سياسةمختارات

مهمة سريّة في الجنوب الليبي.. نفض الرمال عن “نووي” القذافي!

 

كان مشهدًا غير مألوف أن تحط طائرة، صغيرة الحجم، في مطار سبها صباح السادس من أكتوبر/تشرين الأول الحالي. إنها أول رحلة يستقبلها المطار منذ أن قررت القيادة العامة للجيش الوطني الليبي تعليق الملاحة الجوية فيه عن العمل.

خرج من الطائرة عدد قليل من عناصر الجيش، و”غرباء” شاهدهم الأهالي يغادرون المطار معتقدين أن هؤلاء الغرباء يتبعون بعثة للأمم المتحدة تراقب الوضع في ليبيا أو إحدى المنظمات الدولية الناشطة في مجال الإغاثة، لكن الأمر لم يكن كذلك.

سرعان ما اصطُحِب العسكريون “الأجانب” إلى إحدى المنشآت المهجورة، حيث ارتدى عدد منهم “ثيابًا بيضاء”، وأخذوا يعاينون عددًا من “البراميل” الملقاة دون عناية في المكان.

اتضح أن هؤلاء يتبعون الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقد قدِموا إلى الجنوب الليبي في “مهمة خاصة”، كما أفصحت مصادر محلية لموقع “ذات مصر”، حيث “اتسم عملهم بقدر كبير من السرية والكتمان”.

لقاء وفد وكالة الطاقة الذرية مع المشير خليفة حفتر

مخلفات نووية؟

لكن ما الداعي إلى زيارة هذا الوفد مكانًا مهجورًا في صحراء ليبيا النائية؟ الإجابة وفق المصادر هي أن المكان يحتوي على مخلفات “نووية”، يسعى الوفد للتأكد من أنها ستبقى “بعيدة عن الإرهابيين” الذين ينشطون في المنطقة.

تلك المخاوف موجودة منذ سقوط النظام السابق في العام 2011، إذ تمكنت ميليشيا مسلحة في العام 2015 من الاستيلاء على أسلحة كيماوية، وهي مواد فتاكة ضمّت غاز الخردل والسارين، فى مخازن تقع فى تجاويف جبلية بمنطقة مشروع اللوز على الطريق بين منطقتى بوجهيم وهون، بحسب ما كشفته مصادر عسكرية لجريدة “الشرق الأوسط” اللندنية، التي أشارت إلى إجرائها تجربة لتلك الأسلحة قرب بلدة مزدة على بعد 160 كيلومترًا جنوب العاصمة طرابلس.

لا تُعرف بالتحديد طبيعة تلك المخلفات، لكن كما يتداول سكان محليون في المنطقة، فإن غالب الموجود “وقود نووي”، إضافة إلى كميات من “اليورانيوم” كان يستخدم في المفاعلات التي كانت تملكها ليبيا ضمن برنامجها النووي السلمي في ثمانينات القرن الماضي، كما قيل في وقتها.

زيارة وفد وكالة الطاقة الذرية إلى المخزون النووي في مدينة سبها

المخزن الموجود داخل إحدى ضواحي مدينة سبها، يمثل هاجسًا ومصدر قلق للسكان، كما تكشف المصادر، التي أشارت إلى وجود حديث عن اتساع لدائرة الإشعاع، خصوصًا أنه مرت عدة عقود على وجود تلك المواد “النشطة إشعاعيًّا” في المكان، مع إخفاق جهود التخلص منها.

وأوضحت المصادر أن قيادات المنطقة العسكرية الجنوبية عقدت لقاء مع الوفد الأجنبي، تناول مسألة تحسين سبل حفظ المواد المشعة، وأساليب التأمين، خاصة أنه لا يمكن التخلص منها بالدفن، خوفًا من تسببها في أضرار ستلحق بالمخزون الجوفي من المياه –في المنطقة والجنوب عمومًا- الذي يمثل المصدر الرئيس للنهر الصناعي المغذي للمدن الليبية في الشرق والغرب.

واختتم وفد الوكالة زيارته إلى ليبيا بلقاء مع القائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر، في مقر القيادة العامة بالرجبة شمالي البلاد، حيث لم يصدر الجيش سوى بيان مقتضب، جاء فيه أن الطرفين “بحثا تعزيز التعاون” المشترك بينهما، دون أن يفصح عن المزيد من التفاصيل.

صورة لمعمر القذافي بعد الثورة الليبية

اختبارات في فيينا

“الغموض” الذي أحاط بتلك المهمة دفعنا لمراسلة وكالة الطاقة الذرية للتقصي عن مزيد من المعلومات، إلا أنها فضلت عدم التعليق على الأمر.

الوكالة في تعليلها عدم الإجابة عن سؤالنا عن أسباب تلك الزيارة قالت إن “أنشطة التحقق من الضمانات الخاصة بمواقع (الأنشطة الذرية) سرية”.

لكن بحسب الوكالة، فإن المفتشين في مقرها بالعاصمة النمساوية فيينا، يجمعون عينات تحتوي على جسيمات الغبار في مرافق نووية ومواقع أخرى، باستخدام عملية تعرف باسم أخذ العينات البيئية.

وتسمح هذه العينات، على شكل مسحيَّات قطنية، بتحليل آثار المواد النووية التي يمكن أن تكشف معلومات حول الأنشطة الحالية والسابقة في المرافق النووية، والتحقُّق مما إذا كانت دولة ما تفي بالتزامها القانوني بعدم تحريف المواد النووية عن الأنشطة السلمية أو الانخراط في أنشطة نووية غير معلنة.

ومن خلال مجموعة من التدابير التقنية، أو الضمانات، تتحقق الوكالة من أن الدول تحترم هذه الالتزامات القانونية الدولية في منع انتشار الأسلحة النووية.

الكاتب أبو القاسم صميدة

سلاح القذافي

يشير الكاتب الليبي أبو القاسم عمر صميدة إلى أن البرنامج النووي اللليبي بدأ في شقه السلمي خلال ثمانينات القرن الماضي، قبل أن يتجه القائمون عليه إلى تحقيق طموح العقيد معمر القذافي بصناعة سلاح نووي منذ العام 1995.

صميدة أصدر كتابًا يحمل عنوان “الملف النووي الليبي والخروج بالورقة الحمراء” في العام 2018، يروي فيه معلومات وصفها بأنها “تقال للمرة الأولى عن الملف النووي الليبي”.

وقد تمكنت ليبيا من تصنيع جهاز طرد مركزي عالى الدقة العام 2001، بحسب صميدة، إضافة إلى وحدات صغيرة لتخصيب اليورانيوم كبديل عن المفاعلات النووية، بمساعدة عالم ألماني كبير وآخر سويسري.

القذافي حرص على إبقاء الملف طي الكتمان، حتى إن قيادات عليا كانت مقربة من الزعيم الليبي الراحل، لم تطلع عليه، كما يحكي صميدة، الذي أضاف أن “المسؤول السياسي عن المشروع كان المهندس معتوق محمد، والذي كان يشغل منصب وزير التعليم وقتذاك”.

صميدة يعتقد أن العلماء الليبيين انتهوا من التجارب النووية وشغّلوا منظومة تركيب اليورانيوم، ولم يكن يتبقى لهم إلا إذن القذافي لبدء صناعة القنبلة النووية في العام 2002؛ لكنهم –العلماء- فوجئوا بعدها بـ3 سنوات بقرار القذافي تسليم ترسانته النووية إلى الغرب على شاشات الفضائيات.

مفاعل نووي تجريبي بمدينة تاجوراء

الكاتب الليبي كشف أن روسيا ساعدت في تأسيس مفاعل نووي تجريبي بمدينة تاجوراء الليبية، القريبة من الساحل، كما منحت طرابلس 200 طن من اليورانيوم الجاهز كهدية، كما استقدمت البلاد العالِمين: الألماني إيميل شتاخي والسويسري فريدريك، وقد ساعد الأخير باكستان في مشروعها النووي.

18 كيلوجرام يورانيوم

وفقا لصميدة، امتلكت الدولة الليبية 18 كيلوجرامًا من اليورانيوم الخاص بمفاعل تاجوراء، لكن هذه الكمية كانت مراقبَةً دوليًّا، وقد أُنتِجت المواد الخاصة بالمشروع النووي الليبي في دول عدة مثل جنوب إفريقيا، ماليزيا، سنغافورا، تركيا، بعيدًا عن أعين مسؤولي تلك الدول، عبر شبكة ضخمة أقامها القذافي في الكثير من مدن العالم بهدف خدمة المشروع النووي الليبي، وقد جاء جهاز “سيمانك7”  المهم لإنتاج السلاح من الولايات المتحدة، بحسب صميدة.

كما “جُلِبت أجهزة الكمبيوتر (السوبر) من فرنسا وحجزت هناك واكتُشِف أمرُها، ولكن استطاعت ليبيا نقلها إلى سويسرا ومنها إلى ليبيا، كما نجح علماء ليبيون في إنتاج جهاز طرد مركزي عالي الدقة”.

وينفي صميدة توقف ليبيا عن مشروعها بسبب الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003، كاشفًا أن مفاوضات “تفكيك” المنشآت بدأت قبل هذا التاريخ بعام، وحينها كان القائمون على المشروع يستعدون للاحتفال بإعطاء الإذن لهم في إنتاج اليورانيوم المخصب، إلا أنهم فوجئوا ببدء المفاوضات الليبية مع الغرب لإنهاء المشروع برمته.

يذكر أن القذافي أعلن في 19 ديسمبر/كانون الأول 2003، أن ليبيا ستزيل طوعًا جميع المواد والمعدات والبرامج التي يمكن أن تؤدي إلى أسلحة محظورة دوليًّا، بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل والصواريخ الباليستية البعيدة المدى، وقد قدمت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بالفعل، المساعدة في إزالة المعدات والمواد من برنامجها للأسلحة النووية، مع قيام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعمل مستقل في هذا الشأن.

 

السيد نجم

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى