دراسات وتحليلات

من تمرد مسلح لسيطرة على الدولة: تطور ترسانة جماعة الحوثي العسكرية

بدأت جماعة الحوثي تمردها المسلح على الحكومة اليمنية منذ عام 2004، وعلى مدار حروبهم المتتالية ضد حكومة الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح تضاعفت أعداد مقاتليها وأتقنوا فنون القتال، كما طوّروا قدراتهم العسكرية بصورة كبيرة؛ لا سيما مع سقوط نظام “صالح” نهاية 2011، وما تبعه من فوضى واستياء شعبي من ترتيبات المرحلة الانتقالية، ترتب عليهما توسع نفوذ الحوثيين وصولًا لاختطاف العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014 دون مقاومة من قوات الجيش اليمني، وملاحقتهم للرئيس المعترف به دوليًا عبد ربه منصور هادي، الذي فر إلى مدينة عدن جنوب البلاد، ومنها إلى المملكة العربية السعودية بعد دخول قوات الحوثي المدينة في 25 مارس 2015.

المراقب لجماعة أنصار الله الحوثية وتطورها منذ بداية تمردهم المسلح، يُلاحظ بشكل واضح تطوير تلك الجماعة لقدراتها واستراتيجياتها العسكرية، بما مكّنها من السيطرة على الدولة اليمنية فعليًا بدايةً من سبتمبر 2014، وقدرتها حتى الآن على الصمود تحت وطأة القصف الجوي للتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، الذي بدأ عشية سيطرة الحوثيين على عاصمة الجنوب “عدن” في مارس 2015.

ورغم دخول حملة التحالف السعودي عامها السابع، وظهور لاعبين جدد على خط المواجهة مع جماعة الحوثي، لا تزال سيطرة الجماعة قائمة على محافظات شمال اليمن كافة باستثناء مأرب، آخر معاقل الحكومة الشرعية في الشمال، والتي يحاصرها مقاتلو الحوثي اليوم وتدور حولها معارك محتدمة بغية السيطرة عليها قبل الذهاب لأي مفاوضات.

فكيف تحولت جماعة الحوثي من جماعة متمردة تنتهج حرب العصابات إلى أقوى جماعة مسلحة في البلاد، تسيطر على مساحات شاسعة وتستخدم في حربها -ضد الحكومة اليمنية ومن ورائها التحالف العربي- صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، وطائرات وقوارب مسيرة متفجرة؟

ومن أين حصلت جماعة الحوثي على تلك المنظومات التسليحية المتطورة؟ وما حجم برامج تصنيعها العسكري، ومدى الدعم الإيراني ودعم “حزب الله” اللبناني لمجهودها الحربي؟ وفوق ذلك كله ما مصادر تمويل الجماعة التي مكّنتها من الصمود كل هذه الفترة؟

خريطة اليمن

اختطاف العاصمة: محطة مفصلية في تطور تسليح الحوثيين

لقد كانت لحظة اختطاف جماعة الحوثي للدولة بفرض السيطرة على العاصمة صنعاء، وسط انهيار درامي لقوات الجيش اليمني، لحظة فارقة في مسيرة جماعة الحوثي في اليمن، وأيضًا في مستويات تسليحها، فقد سيطر المقاتلون الحوثيون على مخازن الأسلحة والذخائر التابعة للجيش اليمني، بما فيها من صواريخ باليستية، وصواريخ دفاع جوي، ودبابات، ومدرعات، وطائرات عسكرية وخلافه، وهي أنظمة تسليح متطورة وجديدة تمامًا على الجماعة، التي كانت تعتمد حتى ذلك الحين على الأسلحة الخفيفة وحروب الألغام والتحصينات.

وفي سياق سيطرتهم على العاصمة، أسهم تحالفهم مع أنصار الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في تأمين ولاء وكالات المخابرات اليمنية، وقوات الحرس الجمهوري، وحرس السواحل، والقوة الصاروخية التابعة للجيش اليمني، ما زاد ترسانة أسلحتهم المتطورة كثيرًا، وعزّز قدرتهم على استخدام تلك الأسلحة التي لم يكن لهم عهدٌ بها من قبل.

لم يستغرق الحوثيون كثيرًا حتى يطلقوا أول صاروخ من طراز “سكود” على أهداف في منطقة خميس مشيط جنوبي السعودية في مايو/يونيو 2015، أي بعد أقل من ثلاثة أشهر من بدء القصف الجوي في عملية عاصفة الحزم التي أطلقتها الرياض وحلفاؤها، ومن حينها لم يتوقف الحوثيون عن إطلاق عشرات الآلاف من الصواريخ الباليستية وإرسال مئات الطائرات المُسيّرة المتفجرة على أهداف في الداخل السعودي وعلى مدى أبعد كثيرًا من صاروخهم الأول.

ورغم نجاح القوات الجوية وقوات الدفاع الجوي السعودية بصورة كبيرة في استهداف معظم الصواريخ والمُسيّرات الحوثية قبل أن تصل أهدافها، فإنها لا تزال تمثل مصدرًا قائمًا ومستمرًا للتهديد الذي يستلزم يقظة دائمة وتكاليف دفاعية باهظة على الجانب السعودي، لا سيما مع تطور تكنولوجيا صواريخ ومُسيّرات الحوثيين، وازدياد دقة توجيهها.

اقرأ أيضًا: أسطورة الاستقرار.. لماذا يعاني “الحوثيون” في مناطق نفوذهم باليمن؟

المعدات العسكرية للحوثيين

ترسانة الحوثي العسكرية

كانت الأسلحة التي سيطر عليها الحوثيون بعد استيلائهم على الدولة اليمنية في سبتمبر 2014 بداية عهدهم بأسلحة الجيوش النظامية: من دبابات ومدرعات وصواريخ باليستية وصواريخ أرض-جو وطائرات، وغيرها الكثير من المعدات العسكرية الحديثة.

رغم ذلك فإن مدى الصواريخ التي سيطروا عليها في تلك الفترة لم يكن يتجاوز على أقصى تقدير 180 ميلا، وهو ما يكفي بالكاد لاستهداف النقاط الحدودية السعودية أو أهداف أبعد قليلًا في الداخل السعودي، ولكن الوضع لم يستمر هكذا كثيرًا.

سرعان ما تمكّن الحوثيون بمساعدة أنصار الرئيس السابق صالح، وبدعم إيراني، من تطوير قدراتهم الصاروخية بصورة ملحوظة، فأضحت لديهم سلاسل من الصواريخ الباليستية محلية الصنع -وفق زعمهم- تصل لأعماق المملكة العربية السعودية، ما سمح لهم باستهداف مدينة الدمام الواقعة على بعد 1200 كم من الحدود السعودية اليمنية للمرة الأولى في أغسطس 2019، وهو أبعد مدى وصلت إليه صواريخ الحوثيين حتى الآن.

وبجانب تنامي مدى الصواريخ الحوثية فقد زادت دقتها التصويبية وقدرتها على إلحاق الضرر بمنشآت سعودية، ومن بين أحدث تلك الصواريخ سلسلة صواريخ “قدس” المشتقة من صواريخ كروز الروسية، والتي استخدم الحوثيون النسخة الثانية منها بنجاح في استهداف منشآت لشركة أرامكو، عملاق النفط العالمي، في مدينة جدة السعودية بداية من نوفمبر 2020.

واللافت للنظر أن الفرق في مدى النسخة الأولى والثانية من صواريخ قدس يتجاوز الألف كيلومتر، فوفقًا للحوثيين لا يتعدى مدى صاروخ “قدس1” الذي استخدم للمرة الأولى في 2017 نحو 180 كيلو متر، بينما صاروخ “قدس2” فإنه يصل لما يجاوز 1500 كيلو متر، مع قدرة إضافية للتحليق على ارتفاعات منخفضة لتجنّب الرّصد.

وإلى جانب صواريخ قدس، تتعدد أنواع الصواريخ في ترسانة الحوثيين لتشمل سلسلة صواريخ بركان الباليستية بعيدة المدى -استخدمت للمرة الأولى في سبتمبر 2016- وهي نسخة معدلة محليًا لصاروخ “سكود سي” السوفييتي، وهناك أيضًا سلاسل أخرى للصواريخ أرض-أرض، من ضمنها صواريخ قاهر بأجيالها الثلاثة، وصواريخ زلزال، وتوشكا، وصمود، ويُضاف إلى ذلك الصواريخ البحرية التي استخدمها الحوثيون لاستهداف ناقلات النفط السعودية في مضيق باب المندب.

صواريخ جماعة الحوثي

بجانب المنظومات الصاروخية المتقدمة، بدأت جماعة الحوثي منذ يناير 2017 في استخدام الزوارق المفخخة المُسيّرة آليًا، ومنذ أبريل 2018 بدأت في استخدام الطائرات المُسيّرة المتفجرة المعروفة بالدرونز الانتحارية، وتنامى مع الوقت استخدامهم لتلك الآليات، لما تتمتع به من تكلفة منخفضة وقدرة على تنفيذ عمليات نوعية سهلة وبسيطة.

واستخدمت جماعة الحوثي الزوارق المفخخة المُسيّرة آليًا لاستهداف منصات تفريغ نفطية وقطع حربية تابعة للتحالف العربي في البحر الأحمر.

وتشير التقارير إلى امتلاك الحوثيين ثلاثة نماذج من الزوارق الانتحارية المتحكم بها عن بعد، وهي عبارة عن زوارق سريعة، وهي تطوير محلي لعشرات الزوارق التي كانت ملكًا للبحرية اليمنية قبيل عام 2011، كما يقوم الحوثيون بتعديل زوارق الصيد اليمنية التقليدية لتصبح زوارق انتحارية.

أمّا بالنسبة للطائرات المُسيّرة، فبجانب اعتماد الحوثيين على طائرات مُسيّرة مُخصصة للرصد والاستطلاع كأنواع “الهدهد 1″ و”راصد” و”رقيب”، فإنهم يستخدمون كذلك ما يعرف بـ“الدرونز الانتحارية”، وهي طائرات مُسيّرة يتم توجيهها لتصطدم بالهدف مباشرة، متفجرة من أعلى إلى أسفل، ومحتوية على كمية مناسبة من المتفجرات.

وقد دأب الحوثيون بداية من أريل 2018 على إطلاقها ضد أهداف مختلفة داخل المملكة السعودية، وكذلك في الحرب الدائرة باليمن، وتضم ترسانة الحوثيين عددا معتبرا من الدرونز الانتحارية، من بينها المُسيّرات “قاصف” و”صماد” بأجيالها المختلفة، والتي تشبه إلى حدٍ كبير من حيث التصميم والحجم والقدرات الهجومية، طائرات “أبابيل” الإيرانية المُسيّرة، ولكنها خضعت لعمليات تطوير زادت مدى طيرانها وحجم متفجراتها.

وقد تطورت قدرات المُسيّرات الحوثية بشكل كبير عبر السنوات الماضية، فنجد أن أحدث إنتاجاتهم من طراز “صامد 3” يصل مداها لـ 1700 كم، ولديها قدرات أعلى في تضليل أنظمة الرادار.

طائرات تابعة للحوثيين

مظاهر الدعم الإيراني: أسلحة وتدريب

لم يكن ممكنًا لجماعة الحوثي أن تصل لما وصلت إليه في مستويات التسليح دون الدعم الإيراني، والذي بدأ قبل الحرب اليمنية الحالية بسنوات، ويمكن تتبعه منذ 2009، العام الذي شهد الحرب السادسة بين جماعة الحوثي والرئيس علي عبد الله صالح.

وفي يناير 2013 اعترضت مدمرة أمريكية سفينة “جيهان 1” الإيرانية المُحمّلة بأسلحة وذخائر، كانت في طريقها للحوثيين، وقد أكد تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة الذي قام بالتحقيق في الواقعة ارتباط إيران بالسفينة “جيهان 1” وما تحمله من أسلحة وذخائر بصورة لا تدع مجالًا للشك.

وقد ازداد الدعم الإيراني لجماعة الحوثي بعد استيلائهم على الدولة اليمنية في سبتمبر 2014، فمع غرة شهر مارس 2015 أعلنت طهران تسيير جسر جوي بين صنعاء وطهران، وقد أكد شهود وجودا ملحوظا لمدربين إيرانيين ولبنانيين تابعين لحزب الله في صنعاء بدايةً من أواخر 2014، كما تم رصد إرسال بعض مقاتلي الحوثي للتدريب في إيران، ومع اكتمال سيطرة جماعة أنصار الله الحوثية على أكبر المواني والمطارات والقواعد العسكرية اليمنية، أصبح الطريق بين طهران وصنعاء مُعبَّدًا لاستقبال شحنات الأسلحة والذخائر، وكذلك المدربين والمستشارين.

إن مظاهر دعم طهران لجهود التسليح الحوثي لا تخفى على أحد، فقد أشارت تقارير أممية عديدة إلى أن صواريخ الحوثيين المتقدمة من عيّنة “بركان 2” على سبيل المثال، ما هي إلا تصميمات إيرانية خالصة تم تهريبها إلى اليمن على شكل قطع منفصلة، وتم لحامها مرة أخرى بواسطة فريق هندسي داخل اليمن، وهو ما كان جليًا من آثار اللحام اليدوي على هياكل جميع الصواريخ المفحوصة، وتتابعت التقارير الأممية في الوصول إلى استنتاجات لها ذات المدلول على تورط إيران في تسليح جماعة الحوثي، ودعمها في حربها الدائرة في اليمن منذ سبع سنوات.

مصادر تمويل الحوثيين: اقتصاديات الحرب

يبقى لنا أخيرًا التساؤل حول قدرة جماعة أنصار الله الحوثية على تمويل جهودها الحربية للعام السابع على التوالي، وتأمينها لقدرات تسليحية مرتفعة تتطلب موارد مالية كافية، وهنا يجدر القول إنه مع سيطرة الحوثيين على الدولة أواخر عام 2014، استحوذت الجماعة على الموارد المتاحة في شمال اليمن، فقامت بتحصيل الضرائب وطباعة العملة والتلاعب بأسعار الوقود، وقد استخدم الحوثيون تلك الموارد، بالإضافة إلى شحنات شهرية مجانية من النفط الإيراني تُقدّر كل منها بما يوازي 30 مليون دولار، في تمويل مجهودهم الحربي والمحافظة على قوام قواتهم القتالية.

أخيرًا، فطالما سيطرت جماعة الحوثي على مساحات شاسعة في شمال اليمن، فلن تكون مشكلة التمويل عائقًا أمام مجهودها الحربي، فهي تعرف جيدًا كيف تُوظِّف اقتصاد الحرب لصالحها، وكذلك طالما سيطرت الجماعة على مواني البحر الأحمر، فإن إمداداتها من الأسلحة والذخائر من إيران وحلفائها لن تنقطع، وهو ما ينذر بطول أمد الصراع، لا سيما في ظل رفض الحوثيين الذهاب للمفاوضات ووقف القتال بعد دعوات واشنطن والرياض لهذا الأمر.

أحمد حمدون

مدرس مساعد العلوم السياسية جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى