ثقافة وفنمختارات

من “سفير جهنم” إلى “خط دم”.. سيرة الرعب في السينما المصرية

 

عدوّ بملامح شيطانية، شبح بعيون مفتوحة على اتساعها، ظلام دامس، إضاءة تهتز وتخفت فجأة، موسيقى موتِرة وصرخات مدوية.. كل ما سبق عناصر كليشية تُحوّل أفلام الرعب إلى ابتذال غير محتمل، وتدفع الجمهور للتعليق بأن الواقع أكثر رعبًا من هذه الأمور المضحكة.

دعونا نتفق أن تضافر العناصر السينمائية كلها يخلق مزيجًا دراميًّا متكاملاً وهنا لا نستثني القصة فقط أو الحوار أو التمثيل أو المؤثرات الصوتية أو زوايا التصوير، فقد تكون أسطورة “أمنا الغولة” أو “النداهة” أو “مسّ الشيطان” حكايات غير منطقية للمشاهدين، لكن الطريقة والعناصر السينمائية التي تُقدَم بها، مُعالِجةً الأسطورة المرعبة، كفيلة بأن تقربنا منها أو تقصينا عنها.

لكننا في دراما الرعب ننسى أن الهدف ليس تصديق الأسطورة أو الإيمان بالألاعيب السفلية للجان والعفاريت، بل المهم حقًّا أن نشعر بالرعب، وهذا هو العنصر الذي نقيس به نجاح العمل السينمائي من عدمه.

ما يحدث في عدد كبير من أفلام الرعب المصرية أنها تلجأ إلى الحلول السهلة وهي المبالغات في المؤثرات، الموسيقى، وتحويل الشخصية (مصدر الرعب) إلى مسخ مُشوّه لا تثير ملامحه الرعب بقدر التقزز. ولهذا أفلام الرعب المصرية نادرة، وتحول بعضها إلى نكتة تثير الضحك كمحاولات متواضعة لإثارة الرعب بداخلنا بأكثر الطرق سذاجة.

حاز فيلم It (2017) على جماهيرية كبيرة في مصر

في المقابل، نجحت الأفلام الهوليودية في إثارة الرعب فينا، بل إنها تحقق إيرادات عالية في شباك التذاكر المصرية، ونذكر هنا فيلمي The Conjuring 2 (2016) و فيلم It (2017) اللذين اقتربت إيراداتهما من 9 ملايين جنيه مصري، في حين تجاوزت إيرادات فيلم (2018)  The Nun الـ20 مليون جنيه.

آخر أفلام الرعب المصرية التي عرضت على شاشة السينما كان فيلم المخرج خالد الحجر “جريمة في الإيموبيليا” إنتاج 2018 ولم يحظَ بأي نجاح نقدي أو جماهيري ولم يصل إجمالي إيراداته إلى مليون جنيه، وقبلها بأربع سنوات عرض فيلم “وردة” للمخرج هادي الباجوري الذي وصلت إيراداته بالكاد إلى مليون ونصف.

أفيش فيلم وردة لهادي الباجوري

صرخات شيطانية

كان عام 2014 مليئًا بالجان والعفاريت، والأجساد التي يمسها السحر ويتلبسها الشيطان. ففي برنامجها “صبايا الخير” قدمت المذيعة ريهام سعيد حلقة أثارت حولها ضجة كبيرة، عن أسرة فقيرة تتعرض بناتها المراهقات الثلاث لمسّ من الجن، وبالكاميرا استعرضت الحلقة اللحظات التي يُصَبْن فيها بالمس، وهي لحظات مليئة بالتشنجات والصراخ المزعج. ولأن الحلقة كانت تذاع بعد منتصف الليل، صارت بمنزلة فيلم رعب رديء الجودة والمحتوى، والمختلف أنه يقدم رعبًا حقيقيًّا، بحسب مزاعمهم.

لم تكن أول مرة يقدم فيها البرنامج لقطات لأناس مصابين بالمس، بل حصدت حلقات سابقة ملايين المشاهدات وأصبح البرنامج مشهورًا بها، لكن قبل إذاعة الحلقة بشهر واحد عُرض في السينمات فيلم “وردة” الذي رُوّج له كفيلم رعب يحكي أحداثًا حقيقية عن فتاة يتلبسها الجن. المشترك بين “وردة” وبين حلقة “صبايا الخير” أن الاثنين يستعرضان أحداثًا مرعبة عن مس الجن على اعتبارها حقيقية وتحدُث بالفعل، نجح البرنامج في استقطاب الجمهور، وفشل الفيلم في تقديم معالجة جذابة ومقبولة سينمائيًّا.

مشهد من فيلم موعد مع إبليس

نسب المشاهدات العالية للبرنامج تخبرنا شيئًا عن ذائقة الجمهور في تلقيه لقصص الرعب تلك، فمثل هذه الحكايات عن الجان والعفاريت هي أمور تجذبهم، لأنها ببساطة لا تبتعد كثيرًا عن الخرافات الشعبية التي تربينا عليها؛ الجان والشيطان هم عدونا الأول ومصدر رعبنا.

بدايات السينما

وإذا عدنا إلى بدايات السينما سنجد أن أدوار “الشيطان” في أفلام مثل “سفير جهنم” و”موعد مع إبليس” كانت هي الملهم الأول لحكايات الرعب في السينما المصرية، وصولاً إلى مرحلة الثمانينات التي شهدت فيلمي “الإنس والجن” و”التعويذة” اللذين أعادا لنا من جديد الرعب في صورة شيطان يطارد الأبطال لينال من أجسادهم وأرواحهم، وببساطة يتم التخلص منه بالتحصين بالأذكار والأدعية وقراءة القرآن في نهاية مشابهة ومختلفة في آن، عن أفلام الرعب الأمريكية التي تتخلص من الشيطان بالإنجيل.

ومؤخرًا عُرِضَ فيلم “الحارث” للمخرج محمد نادر، بطولة أحمد الفيشاوي وياسمين رئيس، على منصة “شاهد” لينضم لسلسة أفلام الرعب المصرية التي تستند على الأساطير الشعبية لتقدم حكاية الشيطان الذي يختار في يوم معين وليفًا له من بني الإنسان.

والقصص الشعبي متغلغل في الثقافة العربية، فقديمًا، عندما جلست شهرزاد إلى جوار الملك شهريار لتغويه بالحكايات كانت تسحره بالخرافات التي راقت له، وفي الليلة الأولى من ليالي ألف ليلة حكت له حكاية التاجر الذي ضرب عفريتًا بالخطأ فعزم العفريت على قتل التاجر.

وهكذا تنساق عدد من حكايات ألف ليلة إلى علاقة الإنس بالجان كأنها أمر بدهي لا جدال في صحته، لأنها تنبع من الثقافة الشعبية العربية وتُغذيها أيضًا، ولهذا فإن طرحها يعد مقبولاً، ويضاف إلى سلسلة من الحكايات الشعبية التي ينبت الرعب في جذورها، كـ”النداهة” و”أمنا الغولة”، وتقف في مواجهة أمام حكايات الرعب الغربية التي أصبحت منافسًا خفيًّا لأساطيرنا الشعبية.

دماء مستعارة

من فيلم “الفيل الأزرق”

بإمكاننا هنا عقد مقارنة بين الرعب في فيلم “الفيل الأزرق” بجزأيه وفيلم “خط دم” الصادر مؤخرًا عبر منصة “شاهد”. ينتصر فيلم أحمد مراد ومروان حامد لخرافة الجان على الطب، والمريض الذي ظنناه مريضًا نفسيًّا أصبح ملبوسًا من العفريت “نائل”، وعلى مدار الفيلم يفُك بطل الفيلم شفرات التعويذة ليطرد العفريت.

وبالتالي، عاد الفيلم إلى جذور تاريخ شعبي قديم ساد فيه السحر والأعمال السُفلية ودق الأوشام، وهي أمور مقبولة لدى المشاهد المصري أو العربي في تلقيه لتأويل الرعب ومصدر الخطر.

على العكس، جاء أحدث أفلام نيلي كريم وظافر العابدين “خط دم” ليقدم لنا رعبًا أمريكيًّا مستوردًا عن أسرة صغيرة يتحول أفرادها إلى مصاصين دماء.

وهي حكاية مُعلبة تم تمصيرها لكنها فشلت، لأنها لا تزال تحمل طابعًا يليق بأسرة أمريكية أو أوروبية وبعيدة بما لا يقاس عن ثقافتنا وتلقاها الجمهور بالسخرية والهذل، وهو نفس الجمهور الذي شاهد أفلام دراكولا وسلسلة أفلامtwilight  دون سخرية بل بجدية تامة، لأنها ببساطة لا تنتمي لهويته وثقافته، فتعاطي معها الجمهور كجانب مقبول من الثقافة الغربية المختلفة عنا.

وفي طريقة مشابهة قدم فيلم “كامب” عام 2008 قصة مجموعة من الشباب يبيتون ليلة في فندق مهجور ويطاردهم قاتل بقناع مخيف، وهو تمصير لتيمة متكررة في الأفلام الهوليوودية التي يهجع فيها مجموعة من الشباب في مكان ناءٍ فيطاردهم قاتل بلا هدف مفهوم، مثل فيلم Scream (1996) بأجزائه، وغيرها من الأفلام التي تُصنف كـ”رعب مراهقين”.

فيلم البيت الملعون – 1987

رعب البيوت

شهدت البيوت والقصور المهجورة مساحة هامة من أفلام الرعب، لأنها التيمة الأقرب للمشاهدين وتستطيع أن تجذبهم بسهولة إلى مواضع الرعب، بالتحديد الرعب في أكثر الأماكن أمانًا وسكونًا وهي البيوت، مصدر الأمان، وهذا ما يتماس مع مشاعر المشاهد ويبث فيه الرعب دون حاجة إلى ابتذال.

تشترك الأفلام المصرية مع الأجنبية في رعب البيوت، وقدمت أفلامًا نجحت بدرجة كبيرة في إثارة الرعب بإمكانيات بسيطة، نذكر منها أفلام “القصر الملعون” و”عاد لينتقم” و”البيت الملعون” و”بستان الدم”، لكن هذه التيمة لم تقدَّم بكثرة في السينما المصرية رغم أنها تحمل طابعًا شعبيًّا أصيلاً.

في المحصلة، تشهد السينما المصرية في السنوات الأخيرة تغيرًا كبيرًا في ملامحها وفي الأنواع السينمائية التي تقدمها بعد سنوات طويلة من تسيّد الكوميديا بلا منافس، والآن تطفو على السطح أفلام الأكشن والقليل من أفلام الرعب، قد تكون خطوات أفلام الرعب متعثرة قليلاً لكنها تسعى لتثبت نجاحها، تتعثر قليلاً لكن عليها أن تتلافى أخطاء الماضي، وتبتعد عن الاستيراد،  وتعيد التفكير في مصادر الرعب التي تجذب جمهورها المصري لتنافس بقوة وأصالة على مقاعد الرعب المظلمة.

 

 

آية طنطاوي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى