من المحيط إلى الخليج:

صباح الخير يا أم كلثوم

“رجعوني عنيك لأيامي اللي راحوا.. علموني أندم على الماضي وجراحه”.. من المحيط إلى الخليج، كل شخص كان يشعر بروح الكلمات وموسيقى الإيقاع المصاحب لـ”الست أم كلثوم” سيدة الغناء العربي، التجسيد الرصين للتراث الفني العربي، أيقونة العصر الذهبي لقوة مصر الناعمة في المحيط العربي.

هي الفنانة الوحيدة المذكورة في كتاب “صنعوا مصر الحديثة”، حيث تظهر “المغنية الشرقية” إلى جانب شخصيات مثل نابليون بونابرت ومحمد علي والملك فاروق وجمال عبد  الناصر. فمن خلال مشاركتها بالكامل في حياة مصر، تصف أم كلثوم نفسها قبل كل شيء فتقول:” أنا امرأة، فلاحة، ومصرية”.

وكشاهدة على عهد الحماية البريطانية، وظهور القومية، خلال عهدي فؤاد وفاروق، وثورة 1952، لعبت أم كلثوم دورًا سياسيًّا خلال حكم عبد الناصر. فإلى أي مدى ساهمت “سيدة مصر الأولى” في زخم الفترة الناصرية؟ وإلى أي مدى كانت مؤثرة في الوجدان الجمعي العربي؟

وما نيل المطالب بالتمني

بدأت مسيرة أم كلثوم الغنائية الحقيقية عندما تولى الملك فاروق العرش، إذ مرت مصر بفترة مزدهرة مع ظهور أول محطة إذاعية حكومية، وتدشين “راديو مصر” بناءً على طلب فاروق. في أثناء ذلك طرقت المغنية أبواب السينما.   

وقد أدت سيطرة بريطانيا المشددة على مصر (اتفاق عام 1936) إلى جانب انتشار الفقر، وسيطرة المقربين من العرش الملكي على مقدرات البلاد، إلى إذكاء السخط المتزايد بين المصريين، وعندما تغنت أم كلثوم بــ”وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا”، بدت حفلاتها الموسيقية كمظاهرة سياسية أو احتجاج على وضع غير منضبط من وجهة نظر غالبية الشعب!

في 14 مايو/أيار 1948، أعلن بن جوريون قيام دولة إسرائيل، والحرب التي أعلنها جيرانها عليها في اليوم التالي انتهت بهزيمة ساحقة للدول العربية: إنها النكبة. وعاد فقط جنود اللواء الذي قاوم حصار الفلوجا كأبطال إلى مصر.

مع تزايد الشعور بالإحباط من سياسات العرش الملكي عقب حرب فلسطين، وظهور حركة الضباط الأحرار، التي ينتمي إليها جمال عبد الناصر، وفي أثناء وجود الأخير بأحد المستشفيات، نظمت أم كلثوم حفل استقبال على شرف هذا اللواء “للتعبير عن امتنانها كمواطنة مصرية للجنود المصريين وتضحياتهم في سبيل الوطن”.

الست وعبد الناصر

يوم 23 يوليو/تموز 1952، أعلن الضباط الأحرار سيطرتهم على الدولة، أنهى هؤلاء الضباط النظام الملكي وأعلنوا الجمهورية عام 1953، وبعد جولة من الصراعات أُطيح باللواء محمد نجيب من السلطة عام 1954، ليبرز ناصر، الرجل القوي في هذا النظام الجديد، وعندما علم بمنع إذاعة أغاني أم كلثوم لأنها غنت للنظام القديم، اتصل بالضابط المسؤول وأبلغه: “إذا كنا قادرين نهدم الأهرامات وأبو الهول عشان من العهد البائد (الملك فاروق) يبقى نهدم أم كلثوم”.

تلتقي مجموعة أعمال أم كلثوم الموسيقية مع الخطاب الناصري، فقد حان وقت حب الوطن، وتُظهر المطربة دعمها لـ”ثورة يوليو” في عبد الناصر. ففي مصر الجديدة، تريد أم كلثوم المشاركة في نهضة المجتمع المصري والأمة العربية.

وإذا كانت أغاني الحب صنعت مجدها، فإنها أرسلت هذا الشغف القوي إلى بلدها بنبرة عسكرية، واضعة فنها في خدمة الأغاني الثورية: “أنشودة الجلاء” تكرم الأمة المصرية، في حين أدخلت “أصبح عندي الآن بندقية” القضية الفلسطينية دائرة المسؤولية العربية، تاركة تأثيرًا كبيرًا في أعمالها الوطنية اللاحقة على الجمهور المصري والعربي.

طلب عبد الناصر من أم كلثوم افتتاح إذاعة “صوت العرب”، عام 1953، إذ أتاحت هذه الأداة للرئيس المصري الراحل، فرصة تأكيد مكانته شعبيًّا في جميع أنحاء العالم العربي، حيث كانت الإذاعة تُبث في كل بيت يتحدث اللغة العربية، غارسة حلم الوحدة في أرواح ملايين العرب.

أم كلثوم والقضايا العربية

ظهرت القومية العربية في القرن التاسع عشر لكنها استمتعت بلحظة مجدها مع عبد الناصر، إذ يجب أن تسعى الشعوب العربية للتحرر من الوصاية الأجنبية، في حين أن مقاومة دولة إسرائيل يجب أن تمكن فلسطين من التحرير.

في الذكرى الرابعة لنفي فاروق من مصر (يوليو/تموز 1956) أمَّم ناصر الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، فشنت إسرائيل وفرنسا وبريطانيا هجومًا عسكريًّا على مصر، لكن الضغط الأمريكي والسوفييتي وضع حدًّا لهذا التدخل الثلاثي.

فُسِّرَ العدوان دبلوماسيًّا على أنه نصر لمصر عبد الناصر. بعد الوقوف في وجه الغرب، أصبح ناصر محبوبًا في جميع أنحاء العالم الثالث. ولأن مصر يجب أن تستعيد سيادتها على أراضيها ومواردها لتصعد كقوة إقليمية، قدمت أم كلثوم بكل فخر وحماسة 10 آلاف جنيه مصرية لإعادة إعمار بورسعيد المُدمرة بفعل العدوان.

الشيخ زايد وأم كلثوم
قوة مصر الناعمة

بعدها أصبحت أغنية “والله زمان يا سلاحي” لأم كلثوم نشيدًا رسميًّا للجمهورية العربية المتحدة في عام 1958، ورغم أن انقلاب عام 1961 في دمشق أدى إلى نهاية الاتحاد المؤقت بين سوريا ومصر، احتفظت الأخيرة بالاسم رسميًّا حتى عام 1971، وظلت الأغنية السابقة النشيد الوطني المصري طوال هذه الفترة.

اعتمد النظام أكثر فأكثر على الفنانين في توصيل أفكاره، ومن بينها الدعاية السينمائية، وكان الفن المصري المشهور في جميع أنحاء العالم، هو الوسيلة المثالية للنظام الذي كان يطلب إنتاج أعمال عرضية تمدح سياساته.

ظاهرة الزعيم عبد الناصر لم تنفصل عن أم كلثوم، فقد اعتمد “جمال” على قوة سحر أم كلثوم لتنصيب نفسه قائدًا ملهمًا في العالم العربي.

تتألق أم كلثوم في ذاك العهد الناصري العروبي، فتصبح صوت مصر وصوت العرب، ويتمكن ناصر في عام 1964، من إقناع “الست” والموسيقار محمد عبد الوهاب بالعمل جنبًا إلى جنب، ما أسفر عن أغنية “أنت عمري”. في هذا التعاون، أدخل عبد الوهاب لمسة عصرية على الألحان من خلال الجيتار الكهربائي، ما مهد الطريق لتعاون أسفر عن 9 أغنيات أخرى، والفضل يعود لناصر!

نكسة يونيو

في 5 يونيو/حزيران 1967 تم تدمير سلاح الجو المصري على الأرض في 6 ساعات. خلال 5 أيام، استولت إسرائيل على سيناء وقطاع غزة ومرتفعات الجولان والضفة الغربية والقدس الشرقية. وفقد عبد الناصر جزءًا كبيرًا من رصيده، وكانت حرب الأيام الستة بمثابة بداية لشكل من أشكال التنصل من المشروع العربي الناصري آنذاك.

تغني أم كلثوم لعبد الناصر حين أعلن التنحي: “قم واسمعها من أعماقي، فأنا الشعب، ابق فأنت السد الواقي لمُنى الشعب، ابق فأنت الأمل الباقي لغدِ الشعب”، ليعيد الرئيس النظر في قراره عقب رؤية مشاهد التضامن في الشوارع العربية. منذ هزيمة عام 1967، تحولت أغاني “نجمة الشرق” صوب الدعوة للقتال.

المجهود الحربي

تعرض أم كلثوم مصوغاتها لإنقاذ خزائن الدولة المدمَّرة، وتحث النساء المصريات على الاقتداء بها. تنطلق في جولة وطنية لرفع الروح المعنوية للبلاد: صوتها يجب أن يوحِّد الناس في مواجهة المأساة ويغرس فيهم الشجاعة. قررت مواصلة جولاتها بالخارج والتبرع بالعائدات لصالح المجهود الحربي، وكانت حفلتها الموسيقية في باريس، المدينة المرجعية للمثقفين العرب، خير دليل على هذا الدور الوطني.

يقال إن قيمة مصوغاتها وجولاتها قد بلغت نحو 4 ملايين دولار، مبلغ وظفته الدولة في معركتها. في 28 سبتمبر/أيلول 1970، توفي ناصر بنوبة قلبية، وعقب سماعها الخبر في موسكو، ألغت حفلات موسيقية كانت اتفقت عليها وعادت إلى القاهرة. قررت “الست” التوقف عن الغناء، وأحيت آخر حفل لها عام 1972 مريضة ومتعبة.

عهد السادات

وخلافًا لعبد الناصر، كان وضع أم كلثوم في عهد أنور السادات غير مستقر، إذ فقدت  مكانتها المتميزة، بعد منافسة جيهان السادات لها على لقب سيدة مصر الأولى.

في 3 فبراير/شباط 1975، كانت وفاتها بمثابة نهاية عصر. 3 ملايين مصري رافقوا نعشها في شوارع القاهرة، يرددون صدى الخمسة ملايين مصري الذين ساروا وراء نعش عبد الناصر قبل 5 سنوات في مشهد “محنة شعبية”.

مهمة ثقيلة

يبدو أن “أم العرب” كانت منخرطة في مهمة تربوية: بفضلها، كما يقول الكاتب نجيب محفوظ، “أصبح الفلاحون يرددون أبياتًا شعرية والقوميون يمجدون اللغة والصوفيون ينتشون والنساء في البيوت يحلمن بالحب الجارف”.

أعلنت أم كلثوم أنها “صوت الشعب” بأغنيتها “أنا الشعب”، وبصوتها الأصيل، كانت تجسيدًا لمصر، لا تنفصل حياتها المهنية الطويلة عن محطات التاريخ المصري في القرن العشرين.

صوتها هو أيضًا رافعة لمشروع أيديولوجي، إذ بلورت أم كلثوم الفخر المعاد اكتشافه للشعبين المصري والعربي، وعلى خلفية القومية والاستعمار، عكست “الست” تطلعات العرب للحرية في القرن العشرين.  

ساهمت “أم العرب” في إزالة الغبار عن ملمح من ملامح الهوية العربية الحديثة؛ هوية محترمة ومختلفة، لا متخلفة ولا خاضعة للغرب. هذا النموذج الشرقي متجذر في التراث ولكنه مفتوح على الابتكار، ويتجسد من خلال رفض مزدوج: رفض الخضوع للقيم الغربية ورفض التقاليد المتخلفة. فمن المغرب إلى العراق، في أفقر الأسر وكذلك في الأكثر ثراءً، توصف أم كلثوم بأنها أعظم مطربة عربية بالإجماع، حتى إن هناك قولاً مأثورًا مفاده أن العرب في خلاف دائم في كل الأمور ما عدا أم كلثوم.

أم كلثوم باقية، فمع موجة الأمل والفخر التي عصفت بالعديد من الدول العربية عام 2011  أعيد رد الاعتبار لأغاني أم كلثوم الوطنية وصورها خلال احتجاجات “الربيع العربي”.

الكاتبة: سيسيل لوراس، خريجة المعهد الكاثوليكي في باريس ومعهد العلاقات الدولية والإستراتيجية.
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

ترجمة

عبد المقصود خضر

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram