من نفرتيتي للشيخ عبد الباسط

أكراد ومصريون: كثير من التاريخ والسياسة

منذ قرابة العام، وافقت مصر على فتح مجلس سوريا الديمقراطية ممثلية خاصة بالقاهرة كبداية لتعاون رسمي معلن بين القاهرة وما يعرف بالإدارة الذاتية بشمال سوريا التى يمثلها مجلس سوريا الديمقراطية.

وقد سبق ذلك بسنوات قليلة افتتاح مكتب لوكالة “فرات” للأنباء، والتى تعتبر الوكالة الإخبارية الرسمية لأكراد شمال سوريا.

لا يمكن اختصار العلاقة المصرية الكردية في مكاتب إدارية لمؤسسات كردية لم يتعد عمرها بالقاهرة أصابع اليد الواحدة، فالعلاقة كما يتحدث عنها مؤرخون أكراد ومصريون تمتد لمراحل متعددة من التاريخ المصري حتى تصل إلى زمن الفراعنة.

الأكراد عبر العصور

فى كتابها الهامّ “الكرد في مصر عبر العصور” وثَّقت الكاتبة المصرية ذات الأصول الكردية درية عوني العلاقات الكردية المصرية، وتحدثت عن الوجود التاريخي للأكراد في مصر ودورهم في نهضتها.

درية عوني

وبحسب المؤلفة، فقد هاجر الكثير من الأكراد إلى مصر وانقطعت جذورهم مع موطنهم الأول، وصاروا مصريين، وقدموا الكثير لمصر في مختلف المجالات منهم على سبيل المثال: الشيخ محمد عبده، وقاسم أمين، والأديب عباس محمود العقاد، وأمير الشعراء أحمد شوقي، والعائلة التيمورية، والمخرج علي بدرخان، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والفنانة سعاد حسني وشقيقتها نجاة، وغيرهم كثير.

وصل الكرد إلى حكم مصر أكثر من مرة، فالدولة الأيوبية التى أسسها صلاح الدين الأيوبي، وتولت الحكم في مصر وسوريا والعراق من 1171م حتى 1260م، سلالتها كردية الأصل، كما أن أسرة محمد على باشا التى حكمت مصر في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي أصولها كردية، ترجع لمدينة ديار بكر، معقل الأكراد بتركيا، بحسب المؤلفة التي استندت إلى حوار للأمير محمد علي، حفيد الأسرة العلوية، مع مجلة المصور عام 1949، كشف فيه أن أصلهم أكراد من ديار بكر، وليس كما يشاع تاريخيًّا بأن أصولهم من اليونان.

محمد علي باشا الكبير
نفرتيتي الكردية

المؤرخ الكردي براودست ميتاني، كان له رأي آخر بشأن العلاقات المصرية الكردية، ويوضح في حوار مع “ذات مصر” أن العلاقة بين الطرفين أعمق وأقدم بكثير من فترة حكم الأيوبيين وأسرة محمد علي.

فبحسب “ميتاني” فعلاقات مصر مع الكرد تمتد لزمن الفراعنة والميتانيين أجداد الكرد، لافتا إلى أن كلا الطرفين كانا يتنافسان على اقتسام النفوذ بالمنطقة، ووقعت بينهما الكثير من الحروب والمواجهات العسكرية حتى انتهى الأمر باتفاق سلام دشن لمرحلة جديدة بين الطرفين توجت بمصاهرة ونسب بين الفرعون إمنحوتب الثالث المعروف بإخناتون، والأميرة الميتانية جيلو كيبا أو نفرتيتي كما اشتهرت بين المصريين.

نفرتيتي

ومن الماضي، نعود سريعًا إلى الحاضر إذ العلاقات المصرية الكردية، علاقات ربما عبر عنها صراحة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بقوله خلال مؤتمر الشباب  ديسمبر/ كانون الأول 2019 بأن أحدًا لا يستطيع محو الهوية الكردية، وهو التصريح الذي لاقى قبولا كرديًّا كبيرًا، خاصة أن مصر كانت ولا تزال تمثل للكرد قيمة كبيرة، وينظر إليها عموم الكرد بالكثير من الاحترام  والتقدير.

مجلس سوريا الديمقراطية

تصريحات “السيسي” عن الهوية الكردية تزامنت مع اعتراف القاهرة بمجلس سوريا الديمقراطية “مسد”، وهو الوعاء السياسي الذي شكَّله الأكراد بالتعاون مع مكونات سياسية وعرقية أخرى بشمال سوريا، مع تدشين إدارة ذاتية لتسيير شؤون شعوب المنطقة بعد اشتعال الأزمة السورية.

مجلس سوريا الديمقراطية يملك قوة عسكرية تحمل نفس الاسم (قوات سوريا الديمقراطية) وتتهمها تركيا بتهديد أمنها القومي، وتصنفها كتنظيم إرهابي رغم كونها عضوًا بالتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وكان لها دور فعال باعتراف دول العالم في مواجهة تنظيم داعش، وإسقاط خلافته المزعومة، واستعادة الأراضي التي سيطر التنظيم عليها في سوريا.

ويرى سيهانوك ديبو، ممثل مجلس سوريا الديمقراطية بالقاهرة، في حديثه إلى “ذات مصر” أن وجود المجلس في القاهرة خطوة في الاتجاه الصحيح من أجل أن يكون لـ”مسد” وجود في عواصم عربية أخرى، مشيرًا إلى أن العلاقة مع مصر مسألة إستراتيجية، ليست وقتية أو طارئة.

سيهانوك ديبو

ورفض سيهانوك ما يردده البعض عن أن العلاقات المصرية مع أكراد سوريا مكايدة سياسية لتركيا قد تنهي حال عودة العلاقات بين القاهرة وأنقرة، مشيرًا إلى أن الأكراد لا ينظرون إلى الأمر من هذا القبيل، خاصة أن العلاقات المصرية الكردية تعود بدايتها إلى ما قبل تأسيس الدولة التركية بمئات السنين، وحتى قبل تأسيس السلطنة العثمانية بأكثر من قرنين، وبعض المؤرخين يرجعها إلى العهد الفرعوني وإلى معاهدة قادش.

انفتاح مصر على المعارضة الكردية

وأوضح في حواره مع “ذات مصر” أن القاهرة منفتحة على المعارضة الوطنية السورية، والكرد جزء مهم من هذه المعارضة، وثوابت مصر تجاه وحدة وسيادة سوريا تتطابق مع رؤية مجلس سوريا الديمقراطية لحل الأزمة السورية.

وعن طبيعة عمله بالقاهرة، قال سيهانوك ديبو إنه يسعى من خلال وجوده لتأكيد حقيقة أن الكرد جزء مهم وأصيل من شعب سوريا المتنوع، وأن مشروعهم سوري وطني ديمقراطي، مشيرًا إلى أنهم يسعون للاستفادة من الخبرات المصرية على جميع الأصعدة، في تجربة شمال وشرق سوريا، أو في عموم سوريا إن كان بإمكانهم ذلك.

وسبق لـ”ديبو” أن التقى في يوليو/ تموز الماضي الأمين العام المساعد للجامعة العربية، حسام زكي، في مقر الجامعة ممثل مجلس سوريا الديمقراطية في مصر سيهانوك ديبو لعرض رؤية مجلس سوريا الديمقراطية للحل السوري ومشروع الإدارة الذاتية ودور قوات سوريا الديمقراطية في التصدي للإرهاب وتعزيز السلم الأهلي.

ديبو وحسام زكي
يونيفيل عربي في شمال سوريا

وأكد ديبو لـ”ذات مصر” أن مشروع الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا ضد الانفصال والتقسيم ويسعى نحو المزيد من التكامل المجتمعي السوري، معتبرًا أن حل القضية الكردية في سوريا بنحو عادل، وفي عموم المنطقة، يُعد أحد أهم المخارج القويمة نحو تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وليس فقط في سوريا.

وبسؤاله عما يريد الأكراد من مصر، قال ديبو إن مجلس سوريا الديمقراطية كان يعتقد أن وجود “يونيفيل” عربي يحظى بدعم الشرعية الدولية وفي إطار الجامعة العربية في شمال سوريا، من الممكن أن يمنع الأتراك من احتلال مدن تل أبيض ورأس العين، ولكن دور الجامعة العربية للأسف محدود في الملف السوري، ولا وجود لها أو لمكوناتها في شمال سوريا حتى اللحظة.

واعتبر ممثل سوريا الديمقراطية بمصر أن القاهرة يمكن أن تكون راعية للحوار بين السلطة السورية و”مسد” إلى جانب موسكو بالطبع، وسبق أن طلب المجلس من القاهرة الوساطة مع دمشق قبل ذلك، وسنكرر الطلب حال توفر الفرصة المناسبة لذلك، كما يمكن أن تلعب القاهرة دورًا مؤثرًا في الحوار الكردي – الكردي الذي هو بالأساس حوار سيادي سوري معتبرًا أن دخول القاهرة كراعية للحوار يعزز فرص نجاحه بقدر كبير.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محسن عوض الله

صحفي مصري

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram