زوايامختارات

من العداء إلى “استمعوا للعلم”.. علماء أمريكا: هل وصلت الرسالة يا ترامب؟

 

على الرغم من أن أصداء نتائج الانتخابات الرئاسة الأمريكية لم تهدأ حتى الآن، فإن جميع المؤشرات  الرسمية تشير إلى فوز مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن. فهل لعب العداء للعلم دورًا في فوزه وهزيمة منافسه في هذه الانتخابات؟

تدل الاستطلاعات العامة التي تجرى في أمريكا عادة على أن ثقة معظم الأمريكيين بقادة العلم أقوى منها مقارنة بالقادة السياسيين والاجتماعيين أو غيرهم، اللهم إلا قادة المؤسسة العسكرية، غير أنه في دراسة أجراها “جوردون جوشات” من جامعة كارولينا الشمالية في تشابل هيل عام 2012، ظهر أن الثقة بالعلم والعلماء في تراجع مثير عند من يصفون أنفسهم بـ”المحافظين السياسيين”، وأنهم يبتعدون عن المجتمع العلمي، وقد سُميت هذه الظاهرة “الذكي الأحمق”.

دونالد ترامب

معاداة العلم أصبحت أكثر تشددًا بعد تفشي وباء كوفيد-19، فيروس كورونا المستجد، هذا العام، إذ لوحظت زيادة الظواهر المناهضة للفكر والعلم في الولايات المتحدة، وتزامن ذلك مع الانقسام السياسي فيها، حيث أظهر استطلاع لمركز “بيو” للأبحاث أن 63% من مؤيدي الجمهوريين يعتقدون أن وباء فيروس كورونا الجديد مبالغ فيه، في حين يعتقد 14% فقط من مؤيدي الديمقراطيين بهذا الأمر.

وفي 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، صرح رئيس موظفي البيت الأبيض، مارك ميدوز، أن الولايات المتحدة لن تسيطر على فيروس كورونا الجديد لأنه يشبه فيروس الأنفلونزا. ورغم تشخيص إصابة أحد مساعدي نائب الرئيس الأمريكي، مايك بنس، بفيروس كورونا، لم يرفض بنس الحجر الصحي فحسب، بل تجاهل إرشادات الوقاية من الوباء الخاصة بمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها لمواصلة الحملة.

نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس

لقد أثبتت أقوال وأفعال كبار المسؤولين الأمريكيين مرة أخرى الموقف غير العلمي للحكومة الأمريكية، كما سلطت الضوء على انقسام كبير في المجتمع الأمريكي، وتجلت هذه السلوكيات في تصرفات الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، دونالد ترامب.

فترامب وإدارته تبنوا موقفًا عدائيًّا من التفسيرات العلمية الخاصة بكوفيد-19 منذ الأيام الأولى لانتشار الوباء، وزعم ترامب في بداية العام الحالي أن “الفيروس سيختفي بأعجوبة يومًا ما”. واتفق البعض مع بيانه وقللوا من تأثير الفيروس والاستهزاء بإجراءات الوقاية من الوباء، وقال مؤيدو الرئيس ترامب أن الوباء مجرد إنفلونزا، وقد أدى كل ذلك إلى انتشار العدوى عدة مرات، ومن منتصف أغسطس/ آب إلى نهاية سبتمبر/ أيلول 2020 زاد عدد المستخدمين الذين انضموا إلى مجموعة “ضد ارتداء الكمامة” على موقع “فيس بوك” 1800%.

وتبنَّت إدارة ترامب العديد من الإجراءات التي أثارت مخاوف المجتمع العلمي، مثل خفض اللوائح البيئية، وسياسات الهجرة التي تضر بقدرة الجامعات الأمريكية على جذب العلماء الأجانب، فقد أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًّا يفرض حظرًا على الهجرة من سبع دول في يناير/ كانون الثاني 2017، ما دفع العديد من الباحثين والمؤسسات الأكاديمية العلمية للتلويح بأن “معاهد البحوث الأمريكية تستضيف العديد من الباحثين من الدول المستهدفة، وأن هذا المرسوم يضر بالعلوم الأمريكية”.

ترامب

وفي إعلان صادر بتاريخ 22 يونيو/ حزيران الماضي، مَدَّد “ترامب” العمل بالقيود المفروضة على الهجرة، ووسّع نطاق تطبيقها، بغرض تقييد دخول العاملين الأجانب إلى الولايات المتحدة، وقد أطلقت هذه الخطوة موجة من القلق في أوساط العلماء، وجلبت انتقادات حادة من الخبراء القلقين بشأن مستقبل العلوم في الولايات المتحدة.

لم يحظَ أداء ترامب بالكثير من الإعجاب في أوساط الجماعات المُناصِرة لمرضى فيروس نقص المناعة البشرية، فقد عمل على الحد من الانتفاع ببرامج الرعاية الصحية، وهدد بخفض تمويل خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز، ووصم بعض المجتمعات المعرضة لخطر كبير بسبب هذا المرض.

لقد امتد الموقف العدائي من مسألة الاحتياطات هذه من موقف نظري لموقف عملي أثرت لاحقًا في جزء داخل إدارة ترامب، فقد أفاد مراسل صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية بأن أكثر من 133 فردًا في الخدمة السرية مصابون بفيروس كورونا أو في الحجر الصحي بعد حملات ترامب الانتخابية، وهم المكلفون بحراسة ترامب والرئيس المنتخب بايدن والبيت الأبيض.

وأوضحت الصحيفة أن تفشي الفيروس في صفوف أفراد الخدمة السرية حصل بعد أن سافر العديد منهم لحراسة الرئيس الحالي خلال التجمعات الانتخابية، والتي كان معظم المسؤولين والحاضرين فيها لا يرتدون الأقنعة الواقية من الجائحة، وذكرت الصحيفة أن قرابة 10% من طاقم الخدمة السرية توقف عن العمل بسبب الجائحة.

انتفاضة العلماء.. العلم في الصدارة

كانت الظاهرة المناهضة للفكر العلمي مضطربة للغاية في مواجهة الوباء الحالي، ونتيجة لهذه السياسات غير المسبوقة، كسرت العديد من المنظمات الموثوقة تقليد عدم التورط في السياسة وانتقدت الحكومة الأمريكية علانية.

في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، نشرت دورية “نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين” آراءها حول السياسة الأمريكية للمرة الأولى منذ 208 سنوات منذ إنشائها، منتقدة الحكومة الأمريكية لعدم الكفاءة والتسبب في وفاة الآلاف من الأمريكيين بسبب فيروس كورونا الجديد.

وانتقدت مجلة “نيتشر” إدارة ترامب لتجاهلها العلم والحقائق، ووقّع 81 من الفائزين بجائزة نوبل خطابًا مفتوحًا لدعم بايدن، جاء فيه: “لم تكن بلادنا بحاجة غير مسبوقة إلى قادة للاهتمام بقيمة العلم في صياغة السياسات العامة”، كما انتقدت المجلة الطبية المرموقة “ذا لانسيت” (The Lancet) سياسة الرئيس ترامب بسبب استجابته “غير المتسقة وغير المتماسكة” تجاه جائحة كورونا.

ترامب ولجنة إدارة أزمة كورونا

وعلقت صحيفة “نيويورك تايمز” على هذا الأمر بالقول: “بالنظر إلى عملية مكافحة الوباء، فإن إدارة ترامب ارتكبت كل شيء خاطئ تقريًبا.. “كانت أخطاء ترامب إلى حد أنه قاد الاتجاه القوي المناهض للفكر في الولايات المتحدة.”

ويشير تقرير نشرته مجلة “ساينتفك أمريكان“، التي لم تؤيد قَط على مدى تاريخها الممتد لـ175 عامًا أي مرشح في أي انتخابات رئاسية، إلى أن “الأدلة العلمية تُظهر أن ترامب قد أضر بشدة بالولايات المتحدة وشعبها، لأنه يرفض الأخذ بالأدلة العلمية، والمثال الأكثر تدميرًا هو استجابته غير النزيهة ومعدومة الكفاءة لجائحة كوفيد-19، التي كلفت أكثر من 190 ألف أمريكي حياتهم حتى منتصف سبتمبر/ أيلول الماضي”.

ويضيف التقرير -الذي نشرته المجلة بتاريخ 30 سبتمبر/ أيلول الماضي- أن “ترامب هاجم أيضًا حماة البيئة والرعاية الطبية والباحثين ووكالات العلوم العامة التي تساعد الولايات المتحدة الأمريكية على الاستعداد لأكبر تحدياتها، وفي المقابل، فإن جو بايدن يقدم خططًا قائمة على الحقائق لحماية صحتنا واقتصادنا وبيئتنا، وهذه الخطط وغيرها من الاقتراحات التي طرحها يمكن أن تعيد البلاد إلى مسارها نحو مستقبل أكثر أمانًا وازدهارًا وإنصافًا”.

وتتابع المجلة: “من شأن الوباء أن يُجهد أي دولة وأي نظام، لكن رفض ترامب للأدلة وإجراءات الصحة العامة كان كارثيًّا في الولايات المتحدة، فقد جرى تحذيره 10 مرات في شهري يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط الماضيين من تفشِّي المرض، لكنه لم يطور إستراتيجية وطنية لتوفير معدات الحماية أو اختبار فيروس كورونا أو وضع إرشادات صحية واضحة”.

كتب المحررون في افتتاحية عدد أكتوبر/ تشرين الأول من المجلة أنهم شعروا بأنهم مضطرون إلى دعم بايدن في جهوده لهزيمة الرئيس ترامب، وشكل ذلك الحدث لحظة فارقة في رفض مجتمع علماء الولايات المتحدة للرئيس ترامب، ويضاف إلى حوادث بارزة مثل المسيرة الحاشدة في عام 2017 من مؤسسات علمية مرموقة ردًّا على خفض إدارة ترامب لميزانياتها.

وأكمل المحررون: “الأدلة والعلم يظهران أن ترامب قد أضر بشدة بالولايات المتحدة وشعبها، لأنه يرفض الأدلة والعلم، ولهذا السبب نحثكم على التصويت لبايدن، الذي يقدم خططًا قائمة على الحقائق لحماية صحتنا واقتصادنا وبيئتنا.. يمكن لهذه المقترحات وغيرها من التي طرحها أن تعيد البلاد إلى مسارها نحو مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً وإنصافاً”.

جاء ذلك قبل أقل من 50 يومًا من موعد الانتخابات الرئاسية، إذ تتعامل الولايات المتحدة مع أزمات متعددة، بخلاف جائحة كورونا، بما في ذلك حرائق الغابات المميتة في الساحل الغربي وموسم الأعاصير الشديدة في المحيط الأطلسي.

ويمكن القول إن هذه الافتتاحية تمثل خطوة مذهلة بالنسبة إلى أقدم مجلة ما زالت تصدر بانتظام في الولايات المتحدة.

وقالت رئيسة تحريرها، لورا هيلموث، التي عملت سابقًا في صحيفة “واشنطن بوست”: “ليس من السهولة كسر تقليد ممتد على مدى 175 عامًا.. نحب أن نبقى خارج السياسة، لكن هذا الرئيس كان مناهضًا للعلم لدرجة لا يمكن معها تجاهله”.

نشرت المجلة هذه الافتتاحية التي تكونت من 1400 كلمة بعد أن شكك ترامب في دقة المعطيات العلمية المتعلقة بتغيرات المناخ وحرائق الغابات الناجمة عنها في كاليفورنيا، وبهذا يرى البعض أن المجلة العلمية الرصينة قدمت مشورة انتخابية للأمريكيين، حثتهم فيها على التصويت لصالح بايدن في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وكما هو متوقع أثارت هذه المبادرة انتقادات لاذعة من بعض مشتركيها، ومنهم الذين قالوا إنهم يخططون للتصويت لصالح بايدن بالفعل، لكن قرار المجلة يربكهم ويثير لديهم الشكوك في نجاعة استخدام سمعتها العلمية لغرض سياسي معين.

وعلاوة على ذلك كله، فقد أصدر العلماء المسؤولون عن الأجهزة الفيدرالية غير المسيّسة التي لا تتبع حزبا معينا مثل “الأكاديمية القومية للعلوم”، و”الأكاديمية القومية للطب”، بيانًا مشتركا في 24 سبتمبر/ أيلول من العام الحالي ذكروا فيه: “عملنا كمستشارين للأمة في جميع الأمور المتعلقة بالعلم، والطب، والصحة العامة، يُجبرنا على تأكيد أهمية اتخاذ القرار المبنى على العلم في جميع المستويات الحكومية”.

ولم يكن دونالد ترامب الرئيس الأمريكي الوحيد الذي تعرَّض لحادثة قد تؤثر سلبيًّا في أداء مهماته الرئاسية، وحظوظه في الفوز بالانتخابات الرئاسية، ولكن الإعلان عن إصابة ترامب بفيروس كورونا المستجد قبل 32 يومًا فقط من إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية، قد جعل من “العلم” لاعبًا رئيسًا في حسم تلك الانتخابات، وقد ساعد تعامل ترامب مع الفيروس باستهانة وصلت إلى حد مهاجمته لمنافسه الديمقراطي بسبب إصراره على ارتداء الكمامة خوفًا من الفيروس، ومهاجمته لمنافسه لتجنُّبه حضور المناسبات التي تضم تجمعات كبيرة، على إثارة حفيظة الناخبين.

ولم يكتف ترامب بذلك، فقد عارض الإغلاق التام لبلاده للحد من انتشار الفيروس، مقابل منافسه الديمقراطي الذي رأى في الإغلاق التام وسيلة إيجابية لمواجهة الفيروس، كما تبنى ترامب في حملته الانتخابية السابقة خطابًا سياسيًّا يقوم على انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس حول المناخ، مشددًا على أن إدارته “ستركز على التحديات البيئية الحقيقية، لا المزيفة”.

من الواضح إذًا أن جُل علماء أمريكا المشهود لهم بالعلم والخبرة، وجودة البحث العلمي، قد أدلى بشهادته ضد البيت الأبيض وترامب بالتحديد قبل الانتخابات، ومن المؤكد أن كل ذلك قد أثر في نتيجة الانتخابات التي أجريت في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.

بايدن

الإصغاء للعلم.. هل وصلت الرسالة؟

يشار إلى أن الولايات المتحدة هي أكبر بؤرة للفيروس في العالم حاليًّا، وسجلت في الأيام القليلة الماضية مستويات قياسية في الإصابات اليومية والوفيات، ووصل تفشي الفيروس لمستويات تنذر بأزمة في معظم أنحاء البلاد، مع وجود تحذيرات في المستشفيات من نقص الأَسِرّة، وأن معدل الوفيات بدأ يزيد على 1000 وفاة يوميًّا.

في المقابل، وبعد ظهور المؤشرات الأولي لنجاحه، أعلن الرئيس الأمريكي المنتخب، بايدن، تشكيل مجلس استشاري للتصدي لوباء كوفيد-19، داعيًا الأمريكيين للوحدة من أجل القضاء على الجائحة، وكشف عن سياسته تجاه كورونا وأوصي بالإصغاء للعلم.

وقال بايدن: “الولايات المتحدة تحتاج إلى عمل قوي من أجل تطويق الوباء، في ظل ارتفاع الإصابات والوفيات اليومية الناجمة عن كوفيد-19”.

ويشاع في الولايات المتحدة أن الديمقراطيين هم الأكثر إقبالاً على ارتداء الكمامة، في حين ينفر الجمهوريون وآخرون من اليمين، من قيود التباعد وغيرها.

وأوضح الرئيس الديمقراطي المنتخب أن التوقعات الصحية تشير إلى احتمال 200 ألف وفاة إضافية قبل التمكن من توزيع اللقاح، وشدد على أنه عيّن خبراء الصحة في المجلس، وأن الرؤية ستكون مستندة إلى العلم بالكامل.

وفي إشارة إلى الانقسام السياسي في المجتمع الأمريكي، قال بايدن إنه لا بد من إنهاء “التسييس” في أمور مثل إجراءات الوقاية من وباء كورونا كارتداء الكمامة ومراعاة التباعد الاجتماعي.

د. طارق قابيل

أكاديمي، وكاتب ومترجم علمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى