من الحلّاج إلى السهرورديّ

المعرفة التي قتلت أصحابها

كان الحسين بن منصور الحلاج معلقًا، مشدود الأطراف مصلوبًا على جذع شجرة بعدما جُلد بالسياط، حين اقترب منه نديمه وخليله أبو بكر الشبلي ليسأله سؤاله الشهير: “ألم ننهك عن العالمين؟”.

كانت العبارة تحمل من العتب والإشفاق أكثر مما تحمل من الملامة والاستنكار، فالحلاج صاحب (حال) تأتيه أنوار المعارف وتذهله أنوار المكاشفة، فينطق بما لا يعي، وكثيرًا ما كان ظاهره لا يتسق وصريح الشرع، فإذا أفاق من فقده وسكرته ندم على ما كان من شأنه.

ففي “طاسينه” الثاني من “الطواسين” يقول الحلاج: “الفراش يطير حول المصباح إلى الصباح، ويعود إلى الأشكال فيخبرهم عن الحال، بألطف مقال، ثم يمرح بالدلال طمعًا في الوصول إلى الكمال. ضوء المصباح علم الحقيقة، وحرارته حقيقة الحقيقة، والوصول إليه حق الحقيقة، لم يرضَ بضوئه وحرارته فيلقي جملته فيه، والأشكال ينتظرون قدومه، فيخبرهم عن النظر، حين لم يرضَ بالخبر، فحينئذ يصير متلاشيًا متصاغرًا متطائرًا، فيبقى بلا رسم وجسم واسم ووسم، فلأي معنى يعود إلى الأشكال؟ وبأي حال بعد ما حاز؟”.

في هذا النص الواضح رغم الرمزية يتحدث الحلاج عن تجربة معراجه الروحي للطواف حول عرش الحقيقة حتى لحظة الانبلاج الكامل، ويميز بين نور المعرفة وحلاوة القرب والمشاهدة والمكاشفة التي قد تكون حارقة، حتى يصير فانيًا في محبوبه، فاقدًا للشعور بالذاتية والكينونة؛ لكنّ (الأشكال) البشر ينتظرونه ليطلعهم على نتائج مشاهداته، بينما الرجل الذي تصاغر وأصبح كنسمة هواء سابحة لا يملك السيطرة على نفسه، ويتساءل عن الكيفية التي سيعود بها للبشر ليحاكموا أقواله وتجاربه بمفاهيمهم المحدودة ومعارفهم الضيقة.

لم يكن الحلاج ليسعد بإفشائه السر الذي اؤتمن عليه من قبل “الحبيب”، لذلك سنجده بعد قليل سيدفع الثمن راضيًا، مقبلًا في غير خوف ولا وجل، على السياط والجلادين الذين لم يحمل لهم في قلبه سخطًا، وإنما رأى فيهم مجرد مساعدين أخيار يدفعونه إلى اللقاء الذي طال انتظاره.

 ففي غمرة شطحاته وجد بعض سدنة السلطان العباسي وفقهائه الفرصة سانحة للتخلص من الرجل الذي يقلب العامة على السلطان بحديثه عن العدل، وحمله الطعام في زمن المجاعة إلى مضطهدي السلطة من الشيعة والقرامطة، فكانت واقعة صلب الحلاج الشهيرة.

خلّد التاريخ أسطورة الحلاج ومأساته في الحب الإلهي، لكنه كان درسًا كافيًا للمتصوفة المعاصرين لأزمته واللاحقين عليه ليدركوا ما يمكن أن يحل بهم جميعًا إذا ما انكشف سرهم وافتضح أمرهم، لذلك لجئوا إلى حيلتين لغويتين ما كان لأمر التصوف أن يستقيم لولاهما؛ أما الأولى فهي التأويل، وهو ما يُتيح لهم صرف اللفظ عن معناه الظاهر.

أما الحيلة الثانية الأكثر أهمية فهي (الرمز)، حيث يلجأ الصوفي إلى التعبير عن تجاربه وأفكاره ومواجيده بلغة رمزية يفهمها الخواص من أهل الطريق، ويستعصي على من دونهم من العوام محاولة التجسس على أفكارهم، وربما كان للرمز غرض آخر إلى جانب التستر، وهي محاولة التكثيف وإيجاد صيغ ذات دلالة جامعة للمعاني والأفكار لذلك قيل: “كلما اتسع المعنى ضاقت العبارة”.

حدود الرمزية

يتراوح مقدار الرمزية في النص الصوفي ما بين استخدام لغة الإشارة والرمز من خلال عدد من المصطلحات والمفاهيم ذات الدلالة التي يفهمها البعض دون البعض الآخر، وبحيث يتجلى النص لقارئه على قدر خلفيته المعرفية والذوقية على نحو أقرب ما يكون (لظاهريات التأويل) تلك التي تجعل للخبرة الشعورية ووعي القارئ دورًا في تحديد مفهوم النص.

لكنّ نمطًا آخر من التأليف الصوفي لجأ إلى مرحلة السرد الرمزي الكامل، أو الإبداع القصصي، بحيث تصاغ أهم الأفكار والمقولات الصوفية في شكل فني بديع يحقق أهدافه، دون أن يترك الفرصة للمتربصين لكيل الاتهامات للمتصوفة بادّعاء الحلول والاتحاد، أو وحدة الوجود، وإلى غير ذلك من التهم التي لاحقت كبار المتصوفة على مدار قرون. ولعلّ أبرز نموذج لهذه السردية الكاملة هو ذلك المصنف البديع لـ”فريد الدين العطار” المسمى “منطق الطير”.

 فبينما كانت بلاد الشام في أواخر القرن السادس الهجري تضج بأنباء ذلك الشاب الصوفي المتفلسف الجريء شهاب الدين يحيى السهروردي (545-586ه)، كان صوفي آخر في بلاد فارس أكثر حصافة يقيم مأدبته الصوفيه مستخدمًا لغة الرمز. لم يكن الجميع تعلموا الدرس بعد.

ألقى شهاب الدين السهروردي بكنوز معارفه الإشراقية على الخواص والعوام على السواء، واستلب عقل الوالي الشاب غازي بن صلاح الدين حاكم حلب، وناظر الفقهاء في حضرته فظفر بهم وأقام عليهم الحجة، فلما خشي هؤلاء ضياع نفوذهم، كتبوا إلى صلاح الدين أن هذا الشاب يفسد على الناس دينهم، وألحوا عليه في قتله، فأمر صلاح الدين بقتله، واختار الشاب أن يُترك في خلوته بقلعة حلب دون ماء أو طعام إلى أن يلقى الله، فمات بينما ينشد:

وَا رَحمةً للعاشِقينَ تَكلّفوا ** سرّ المَحبّةِ، وَالهَوى فَضّاحُ

بِالسرِّ إِن باحوا تُباحُ دِماؤُهم ** وَكَذا دِماءُ العاشِقينَ تُباحُ

هكذا تكررت مأساة الحلاج في بغداد بعد مضيّ ثلاثة قرون.

أما فريد الدين العطار في بلاد فارس فقد نجح في أن ينسج ملحمته الصوفية (منطق الطير) على غرار رسالة أبي حامد الغزالي (450-505ه) القصيرة (رسالة الطير)، حيث قرر أن يضع أفكار المتصوفة وتعاليمهم كلها على لسان جمع متخيل من الطير، ساق في المقدمة بعض أسمائهم مثل: (الهدهد، موسيجة، الببغاء، الحجلة، الصقر، العندليب، الطاووس، الديك، القمرية، البلبل).

وضع العطار تصورًا لاجتماع متخيَّل بين الطيور حيث تتشاور فيما بينها للبحث عن الغاية القصوى والمحرك الأول، الذي يطلقون عليه “السيمرغ”، إذ لا يستقيم عالم الطير بدون ملك، والشوق إليه يؤثر في أرواح الطير ويدفعها إلى طلبه والبحث عنه، لكن وعورة الطريق وإلهاء الدنيا ومشاقها ترد الكثيرين منهم في خيبة وألم.

أما عن مواصفات ذلك “السيمرغ” فهو “منا قريب، ونحن منه جد بعيدين، مقره يعلو شجرة عظيمة الارتفاع، ولا يكف أي لسان عن ترديد اسمه، تكتنفه مئات الألوف من الحجب، بعضها من نور، وبعضها من ظلمة، وليس لفرد في كلا العالمين مقدرة حتى يحيط بشيء من كنهه، إنه الملك المطلق، المستغرق دائمًا في كمال العز”.

واضح تمامًا المقصود بطائر “السيمرغ” في نص العطار، ثم يشرع فريد الدين العطار في وصف الرحلة إلى “السيمرغ” ومشاقها على لسان كل واحد تلو آخر من الطيور، بعدما يعود كل منهم معتذرًا ومقدمًا أسباب فشله في تحقيق أهداف الرحلة (السلوك الصوفي).

فيبدأ العطار على لسان الهدهد الذي يلعب دور الشيخ المربي فيوضح أسباب فشل كل منهم، فهذا (البلبل) تعلقت روحه بوردة كال فيها المديح، فنسي أنها أثر من آثار السيمرغ، وصورة من مظاهر قدرته وترك الأصل، وذاك (الببغاء) يشكو احتباس روحه داخل قفص فولاذي (جسم الإنسان) فلا تملك القدرة على السعي نحو “السيمرغ” فيجيبه الهدهد بأنه مُطالَب كي يصل إلى “السيمرغ” ببذل النفس والروح.

تتوالى حكايات العطار على ألسنة الطير بينما تتوالى إرشادات الشيخ السابق العارف على لسان (الهدهد)، موضحة مشاق الطريق ومفاوزه، كاشفة فتنته ومخاطره، في رمزية بديعة حققت لصاحبها أهدافه بعدما دوّن فيها أهم أفكاره وتجاربه في السلوك الصوفي.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

بلال مؤمن

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search