دراسات وتحليلات

من الأيديولوجيا إلى التوظيف السياسي: كيف تطورت صادرات الأسلحة الصينية؟

تحولت الصين خلال العقدين الماضيين من مُستوِرد مهم للأسلحة التقليدية إلى مُصدِّر لأنظمة الأسلحة الرئيسية، حيث يعكس وجودها المتزايد في أسواق الأسلحة العالمية التقدم النسبي للدفاع والعلوم والتكنولوجيا والابتكار والصناعة الصينية، من حيث تطوير وتصنيع المنصات والتقنيات العسكرية المتقدمة نسبيا، مدفوعة بتطلعات جيوسياسية عالمية.

في هذا السياق، نشرت دورية الدراسات الاستراتيجية (SSQ)، في عدد ربيع 2020، ورقة تحليلية تحاول تتبع هذا التحول الصيني وكيف حققته، والعوامل التي شكّلت الاستراتيجية الصينية لتصدير الأسلحة، وكذلك آثار تنامي الوجود الصيني في سوق الأسلحة العالمية.

وتجادل الورقة بأن دخول الصين إلى أسواق السلاح العالمية يقوم على ثلاثة تطورات رئيسية، أولها التحسن التدريجي لنظم التكنولوجيا والصناعة الدفاعية في الصين، وثانيها تنامي مكانة الصين في أسواق الأسلحة الدولية مدفوعة بالنمو المستمر في نفقاتها العسكرية.. وثالث هذه التطورات المصالح الجيوستراتيجية العالمية المتزايدة للصين، وتعامل بكين مع صادرات الأسلحة كإحدى أدوات السياسة الخارجية.

تحسين الاستراتيجية الصناعية الدفاعية

تبنّت الصين خلال العقدين الماضيين استراتيجية للتحديث العسكري، عملت عبرها على تطوير جيش التحرير الشعبي، حيث قامت بتحديث المعدات الموجودة، وأدخلت أجيالا جديدة منها.

ورغم الجهود الصينية المبذولة، فإن قدرات البحث والتطوير الدفاعي لا تزال محلية ومحدودة، مع تفوق غربي فيما يتعلق بمعظم التقنيات العسكرية، لا سيما في مجالات مثل: أنظمة الملاحة والإلكترونيات الدفاعية والمركبات المتطورة، حيث حالت الموروثات التاريخية للتخطيط المركزي وأوجه القصور التكنولوجية والمؤسسية والإدارية دون تحقيق الصناعة العسكرية الصينية لقفزات كبرى على سلم الابتكار.

ولمواجهة هذه التحديات، أدخلت الصين بشكل تدريجي سلسلة من الاستراتيجيات والخطط والإصلاحات التي هدفت إلى اللحاق بالقاعدة العالمية للتكنولوجيا العسكرية من خلال تعزيز “الابتكار المحلي” والتخفيف من الاعتماد على التكنولوجيا وواردات الأسلحة الأجنبية، وكذلك توفير منصات وأنظمة أسلحة متطورة وتقنيات من شأنها تحقيق النقلة التكنولوجية والمعلوماتية لجيش التحرير الشعبي الصيني.

مراحل تطور صادرات الأسلحة الصينية

من منظور تاريخي، مرّ التطور التكنولوجي للصناعات الدفاعية في الصين بأربع مراحل، تطورت من خلال دوافع متنوعة، كانت دوافع أيديولوجية في الخمسينيات والستينيات، ثم أضحت جيوسياسية في أوائل السبعينيات، وتحولت إلى تجارية خلال الثمانينيات، وأخيرا صارت تنافسية منذ عام 2010.

  1. الحقبة الماوية (1949-1978)

عكست استراتيجية التصنيع العسكري الصينية في بدايات الحقبة الماوية اعتمادا شبه كامل على المساعدات السوفييتية، حيث كان القطاع العسكري في قلب الاقتصاد، ويُسيطر على القطاعات الصناعية الثقيلة، ويدفع تنمية الابتكار التكنولوجي والصناعي في الصين.

وقد كان المحرك الأساسي لصادرات الأسلحة في هذه الفترة هو المحرك الأيديولوجي، بتقديم المساعدات العسكرية الصينية للقوات الشيوعية في فيتنام وكوريا الشمالية، بالإضافة إلى تصدير الأسلحة منذ أواخر الخمسينيات للحلفاء والدول الإفريقية حديثة الاستقلال، كجزء من جهودها لكسب المزيد من بين البلدان النامية، ثم تراجعت القدرات الابتكارية مع الانقسام الصيني-السوفييتي والاضطرابات الداخلية والثورة الثقافية.

وقد مثّل التحالف الصيني-الباكستاني في الستينيات نقطة البداية للسياسة الواقعية الصينية، والتي أعطت الأولوية للاعتبارات الجيوسياسية والعسكرية البراجماتية على الأيديولوجية، مع التحول من العسكرة إلى التنمية الاقتصادية، والجمع بين الأنشطة العسكرية والمدنية.

  1. عصر نزع السلاح (الثمانينيات والتسعينيات)

تحت قيادة الرئيس “دينج شياو بينج”، أطلقت الصين البرنامج الوطني للتكنولوجيا العالية في مارس 1986، بهدف تطوير سبعة مجالات ذات أولوية استراتيجية: تكنولوجيا الليزر، والفضاء، والتكنولوجيا الحيوية، وتكنولوجيا المعلومات، والأتمتة (التحول إلى الآلة) وتكنولوجيا التصنيع، والطاقة، والمواد المتقدمة.

وقد كانت صادرات الأسلحة الصينية خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988) مدفوعة بشكل متزايد بالعوامل التجارية، حيث عرضت الصين كميات كبيرة من الأسلحة التقليدية بأسعار معقولة لكل من إيران والعراق، لكن تحولت الصين إلى مستورد للسلاح خلال التسعينيات بسبب انهيار الاتحاد السوفييتي، ومعاناتها من عدم القدرة على تطوير جيل جديد من أنظمة الأسلحة، وكذلك الحظر الذي فُرض على استيراد بكين للأسلحة عقب احتجاجات “تيانانمين” في عام 1989.

  1. عصر الإصلاح (1998-2012)

بدأت الصين في أوائل القرن الحالي في تصدير التقنيات العسكرية المتقدمة، وحققت منتجاتها منذ عام 2005 تقدما كبيرا من حيث الجودة والتقدم التكنولوجي.

وقد تم إدراج الصين بانتظام على أنها منْ بين أكبر خمس دول مُصدِّرة للأسلحة في العالم على مدار العشرين عاماً الماضية، جنبًا إلى جنب مع الموردين الرئيسيين التقليديين مثل: الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة.

  1. حقبة الإصلاح (منذ 2012 وحتى الآن)

وفقاً لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، احتلت الصين المرتبة الرابعة بين مُصدِّري الأسلحة في العالم بنسبة 5.2٪ من السوق العالمية للفترة من 2014 إلى 2018.

فقد برزت صناعة الدفاع الصينية كمنافس هائل لمُصدِّري الأسلحة الغربيين والروس، خاصة للدول النامية، حيث تذهب ثلاثة أرباع صادرات الأسلحة الصينية إلى دول آسيا والشرق الأوسط، كما أصبحت الصين في الفترة 2012: 2015 أكبر مُورِّد منفرد للسلاح إلى إفريقيا، حيث استحوذت على ما يقرب من ثلث سوق الأسلحة الإجمالي في القارة، متجاوزة المُصدِّرين من دول أوروبا وروسيا والولايات المتحدة. كما أصبحت فنزويلا في الآونة الأخيرة عميلا مهما للأسلحة الصينية، مما أعطى بكين موطئ قدم في أمريكا اللاتينية.

وقد ذهبت 64% من صادرات الأسلحة الصينية خلال الفترة 2014: 2018 إلى ثلاث دول فقط، هي باكستان وبنجلاديش والجزائر.

أمّا على مستوى الأسلحة الرئيسية (مثل الدبابات والطائرات والسفن)، فقد ارتفعت الصادرات الصينية بنسبة 74٪ بين عامي 2012 و2016، وارتفعت حصة الصين من صادرات هذه الأسلحة من 3.8 إلى 6.2٪ -ما يجعلها ثالث أكبر مُورِّد في العالم، بعد الولايات المتحدة وروسيا.

وقد صدّرت الصين خلال تلك الفترة أسلحة رئيسية إلى 44 دولة، وذهبت أكثر من 60% من هذه الصادرات إلى باكستان وبنجلاديش وميانمار، مقابل 22% إلى دول إفريقية، كما انخفضت واردات الصين من الأسلحة الرئيسية بنسبة 11٪، متراجعة في استيراد الأسلحة من أكبر مستورد في أوائل القرن إلى المركز الرابع خلال 2012: 2016، وذلك مع استمرار الاعتماد على الواردات فيما يخص أنظمة الأسلحة الرئيسية والمكونات المتقدمة، فقد شكلت محركات الطائرات – على سبيل المثال – 30% من واردات الصين من الأسلحة.

التوظيف السياسي لصادرات الأسلحة

تضررت صادرات الأسلحة الروسية من نمو نظيرتها الصينية، حيث تتنافس الدولتان على أسواق الأسلحة في العالم النامي، إذ استحوذت بكين على مبيعات الدول التي كانت تتعامل بشكل رئيسي مع الاتحاد السوفييتي ثم روسيا، ومع ذلك فإن كبار عملاء روسيا غير قابلين للاختراق الصيني، وذلك بسبب الخلافات السياسية لهؤلاء العملاء مع بكين، مثل الهند وكوريا الجنوبية وفيتنام.

ورغم نمو الصادرات الصينية، فإنه من غير المُرجَّح أن تُمثل تحديًا للمُصدرين الأوروبيين، حيث يتردد العملاء الرئيسيون بأوروبا في شراء الأسلحة الصينية بسبب سوء العلاقات مع بكين أو عدم الرغبة في الاعتماد عليها، وعلى العكس، قد تحصل الدول على أسلحة أوروبية بسبب ارتفاع الموثوقية والرغبة في تعزيز العلاقات السياسية العسكرية مع أوروبا، فلا تتعلق اعتبارات شراء المنتجات العسكرية بالسعر فقط، إنما أيضًا بالفعالية ودعم ما بعد البيع، لكن من المحتمل أيضًا أن يمثل عنصر السعر ميزة صينية بالنسبة للدول الفقيرة.

على الجانب الآخر، يمكن لأنظمة الأسلحة الصينية الأكثر تقدمًا أن تُشكِّل تحديًا للمُصدِرين الأوروبيين، مثل الغواصات التي تعمل بالديزل والكهرباء، وأنظمة الصواريخ المضادة للسفن، وأنظمة الصواريخ المضادة للدبابات، وكذلك الدرونز.

وتُبرم بكين اتفاقيات تصدير الأسلحة لأغراض سياسية تتعلق بتعزيز العلاقات والتحالفات، أو لتأمين الروابط مع الدول الغنية بالنفط والمعادن، فقد وافقت الصين مثلا على استخدام النفط لدفع جزء من صفقة الأسلحة بينها وبين فنزويلا، كما تم تمويل صادرات المركبات المدرعة إلى تايلاند بالأطعمة المُجففة، بالإضافة إلى استبدال أنظمة صواريخ الدفاع الجوي طويلة المدى الصينية المُصدَّرة إلى أوزبكستان وتركمانستان بالغاز الطبيعي.

ومن المُرجَّح أن تسعى الصين إلى توظيف صادرات الأسلحة في سياستها الخارجية لإظهار القوة والوجود والتأثير في المناطق الحيوية بالنسبة لها، مثل جنوب وجنوب شرق آسيا، حيث عملت بكين على توظيف مؤسساتها العسكرية لدعم مبادرة الحزام والطريق، وتعميق الروابط الاقتصادية مع الدول النامية.

ورغم الجهود الصينية في هذا الشأن، فإن دراسة حديثة للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أشارت إلى أن صادرات الأسلحة الصينية إلى دول المبادرة لم تزد منذ عام 2013، فمن بين 74 دولة مرتبطة بمشاريع الحزام والطريق، تلقت 23 دولة فقط أسلحة صينية منذ ذلك العام.

ختامًا، لا يزال موقع الصين الحالي في سوق الأسلحة العالمية ضعيفًا، رغم نمو مبيعاتها من الأسلحة، حيث تبيع معظم أسلحتها لعدد قليل جدا من البلدان، وتحوز بلدان محدودة على النسبة الأكبر من هذه الصادرات، ما يفرض على الصين تحديًا يتعلق بتوسيع قاعدة عملائها، بالإضافة إلى تحدي القدرة على المنافسة التكنولوجية مع الغرب وتطوير التقنيات.

وفيما كانت بدايات صادرات الأسلحة الصينية مدفوعة بعوامل اقتصادية، إلا أنها اُعتبرت بعد ذلك أداة لتعزيز المصالح الاستراتيجية لبكين، حيث يُعيِد الصعود السياسي والاقتصادي والعسكري التراكمي للصين تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية والإقليمية، بما في ذلك التحالفات الاستراتيجية وتوازن القوى في شرق آسيا، بشكل يخصم من نفوذ القوى العظمى هناك، خاصة الولايات المتحدة وشركاءها الاستراتيجيين.

المصدر: (اضغط هنا)

عبد المجيد أبو العلا

باحث مساعد بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى