز القائمون على إدارة الأتوبيسات الطالبات على ارتداء زي “محتشم”، وتحوّل التحفيز بمرور الوقت إلى إجبار الطالبات، المستفيدات من هذه الخدمة الهامة، على ارتداء زي “إسلامي”: كان عجز الدولة عن تقديم بنية تحتية لائقة حصان طروادة الذي سيطر به الإسلاميون على الجامعة وكانت الجامعة نقطة انطلاقهم نحو أسلمة الوعي الجمعي.

ولأن الجماعة الإسلامية في الجامعة طمحت لأن تكون القوة الفاعلة في تحويل المجتمع من “الجاهلية” إلى الإسلام، فقد طورت استراتيجية للخروج من الجامعة إلى الشارع، وكان ذلك أهم تحوّل في مسيرة الإسلاموية في القرن العشرين.

فبذكاء تكتيكي اختار الإسلاميون صلاة العيدين للانطلاق نحو الأسلمة الشاملة، ونظّمت صلاة العيد في البداية في هوامش القاهرة ثم في باقي مدن المحافظات لاحقا.

إلا أن موسمية صلاة العيد لم تكن كافية للمهمة الضخمة التي وضعها الإسلاميون على عاتقهم، فجاءت الدفعة من الخلف من قِبل الدولة كي ينطلق الإسلاميون في الشارع، فبعد زيارة السادات للقدس ومعارضة الإسلاميين لـ”الصلح المهين مع اليهود” كانت المواجهة بين الدولة وحلفائها القدامى محتمة:

بدأ النظام في تزييف نتائج الانتخابات لصالح مرشحيه، وأعاد الأوضاع القانونية القامعة لنشاط الطلاب في الستينيات، وأٌغلقت المعسكرات الصيفية، فمضت الكوادر الإسلامية تبشر بالخلاص الأخروي في مساجد الأحياء الشعبية.

كان الأوان قد فات على إيقاف المد الإسلامي، حيث اكتمل نمو الجماعات الإسلامية، وباتت المناطق المُحدّثة بشكل مشوَّه حاضنة مثالية لها.

محمد جبريل

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى