سياسة

من سيئ إلى أسوأ.. “اعتذار الحريري” يزيد طين لبنان بلة

يعيش لبنان وسط حالة من عدم الاستقرار والاضطراب على المستوى السياسي أو الاقتصادي، تفاقمت حدتها منذ إعلان رئيس الوزراء المكلف، سعد الحريري، اعتذاره عن تشكيل الحكومة، قبل أيام، بسبب خلافات مع الرئيس اللبناني ميشال عون.

وشهدت لبنان احتجاجات في العديد من المناطق منذ الخميس الماضي بعد اعتذار الحريري، كما حدثت مصادمات بين قوات الجيش اللبناني والمحتجين.

الحريري وماكرون
الحريري وماكرون

عودة التوتر

وشهدت البلاد عودة التوترات في مناطق عدة أبرزها منطقة جبل محسن في طرابلس (شمالي البلاد)، مساء الجمعة، احتجاجًا على انقطاع الكهرباء، ونفاذ المحروقات المشغلة للمولدات الخاصة، كما أشعل محتجون بمنطقة عكار (شمال البلاد) إطارات سيارات، وقطعوا معبر “العريضة” الحدودي وعددًا من الطرق، وتزامن ذلك مع احتجاجات في طريق الذوق شمالي العاصمة اللبنانية بيروت، احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد.

اقرأ أيضًا: الشلل الحكومي يقود لبنان إلى الانهيار

 

وفي هذه الأثناء، أصيب 10 جنود من الجيش اللبناني، بعد تعرضهم للرشق بالحجارة وإلقاء قنابل يدوية عليهم في منطقة جبل محسن التي شهدت مواجهات بينهم وبين المحتجين، كما أصيب عدد من المحتجين بطلقات الرصاص المطاطي بحسب ما نقلته شبكة “سكاي نيوز” الإخبارية.

الوضع يتفاقم

وقال قائد الجيش اللبناني العماد “جوزيف عون” على حساب الجيش اللبناني بموقع التدوينات القصيرة تويتر: “يبدو أن الوضع يزداد سوءًا، والأمور آيلة إلى التصعيد لأننا أمام مصير سياسي واجتماعي مأزوم. مسؤوليتنا كبيرة في هذه المرحلة، ومطلوب منا المحافظة على أمن الوطن واستقراره، ومنع حصول الفوضى، تجربة الأمس كانت مثالا لذلك. أهنئكم على ضبط أعصابكم، وتفويت الفرصة على من أراد إحداث فتنة”.

إهدار وقت

الكاتب والمحلل السياسي اللبناني، جورج العاقوري، يقول إن اعتذار الحريري يزيد المشهد خطورة، مشيرًا إلى أن المشكلة الأساسية هي “أننا أضعنا 9 أشهر منذ تكليفه، وهو كان يدرك جيدًا أن الأمر في غاية الصعوبة لأن تجربة من كُلف قبله كانت خير شاهد على أن الفريق الحاكم المتمثل في حركة حزب الله والرئيس ميشال عون وتياره لا يريدون وصول حكومة تقوم بتنفيذ إصلاحات حقيقية وتكون حكومة إنقاذ وفقًا للمبادرة الفرنسية”.

المحلل السياسي اللبناني جورج العاقوري

وأضاف في اتصال هاتفي مع «ذات مصر»، أن هناك تساؤلًا اليوم وهو لماذا تمت مشاركة الحريري في إهدار 9 أشهر. وعلق قائلًا: “هذا التأخير  زاد من الطين بلة، وعززت من تفاقم الوضع وخطورته. نحن اليوم نتجه إلى مشهد أكثر سوداوية وخطورة فيما يتعلق بالوضع الاجتماعي والمعيشي الصحي والأمني”.

وأشار “العاقوري” إلى أن الحل المنطقي للخروج من هذه الأزمة والحائط المسدود هو الاحتكام للشعب اللبناني عبر التوجه إلى صناديق الاقتراع في أقرب وقت ممكن. مستطردًا: “الانتخابات النيابية من حيث المبدأ ستكون في ربيع 2022. ولكن الواقع الحالي اليوم يؤكد أن الفترة التي نعيشها هي إهدار وقت في انتظار الانتخابات”.

اقرأ أيضًا: حوار| بولا يعقوبيان: لبنان تحت حكم مافيا فاشية.. وكل العالم تخلى عنا إلا مصر

وتابع: المسؤولية تحتم على الجميع إجراء الانتخابات النيابية مبكرًا، وإلا ستكون هذه الطبقة وكل من يقف أمام إجراء الانتخابات مبكرًا شريكًا في إهدار مزيد الوقت، كما تم إهدار 9 أشهر بدون تشكيل حكومة من قبل سعد الحريري والفريق الحاكم المتمثل في ميشال عون وحزب الله.

الفوضى الأمنية أو التسوية السياسية المؤقتة

أما الكاتب والمحلل السياسي سركيس أبو زيد فيقول إنه بعد اعتذار الحريري أصبح لبنان في حالة تجاذب بين حلين أو مشروعين، إما الفوضى الأمنية أو التسوية السياسية المؤقتة.

وتابع في اتصال هاتفي لـ”ذات مصر“: إن الظروف تؤشر بأنه الوضع الاقتصادي المتدهور الحالي من الممكن أن يؤدي وضع أمني خطير. لافتًا إلى الاحتقان المذهبي الطائفي والاصطفاف السياسي من مع سعد الحريري ومن ضده قد يؤدي إلى فوضى أمنية.

المحلل السياسي اللبناني سركيس أبو زيد

وأكد أن تلك الظروف من الممكن أن “تؤدي إلى فتنة مؤقتة، والأخطر تشكل نوع من الإدارات الذاتية المسلحة، يحكم فيها كل فريق منطقة جغرافية ما، وهو ما يمهد لحكومة عسكرية تضطر لإمساك زمام الأمور”.

واسترسل: “من جهة أخرى هناك فرصة بأن يكون هناك توافق بين القوى الفاعلة الإقليمية والدولية على رئيس حيادي يرضي جميع الأطراف من أجل تشكيل حكومة إنقاذ فاعلة تخرج لبنان من الأزمة الاقتصادية المالية، وتمهد الطريق نحو إجراء انتخابات تجسد المعبر الحقيقي للتغيير السياسي”.

ومن جانبه يرى المحلل السياسي اللبناني محمد سعيد الرز، أنه منذ تكليف الحريري قبل تسعة أشهر بدا واضحًا أن التعايش مستحيل بينه وبين رئيس الجمهورية ميشال عون، مرجعًا السبب إلى أن الأول أعلن تمسكه بالمبادرة الفرنسية وخارطة الطريق التي وضعها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والتي قبل بها أطراف الطبقة الحاكمة في لبنان، بينما انتهج الرئيس عون ومعه تياره الوطني الحر برئاسة صهره جبران باسيل طريق آخر مبنيًا على مشروع حزبي فئوي أساسه الانقلاب على اتفاق الطائف للوفاق الوطني اللبناني والدستور المنبثق عنه، والعمل على جعل النهج العوني حالة مستمرة سواء بتأجيل الانتخابات المقبلة، أو بتأمين وصول باسيل إلى سدة الرئاسة بعد انتهاء ولاية عون.

وأضاف في اتصال هاتفي لـ”ذات مصر“، أنه: “وبما أن الحكومة المقبلة في لبنان سوف تشرف على الانتخابات النيابية بعد 7 أشهر وتليها الانتخابات الرئاسية. فإن هدف التيار الوطني الحر أصبح واحدًا من اثنين إما المجيء بحكومة يسيطر عليها وتكون طوعًا له. وإما إحداث فراغ حكومي يحتم تأجيل الانتخابات، ويعطي فرصة واسعة من الوقت للتيار العوني من أجل تنفيذ مشروعه”.

ولفت “الرز” إلى أن الحريري ومع كل الدعم العربي والدولي له لم يستطع مواجهة مشروع عون وحلفائه ( مايسمى بتيار الممانعة) لأسباب تتعلق بضعف ثقافته السياسية، وتراجع بيئته الشعبية، إلا أن عون وتياره يرفض أي رئيس حكومة يلتزم بنص الدستور، ويتمسك بالصلاحيات الموكلة إليه، لأنه يسعى لتنفيذ مشروعه الذي عبر عنه دائما “جبران باسيل الذي قفز فوق معاناة الناس وجوعهم والمخاطر المحدقة بالوطن ليدعو إلى تغيير اتفاق الطائف من خلال طاولة حوار أو مؤتمر تأسيسي”.

مسعى عربي عاجل

وقال الرز إن الوضع الخطير في لبنان الذي يهدد مقوماته وركائزه كدولة، ويفتح ساحته لكل أنواع التدخلات الإقليمية من إيرانية وتركية ويضعه تحت وصايات أجنبية وتهديدات إسرائيلية، فإن قضيته باتت قضية أمن قومي تتطلب مسعى عربيًا عاجلا لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح خاصة، ملمحًا إلى أن هناك مشروعية لهذا المسعى العربي كون اتفاق الطائف عام 1989 هو حل عربي للأزمة اللبنانية التي سبق واستفحلت لمدة 15 عاما فأصبح من حق أطراف هذا الحل متابعة تنفيذه في لبنان.

المحلل السياسي اللبناني محمد سعيد الرز

دور مصري

واستطرد المحلل السياسي اللبناني: “في هذا الخصوص يعول اللبنانيون بمعظمهم على دور مصر فهي التي طالما تدخلت لإنقاذ لبنان من أزماته المتتالية منذ أن نال استقلاله عام 1943 وحتى الآن. وهي الأكثر حرصًا على حماية مقومات الدولة اللبنانية، وهي الشقيقة الكبرى للبنان ولكل العرب التي تحمي ولا تهدد وتسعى لخير كل العرب بناء على دورها التضامني الأخوي، ولعل أول المهمات المطلوبة لمواجهة الفراغ الحكومي المرجح والمخطط له أن يطول هو إجراء سريع بتعويم حكومة حسان دياب المستقيلة بعد تبديل وزراء الطاقة والاقتصاد والشؤون الاجتماعية بسبب تقصيرهم، والضغط العربي لإقرار قانون انتخابات جديد يلتزم بنص الدستور، وإجراء الانتخابات النيابية في موعدها للمجئ بمجلس نيابي غير طائفي، ومجلس شيوخ يمثل الطوائف، وإقرار قانون الإصلاح القضائي لتحويل القضاء إلى سلطة مستقلة. هذه الإجراءات تمثل الطريق الأساسي لإنقاذ لبنان و اللبنانيين والحفاظ على وحدة لبنان وانتمائه العربي وحمايته من التدخلات الإقليمية والدولية السلبية في شؤونه الداخلية”.

محمد الليثي

صحفي وباحث في الشؤون الإسرائيلية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى