من “شحرور” إلى “عمارة” و”يعقوب”.. استقطاب ثقافي حاد لا يُهدّئ من وقعه الموت!

هاني نسيرة

كاتب وخبير سياسي

حتى الموت وحتى اللحظات الإنسانية العامة لم تعد ترحمنا من سيطرة سجالات ومعارك الاستقطاب الفكري الحاد الماثل في مشهدنا الثقافي الراهن، الذي فَقَدَ قدرته على الفعل والتأثير، وتاه في متاهة الانزواء والاختلاف معًا، دون تفاعل حقيقي وإيجابي قادر على تجاوز أزماته ومواجهة تحدياته. أسترجع هذا وأنا أشاهد ما حدث في جنازة “محمد شحرور” قبل شهرين ممثلًا لتيار محسوب على التنويريين، أو “د. محمد عمارة” كأحد أبرز رموز الفكر الإسلامي المعاصرين.

مقدمة لا بد منها

تمهيدًا وتبسيطًا لهذا المقال نذكر ببدهية أن الاختلاف لا يعني الدناسة، ولا يعني الاتفاقُ القداسة، وداخل المختلف وفي صورته وخطابه ما قد يساعدنا على فهم الذات والإضافة لها، وتصحيح عيوبها، وربما لو استنفاراته للذات ما أعادت اكتشاف بعض جوهرها وجوانب تقدمها من تراثها، كما أجاب السيد “رشيد رضا” سنة 1902 على أحد المعترضين عليه بأن الشورى هي الديمقراطية، وأننا في غنى عن الأخيرة، فأجابه ناهرًا له: بأنه لولا الديمقراطية ما تَذَكّرنا أن لدينا شورى أصلًا، أو كما قال.
وعلى مستوى الأشخاص والأفراد، لا يمكن لمنصف إنكار جهود بعض محققي التراث وناشريه في خدمة ثقافتنا وخطابنا المعاصر، رغم الاختلاف الأيديولوجي بين التيار العلماني والتيار الأصولي الذي ينتمون إليه أو يُحسبون عليه. فليس من الإنصاف مثلًا إنكار جهود أمثال “عبدالسلام هارون” أو “السيد أحمد صقر” أو “محمود محمد شاكر” وشقيقه أبو الأشبال أو “محمود الطناحي” في المجال الأدبي والديني، أو “محمد عمارة” في نشر عدد من ذخائر تراث النهضة وإعادة نشرها وما بذله من مجهود في هذا السياق.
ربما تجوز الرؤى النقدية في سياقات الدراسة والاحتفاء العلمي، لكنها تبقى محل تحفظ في لحظات الموت الذي لم يقوَ مقامُهُ ولا حضوره المدوّي عند وقوعه على وقف هذه السجالات من الاستقطابات والكراهية، بين مؤيديه الذين رأوا في موته خسارة لمنجنيق من مجانيق الأصولية أرهب وأرعب العلمانيين! أو عند معارضيه الذين رأوا في موته خيرًا لكونه أحد دعاة التعصب والكراهية الأصولية، وتحولت جنازة المواقع التواصلية والوسائل الإعلامية -في الغالب- إلى ساحة للاستقطاب الحاد والسباب المتبادل بين المؤيدين والمعارضين.
نرى أن الاستقطاب الحاد وما يُفرزه من خطاب الكراهية والنفي المصمت والمنغلق، ينزع عنّا فضيلة الإنصاف والتفاهم أحيانًا، فقد لا يكون المختلف شرًّا كله، بل خيرًا في بعض جوانبه، والعكس أيضًا صحيح.
يكرس الاستقطاب الحاد والنفي المتبادل غياب معقولية التنوع وفكر الاختلاف عند تناولنا لأي مسألة أو قضية. فالصوت واحد، واللحن واحد، والوتر واحد، والمنشدون متشابهون، وعلى الكل ألا ينتبه لغير الوحدة والتوحيد وإدماج الكل فيه! فيختفي التسامح الثقافي والديني والفكري عن المشهد ككل، وتحضر مفاهيم رديئة معيقة للفكر ومشوهة له، سواء الردة الدينية عند الأصوليين الدينيين، أو الردة الفكرية عند الأصوليين الأيديولوجيين.
العداء المتبادل الماثل في المشهد الثقافي الراهن الآن، بين ما يُعرف بتيارَيِ الأصالة والمعاصرة، وليس فقط بين تياري التنوير ومواجهة التطرف من جهة والتطرف من جهة أخرى؛ يكشف انحراف وانحدار بعض ممثلي التيار المدني واستخدامهم للأدوات نفسها التي يستخدمها خطاب التطرف، من قبيل: التكفير الفكري، والتخوين، والنفي، وعدم الاعتراف، ورفض حق الاختلاف، في نزوعٍ شمولي للصور النمطية يحجب الحقيقة ويحتكر الحق، وهي سمة للأصولية كمنهجية وذهنية وليس فقط للتيار الأكثر التصاقًا بها.
وهذه الذهنية الانعزالية الإقصائية المنغلقة لا شك أنها من أبرز عوائق تفاعلنا الحضاري مع الحداثة الغربية التي يراها البعض شرًّا كلها، كما يراها البعض خيرًا كلها، في غياب للنقد المزدوج، والموضوعي المتزن. ونزيد أنه أيضًا يحجبنا عن فهم الذات واستيعابها وتطويرها وحوار تنوعاتها لتتحول إلى شظيات متلاطمة ومتصادمة يقتل بعضها بعضًا ويُشعل بعضها بعضًا.
لا شك أنه ليس هناك ما يُقبل كله ولا ما يُرفض كله، كما أن حق النظر متعدد بتعدد أنفاس البشر، كما أن الحقيقة قد تأتي على لسان الخصم كما قد تأتي على لسان النصير. قديمًا وصف الإمام “الذهبي” في سير أعلامه “أبا نواس” بأنه كانت له “حسنات في بحر ذنوبه”، فليس كل مختلف خاليًا من الحسنات، وليس كل متفق وموالٍ خاليًا من السيئات.
أثارتني هذه الأفكار مع تمكن الاستقطاب الحاد من واقعنا الثقافي، وسيطرة الذوات والنزوات، وغياب أي جسور للحوار الفكري والعلمي الراقي القادر على إنتاج فعل أو انتقال نوعي في مجال الأفكار. شاهدناه ونشاهده عند كل حادث وحديث. عند وفاة الكاتب الإسلامي الدكتور “محمد عمارة” في 28 فبراير المنصرم، كما شاهدناه عند اختلاف المحاورة والمساجلة بين شيخ الأزهر ورئيس جامعة القاهرة، وشاهدناه في الجدل الذي أعقب تكريم الدكتور “مجدي يعقوب” في الإمارات العربية المتحدة، ليعود لنا الحوار ليس استمرارًا للبناء والدور الإنساني، ولكن حديثًا دينيًّا وكهنوتيًّا خاصًّا حول موقفه من الجنة! رغم أن أصل الموضوع لم يكن كذلك.
لم يعد يبدو المختلِف إلا خصمًا عدوًّا يستحق الإبادة أو النفي الكامل، خاصة من قبل الأصوليين، إسلاميين وعلمانيين على السواء، ويتشتت المجتمع بين “مع” و”ضد” دون وصل بينهما، يسكن إحدى الفسطاطين، فسطاط الإيمان أو الكفر، ويتجمد دور الثقافة والمثقف والتنوير الزاعق في الغالب عند تعميق الفجوة بين المختلفين، وعند ما هو سلبي قائم في غياب أي جسور للحوار والتوافق -ولا أقول الاتفاق- والتفهم المتبادل، والتطوير الممكن. كانت ثمة محاولات عميقة ودؤوبة منذ عقود لمحاولة إيجاد فضاء مشترك يبدو الآن أنه مستحيل أو أنه معاق، ليس فقط على المستوى والبعد السياسي، بل امتد لما هو ثقافي وفكري وأيديولوجي بشكل كامل، مع تسييس كل شيء، وغياب النقد الذاتي -فريضته وفضيلته- عن الغالبية.

آفات كثيرة تخترم خطابنا الثقافي الراهن

آفات كثيرة تخترم واقعنا ومشهدنا الثقافي الراهن، مصريًّا بالخصوص وعربيًّا بالعموم. مساجلات تلو مساجلات، واستقطابات تناطح استقطابات، وقطع نيتشوية تشعل أختها، وإثارة إعلامية لا تستهدف الاستنارة ولا توسيع الأفق والمشاركة المجتمعية، وتحارب التطرف بتطرف مضاد أحيانًا كثيرة، فتُزْكي أواره قبل أن تُطفئ ناره.
ما إن تأتي مناسبة أو تعبر حادثة أو يرحل راحل أو يكرم مكرم، في جدلنا السائر وخطابنا الراهن، محل اختلاف بين التيارات الفكرية المختلفة، أو تحتمل اختلافًا في قراءة الشأن العام؛ إلا ونلحظ استقطابًا حادًّا وكراهة زاعقة وضجيجًا لا حد له، يشتهي التشفي والانتقام ويتنفس الكراهية، يغيم على كل جدل غيومه، مع غياب أو استحالة لتوافق أو حوار، فضلًا عن غياب فضيلة الإنصاف الجزئي لأي مختلف وإن اختلفنا معه اختلافًا كليًّا.
الخطورة ليست في غياب الاعتراف وهشاشة الإيمان بحق الاختلاف، ولكنها كامنة في اتساع المسافات بين الجزر المنعزلة، وشيوع خطاب الكراهية والإقصاء، وأحيانًا البذاءات في جدلنا العام. مع غياب النقد الموضوعي تحزبت الأحزاب، وحضرت الذوات. وليست المنصات العشوائية للمواقع التواصلية وبعض منصاتنا الصحفية والإعلامية، إلا تكرارًا للصدى في الموقف من الآخر الجحيم المكروه الذي يجب نبذه ودفنه دون بكاء أو أسى، وعادت كل مثالبنا الماضية من التفكير التآمري السحري الذي يرى كورونا مؤامرة أمريكية، إلى التحزب وغياب الأرضية المشتركة:
إن التحزب الشديد يمثل عائقًا عمليًّا وفكريًّا عن إنتاج أي عمل ممكن، فهو قطع مع الماضي كما أنه قطع مع الحاضر، وكثيرًا ما فشلت تجارب عظيمة بسبب تحزب بعض أطرافها وتحيزهم الشديد لذواتهم وأفكارهم، وقد يتم هذا بفعل ذاتي منهم أو بفعل مستفيد من هذا التحزب والتشتت، فعلها القصر والسراي مع التحالف الذي قام بثورة 1919 لتفشل في النهاية ولا تتحقق نتائجها، ويتحول بعض أبرز المشاركين في وفدها إلى أعداء لها ومنقلبين على دستورها، مثل “إسماعيل صدقي باشا” ودستوره الديكتاتوري سنة 1946، أو الأحكام العرفية وتعطيل دستور 1923 في ثلاثينيات القرن الماضي.
إن اللحظة المعقدة والمركبة -وطنيًّا وإقليميًّا وعالميًّا- وهي لحظة ظرف ما بعد حداثي بامتياز، اتسعت فيه التحديات كما اتسعت فيه المشتركات، وتتعدد فيه الروافد الأيديولوجية للمعرفة والمعلومة، مع أو ضد؛ تحتاج رُوحًا أخرى تتسع لها بالتمكين لمعقولية التنوع لا معقولية الإدماج، ومعقولية الحوار والتوافق لا معقولية القطع، قطع الجسور. فقطع الجسور بين القائم والمأمول تعني فقط بقاء الأوضاع على ما هي عليه على كل المستويات، وغلبة خطاب التطرف الديني والفكري والسياسي والشعبوي على كل مجريات أمورنا، وهو ما انجرف له كثير من العقلاء مع سهولة تصديره العشوائي والتواصلي الصارخ والصاروخي في كل مكان.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search