زوايامختارات

موت غير مُعلن.. لماذا لا ينجح الإسلاميون رغم هيمنتهم؟

رغم الهيمنة الطويلة والمديدة لحزب البعث فإنه يصعب العثور على من قرأ أيًّا من أدبيات حزب البعث طوعًا

 

احتكر حزب البعث في سوريا السلطة منذ عام 1963، بعد فترة قصيرة جدًّا من المشاركة مع الناصريين وجماعة اللواء زياد الحريري. وخلال هذه الفترة تضاعف عدد سكان سوريا عدة مرات، فالغالبية لم تعرف رئيسًا من خارج عائلة الأسد، وغالبية أكبر لا تعرف سوى سوريا يحكمها حزب البعث.

ورغم الهيمنة الطويلة والمديدة لحزب البعث فإنه يصعب العثور على من قرأ أيًّا من أدبيات حزب البعث طوعًا، فلا أحد يقرأ ميشيل عفلق إلا لدواعي البحث في تطور الأيديولوجيا القومية مثلاً، كذلك لن ترى من يقرأ بعض المنطلقات النظرية إلا إذا كان مؤرخًا مَعنيًّا بدراسة التطور الأيديولوجي لحزب البعث، لن ترى أحدًا يقرأ خطابات حافظ الأسد. الحزب الذي احتكر الدولة كلية لعقود وسخَّر كل إمكانياتها لنشر عقيدته وتربية النشء عليها وجعل الانتماء إليه شرطًا للتوظف أو الترقي فيها، لا يوجد من يقرأ أدبياته ويهتم بها من خارج سؤال المنفعة المباشرة.

في المقابل تُقدّم جماعة الإخوان المسلمين، والإسلام السياسي عمومًا، صورة مغايرة تمامًا. فالجماعة التي تعرضت إلى قمعٍ وحشي واستئصال كلي، وصولاً إلى الحكم على منتسبيها بالإعدام، انتهى وجودها الفعلي في سوريا عقب فشل تمردها في الثمانينات، وتحوّل من بقي من أعضائها، وعائلاتهم، الناجين من الموت أو السجون إلى منفيين خارج بلادهم.

كذلك، ضُيِّق بشدة على أية محاولة لإيصال صوتها إلى الجمهور، حتى الفكر الذي تصدر عنه الجماعة لم يعد ممكنًا الوصول إلى مصادره. لن تجد كتب سيد قطب في المكتبات، ومحاولة الحصول عليها بطرائق ملتوية قد تكون وخيمة العواقب. لكن رغم هذا القمع يحظى هذا التيار وإيديولوجيته بموقع أفضل بكثير من حزب البعث، حزب الدولة. فأعمال قطب معروفة ومقروءة وتحظى بتأثير أكبر بكثير من أي منظر بعثي، بل من جميع المنظرين البعثيين معًا.

يشير هذا التفاوت إلى مفارقة: ما الذي يجعل من الدولة السورية، بكل إمكاناتها، عاجزة عن تأمين هيمنة إيديولوجية لحزبها، في حين ينجح تيار معارض، رغم القمع والتنكيل، في تحقيق هذه الهيمنة؟

بالطبع يجمع السؤال أعلاه سؤالين يمكن تناول كلاهما منفصلاً: يتعلق السؤال الأول بضعف هيمنة الدولة (أو ردائها الإيديولوجي)، ويحيل الثاني إلى الهيمنة الكبيرة للتيار الإسلامي. فقد لا يكون بينهما ارتباط شرطي ضروري، فضعف هيمنة الدولة لا يعني بالضرورة قوة التيار الإسلامي وهيمنته، إنما هناك إمكانيات منطقية أخرى تتمثل بهيمنة تيارات أخرى (مثلاً تجربة اليسار على مستويات مختلفة في الستينات وبداية السبعينات) أو حتى انحطاط الهيمنة عمومًا وتحوّل المجتمع إلى جماعات متعادية ومتناحرة. لكن جمع هذين السؤالين يفيد في إظهار المفارقة بجلاء: عجز إيديولوجيا الدولة رغم السطوة والإمكانات المهولة، مقابل هيمنة مضادة تتحقق رغم القمع والاستئصال.

يحيل المثل السوري إلى وجود حزب إيديولوجي وراء الدولة، بما قد يفضي إلى اعتبار سؤال الهيمنة مرتبطًا بإيديولوجيا حزب البعث. لكن يمكن تناول أمثلة أخرى، كما مصر، لم يكن لها حزب إنما تشكل لاحقًا بوصفه حزب الدولة، وتغيَّر مرات بالترافق مع كل تغيُّر في الإستراتيجية التي تنتهجها الدولة.

مواطن سوري يقرأ جريدة البعث

مواطن سوري يقرأ جريدة البعث

يمكن تمييز عدة مقاربات لتناول الدولة وعلاقتها بمجتمعها. هناك مقاربة تنظر إلى الدولة بكونها فاعلاً عقلانيًّا وأخلاقيًّا بالدرجة الأولى، يقف فوق مجتمعه متجاوزًا ومتعاليًا عن انقساماته وانشطارته الواقعية، الطبقية أو الأهلية وهَلُمّ. يقدم التقليد الهيجيلي وورثته عربيًّا، مثل كتاب “الدولة والمجتمع” لعبد الإله بلقزيز، نموذجًا مثاليًّا عن هذا التوجه. لكن في الحقيقة لا تقدم هذه المقاربة فهمًا للدولة أو لعلاقتها بالمجتمع بقدر ما أنها هي نفسها إيديولوجيا دولة، وعي الدولة لنفسها، كيف تنظر إلى ذاتها في المرآة. لهذا سندعها جانبًا لكونها لا تضيف إلى المسألة سوى العمى الخاص بالدولة نفسها.

تنظر المقاربة الأخرى إلى الدولة بوصفها تعبيرًا عن مجتمعها، صراعاته ونزاعاته، فالدولة إما تسوية بين الجماعات وإما التعبير السياسي لهيمنة إحداها. الماركسية نموذج كلاسيكي لهذه المقاربة. فالدولة، بحسب هذا التصور، شكل سياسي للهيمنة الطبقية وساحة سياسية للصراع الطبقي. لا تقدم هذه المقاربة، بشكلها الكلاسيكي، إجابة مفيدة للإشكال الذي نواجهه.

فنحن نرى أمامنا شيئًا مغايرًا، الدولة تقف في مواجهة مجتمعها، خارجية وغريبة وعاجزة عن تحقيق حضورًا فيه. قُدمت عدة محاولات نظرية مثيرة للاهتمام لتجاوز الشكل التقليدي لهذه المقاربة، أبرزها محاولة الراحل نزيه الأيوبي في عمله الموسوعي “تضخيم الدولة العربية“.

في مسعاه لفهم وتفسير تضخّم الدولة، وخاصة في حالة النظم الشعبوية السلطوية التي ظهرت خلال الخمسينات والستينات، عمد الأيوبي إلى تقديم ملاحظة مهمة ظهرت قبلاً في الأدبيات الماركسية عن عجز الهيمنة الطبقية. فقد أشار الأيوبي إلى أن ظاهرة السلطوية، التي رافقت الانقلابات وتسلّم الجيش زمام السلطة، ارتبطت بعجز طبقة ما عن فرض هيمنتها الإيديولوجية وتقديم نفسها بوصفها الشعب بكامله، مثلما فعلت البرجوازية الأوروبية سابقًا.

عجز البرجوازية أو الطبقة العاملة العربية عن تحقيق الهيمنة وإنجاز ثورتها، فرض تعادلاً بين الطبقات المتواجهة سمح للدولة (أو لجهاز مستقل والممثل بالجيش) بأن يقفز إلى السلطة ويستلمها، في ظل انعدام قدرة طبقة اجتماعية على فرض نموذجها. هنا يترافق تضخّم الدولة الهائل، اقتصاديًّا وقمعيًّا، في مقابل ضمور الشرعية. يجد هذا التحليل جذوره لدى ماركس عند تحليله للبونابرتية.

يشير هذا التحليل إلى نقطة مهمة تتمثل بالربط بين نموذج سلطوي وعجز الفاعلين الاجتماعيين عن الهيمنة، عن حشد الشعب (أو غالبيته) حول رؤية مشتركة للنظام الاجتماعي. يبقى أن هذا النموذج يعتمد أساسًا على مفهوم الطبقة لوصف الفاعلين الاجتماعيين من جهة، والنظر إلى النظام السلطوي بوصفه تعبير عن حالة استثنائية في مسيرة الصراع الطبقي.

لكن في السياق العربي نواجه مشكلة مع هاتين القضيتين، حيث لا ينظر الفاعلون الاجتماعيون  إلى أنفسهم بوصفهم طبقات، بل يحيلون إلى روابط أهلية (طائفية واثنية وعشائرية…) أو إلى أشكال حياة متباينة (قيم وتصورات أخلاقية ، كما في الانقسام بين الإسلاميين وغيرهم).

أما في ما يخص النقطة الثانية، فرغم أن الشواهد التاريخية قد تدعم الأطروحة للوهلة الأولى (انقلاب البعث وتسلمه الحكم أتى بعد عجز النظام البرلماني عن حل أزماته وفي مقدمتها المسالة الزراعية، ثورة 1952 في مصر أتت بعد انهيار الثقة في الحكم الملكي والنظام البرلماني المترافق مع الاحتلال والتدخل البريطاني) يبقى في المقابل بعض الجوانب دون تفسير كافٍ، كالهشاشة التي ظهر عليها الحكم البرلماني لدى الجمهور، وما رافق هذا الحكم مثل قضايا الديمقراطية والشرعية وحكم الشعب، التي سهُل التخلي عنها. ظهر “الشعب” كأنه لا يبدي اكتراثًا لها، وجاهز للتخلي عنها بسهولة تامة، بل وحتى الاحتشاد والتعبئة ضدها مثل ما حصل في أزمة 1954 في مصر، فنحن لم نكن أمام صراع سياسي لأجل اكتساب حقوق سياسية، جاء التخلي عنها بسهولة.

أيضًا يغفل هذا الطرح القوة القاهرة التي ظهرت بها الدولة في مواجهة مجتمعها الذي بدا ضعيفًا وعاجزًا أمام بطشها، لكن أيضًا وبنحو مقلوب، غير قابل للتأثر بما تقدمه الدولة نفسها من إيديولوجيا (ويدخل فيه أيضًا الالتزام بالقانون والنظام القيمي الذي تسعى الدولة لفرضه وتصور الشعب/الأمة لنفسها). فالظاهرة التي رصدها الأيوبي، دولة باطشة وقاهرة لكنها غير قادرة على فرض نظامها وقيمها، وبالتالي غير قادرة حتى على تعبئة وحشد مواطنيها بالنحو الذي يمكنها من تحقيق ما ترغب فيه، تبقى بحاجة إلى تفسير يتجاوز استلام نظام سلطوي للسلطة في لحظة توازن القوى الاجتماعية المتصارعة.

المفكر السوري ميشيل كيلو

الدولة: النشأة الخارجية وضعف الهيمنة

تبقى المعضلة الأهم أمام هذه المقاربة هو أس نظرتها نفسها للدولة، بوصفها تصعيدًا للنزاع الاجتماعي إلى مستوى سياسي، فالدولة مرآة سياسية للصراعات الاجتماعية. لكن عربيًّا، تظهر الدولة في مواجهة المجتمع، معزولة عنه ومتنازعة معه، ولهذا فلا تحوز إيديولوجيا الدولة قاعدة اجتماعية قوية، أو شرعية تستند إليها في مواجهة خصومها. فلا يمكن التمييز بين إيديولوجيا الدولة وإيديولوجيا النظام، والأخيرة تظهر فقط بوصفها غطاء أداتي يستر رغبة وحاجة وحيدة للنظام وهي الاستئثار بالسلطة وحسب.

هذه الخارجية للدولة التقطها ميشيل كيلو في مقالة من طبيعة أنثروبولوجية “نعوات سورية” (جمع نعي) ورصد التباين اللافت للنعوات العائدة إلى ريفيين (علويون أساسًا) وتلك العائدة إلى البرجوازية المدنية (السنية خاصة). ففي النعوات يُذكر أقارب المتوفى بالترافق مع ذكر مهنهم. فأشار كيلو إلى غياب وظائف الدولة (والتي هي أساسًا وظائف عسكرية كما ظهر، وبما يشير بدوره إلى طبيعة التغلب القهري لفكرة الدولة) عن النعوات الخاصة بأهل المدن، فهنا يحضر المهندس والطبيب والصيدلي والتاجر، في المقابل يحضر رجال الدولة بكثرة في نعوات الريفيين/العلويين، ضباط وعاملين في أجهزة الدولة. هنا يمكن تعميق ما رصده بعثيون منشقون منذ استلام البعث للسلطة في سوريا بشأن غربة الحزب عن المدينة.

عربيًّا، يضمر التمييز بين الدولة والنظام، فالأخير يبتلع الدولة تمامًا. تتماهى مصلحة النظام وخياراته وأمنه مع تلك الخاصة بالدولة فلا يعود التمييز بينهما ممكنًا، وهو ما نشهده في الإعلام، وخاصة الإعلام الرسمي وشبه الرسمي وهو غالب الإعلام العربي، حين يصف المعارضين بوصفهم معارضين للدولة، ومتآمرين عليها. المواجهة لا تكون مواجهة مع النظام إنما مع الدولة نفسها (ومعها يمكن فهم ظواهر تدمير أشياء يفترض بها أن تكون ذات نفع عام، ولا تمكن الاستفادة منها، مثل إنارة الشوارع مثلاً).

هنا تسعفنا الملاحظة التاريخية بشأن نشأة الدولة العربية-المشرقية لفهم جانب مهم من هذه الإشكالية. فرغم أن الدولة العربية لم تنشأ على أساس الإدارة الاستعمارية كما هي حال العديد من دول العالم، وإن لعبت هذه الإدارة لاحقًا دورًا محوريًّا في تطويرها، لكنها نشأت كردٍّ على تحدٍّ خارجي وفي مواجهته، مترافق مع ضغط خارجي وهو ما تكرر حتى زمننا المعاصر كما في مبادرة الإصلاح العربية التي سبقت الربيع العربي بسنوات قليلة.

فالإصلاحات العثمانية، أو إصلاحات محمد علي، هي التي حددت بداية نشوء الدولة الحديثة. وهي إصلاحات كانت محكومة بمنطق المواجهة مع الغرب، وتمحورت أساسًا حول إصلاح يقوم به السلطان (السلطة التنفيذية) ويدور أساسًا حول الجيش، كما في المدارس والمعاهد الأولى والمستشفيات وحتى المعامل التي ارتبطت جميعها بالجيش مباشرة. وبالترافق مع هذا امتلكت الدولة موقعًا راسخًا داخل النظام العالمي الحديث المكون من الدول القومية، على المستوى السياسي والاقتصادي والتشريعي، فهكذا صار لدينا مصطلح السيادة الوطنية الذي يقر للدولة بحقوق عليا على الرقعة التي تحكمها، لا ينازعها فيها أحد سواء أكانوا يعيشون على هذه الأرض (ولكنهم أقل من الدولة) أم من الخارج (دول أخرى أو هيئات أعلى من الدولة). فالدولة الوطنية عربيًّا، بنشأتها، أو بموقعها من النظام العالمي الذي لم نشارك في تأسيسه، تطورت بنحو مستقل عن مجتمعها، وامتلكت اعترافًا دوليًّا ومدخلاً إلى موارد أيضًا بنحو مستقل عن مجتمعها.

لهذا فإن السيطرة على الدولة تسمح لأي جماعة بالوصول إلى قدر هائل من الثروة والموارد والإمكانيات التي، ربما، تتجاوز قدرة مجتمعها نفسه على إنتاجها. وبهذا يكون هدف أي جماعة هو الاستيلاء على سلطة الدولة وحفظها بعيدًا عن الآخرين.

المجتمع في المواجهة: الهيمنة المضادة

في مقابل عدم إمكانية تمييز الدولة عن النظام واندماجهما، يحظى الإسلام السياسي بحضور اجتماعي عميق يصعب اقتلاعه رغم كل ما مر به من عمليات قمع واستئصال. لكن الصورة لا تقتصر على مجرد العمق الاجتماعي، إنما أيضًا على طبيعة المواجهة التي يخوضها الإسلاميون مع الدولة/ النظام. فهم بدورهم يخوضون منازعة مع الدولة، وليس مع النظام، أي مع الترتيب العميق للسلطة والثروة. فالتصورات الكبرى التي يحملونها تجعلهم في مواجهة مع منطق الدولة نفسه، أكثر بكثير من مواجهتهم مع النظام، أو حتى مع حزب النظام.

يمكن لهذا أن يتضح بالنظر إلى “المحتوى الإيديولوجي” للإسلام السياسي تاريخيًّا، وهو محتوى يصعب جدًّا تحديد مضمونه بنحو ملموس، فيومًا كان اشتراكيًّا، ويومًا آخر كان من أنصار المِلكية الخاصة والسوق الحرة. يومًا كان مع حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وآخرًا ضدها باعتبارها متعارضة مع قيم الإسلام. ويمكن الاستمرار بهذا النحو مع أي مسالة محددة لنرى تقديم مواقف متباينة ومتعارضة على اعتبارها قيمًا إسلامية.

رغم هذه السيولة الإيديولوجية للإسلام السياسي، هناك مسألة تحظى بثبات معين وهي إشكالية “الدولة”، منطقها وترتيبها المؤسسي، سواء أكان في بعدها الوطني أم مسائل الشرعية والسيادة. منطق الدولة بقي مسألة ممانعة ومواجهة لدى الإسلاميين عمومًا، لكن أيضًا لدى مؤسسات الإسلام السياسي. فالإسلام دين ودولة، جعل “الدولة الحديثة” مسألة ملتبسة ومثار نزاع داخل التقليد الإسلامي نفسه، ومن ضمنه الإسلام السياسي.

الكاتب المصري محمود هدهود

في ورقته “الأمس لا يموت أبدًا: كيف يستمر الإسلام السياسي رغم إخفاقه؟” يقدم الكاتب المصري محمود هدهود ملاحظات شديدة النبهاة حول الإسلام السياسي، ساعيًا لفهم رسوخ الإسلام السياسي اجتماعيًّا. فهدهود ينظر إلى الإسلام السياسي بوصفه تسييسًا شعبيًّا لتقليد خطابي هو الإسلام (التقليد الخطابي هو تراكم لتصورات أخلاقية ورؤى للعالم تعطيه معنى، وبهذا هو أوسع من الإيديولوجيا) فبوصفه تسييسًا للإسلام فإنه يُمثّل حيثية شديدة القوة للجمهور الذي يُشكل الإسلام التقليد الذي ينتظم فيه وينظر عبره إلى العالم. لكنه أيضاً تسييس شعبي احتجاجي. سعى هدهود لفهم متانة ورسوخ الإسلام السياسي عبر النظر إليه انطلاقًا من كونه تسييسًا لهذا التقليد، تسييسًا شعبيًّا واحتجاجيًّا في مواجهة الدولة.

بالتأكيد يمكن الاتفاق مع ملاحظة هدهود بشأن مصدر قوة الإسلام السياسي وجماهيريته باعتباره تسييسًا لتقليد خطابي يتمثل بالإسلام الذي يشكل الإطار المرجعي للناس في رؤيتهم لأنفسهم وللعالم، لكن ما أود التأكيد عليه أكثر هو أن البعد الاحتجاجي يظهر ضد الدولة وفي مواجهتها، وليس بوصفه نزاعًا على اكتساب حقوق سياسية داخل نظام الدولة نفسه. لهذا فإن جانبًا مهمًّا من قدرة الإسلام السياسي على الهيمنة تكمن في حقيقة أنه يخوض صراعه مع الدولة نفسها (وليس حول الدولة)، مع الدولة التي تقف في مواجهة المجتمع وضده، ولا غاية لها سوى حكمه وقمعه إذا ما حاول المقاومة.

يشبه الإسلاميون في هذا الشيوعيين، أكثر من شبههم بالقوميين، لجهة أنهم منغرسون في حالة احتجاج اجتماعي جذري تجاه الدولة. ومثلهم مثل الشيوعيين في هذا الشأن لم يحظوا بمرتكزات قوية داخل أجهزة الدولة خلال كل فتراتها، وحتى تنظيماتهم العسكرية كانت إما مدنية أساسًا وإما أن جزءًا مهمًّا من جمهورها العسكري كان من الجنود أكثر مما كان من الضباط، في المقابل فإن جمهور الإخوان كان من خارج الدولة (سواء أكانوا ريفيين أم طلبة أم مهنيين) مثلهم مثل الشيوعيين. بالطبع دون أن يكون للشيوعيين شعبية وامتداد الإسلاميين في أيٍّ من فتراتهم.

المفكر السوري برهان غليون

لعلّ برهان غليون من أندر المثقفين العرب الذين رصدوا هذه العلاقة العدائية بين الدولة ومجتمعها (أمتها)، علاقة المواجهة التي تأخذ أشكالاً مختلفة، تختبئ فيها الدولة خلف غشاء إيديولوجي تقدمي وتحديثي فيتوارى الاحتجاج الاجتماعي خلف عباءة التقليد والهوية والإسلام.

لكن هذه الغلالات الإيديولوجية ليست هي نفسها أساس النزاع، وإن كان لها دور محوري في بلورته وشحذه وتطوير مساراته، بل في علاقة المواجهة بين الدولة والمجتمع. ومع هذا المواجهة واستعصاء إيجاد منطقة وسطى مؤسسية تتمايز فيها الدولة عن النظام، تغيب ثقة المجتمع تجاه الدولة التي ينظر إليها نظرة معادية، في المقابل يحوز المواجهون للدولة على إمكانية أكبر للوصل إلى حيازة قواعد اجتماعية لكونهم يؤطِّرون الاحتجاج والرفض الشعبي تجاه الدولة.

يمكن تفسير جانب أساسي من هيمنة الإسلاميين، بوصفها تعبيرًا عن رفض مجتمعي للدولة. فالإسلاميون، على عكس التيارات السياسية الأخرى، يواجهون الدولة بوصفها كذلك، في حين تحاول الحركات السياسية الأخرى أن تختلق مواجهة مع النظام أو مع الحكومة أو الخيار السياسي للحكم وغير هذا، دون أن تمس بالترتيبات المؤسسية الكامنة في صلب الدولة نفسها. وهذه هي الصورة التي يقدمها الإعلام (لأسبابه طبعًا). يُقدَّم الإخوان باعتبار أنهم ضد الدولة وليس ضد نظام، وهذا صحيح لأن الإخوان تعبير عن الاحتجاج على ترتيب معين للسلطة، ترتيب مؤسس داخل منطق الدولة نفسها وليس داخل النظام.

غير أن هذه المواجهة الشاملة بين الدولة المتضخمة والإسلاميين، أثمرت أزمة شرعية متشابهة لدى الطرفين مرتبطة بالتضخم السياسي نتيجة لهذه المواجهة الشاملة. الدولة المتغولة أخضعت أنساقًا اجتماعية مختلفة للنسق السياسي، مثل الاقتصاد الذي صار بالتالي جزءًا من خطاب مشروعيتها، وبهذا إن حصل تعثر في الاقتصاد يتحول هذا بدوره إلى أزمة شرعية. توسع السياسي جعل كل الأمور سياسية، وبالتالي صارت الأمور كلها، مع تعثرها، تطرح شرعية النظام السياسي على المحك.

مسألة مماثلة يواجهها الإسلاميون مع الخطاب الديني الذي تحول إلى نسق كلي يخضع كل الأنساق الاجتماعية له، ولهذا يصير أي تأزم في نسق ما مدخلاً لأزمة شرعية في النسق الديني. كما نشهد حاليًّا مع فشل الإسلام السياسي الذي فتح أزمة داخل الدين نفسه، العلم في مواجهة الدين وهَلُمّ.

خاتمة

هنا يمكن تقديم المسألة (المفارقة) على النحو التالي: من ناحية يتماهى النظام مع الدولة، وبتعبير أدق يبتلع النظام الدولة نفسها التي نشأت وتطورت تاريخيًّا ضمن سياق وترتيباب واعتبارات خارجية بالنسبة إلى المجتمع الذي تولت حكمه. وهذه الدولة تتضخم بنحو هائل، بحيث صارت تحتكر كل مصادر الثروة والنفوذ لنفسها أو للطغمة التي تستولي عليها.

ومن ناحية أخرى يظهر المجتمع كأنه قطب خارجي عن الدولة وفي مواجهتها، لكن أيضًا يدخل في منازعة معها وليس عليها، فالاحتجاج الاجتماعي (الذي يقوده حاليًّا الإسلاميون) لا يهدف إلى انتزاع الدولة أو انتزاع ترتيب مؤسسي وتمثيلي يحترم الإرادة التمثيلية للشعب، لكن يدخل مع منازعة مع الدولة الحديثة نفسها.

في السياق الأوروبي تطورت الدولة الوطنية الحديثة لتشغل مساحة وسطى بين الحاكم (ولاحقاً الحكومة) والشعب، مساحة نُظِّمَت مؤسساتيًّا بما يمنع طرف الحاكم من مماهاة نفسه مع الدولة من جهة، ويسمح للمحكومين (الشعب) بالتعبير عن رأيهم في السياسات المعتمدة، ومراعاة هذا الرأي وقوته في عملية اتخاذ القرار.

لكن في السياق العربي تذبل هذه المساحة الوسطى كليًّا، لتبقي طرفين نقيضين كلاهما في مواجهة الآخر، مواجهة لا تأخذ هذه المساحة الوسيطة بالاعتبار، سواء أكان لتأسيسها أم توسيعها. وبهذا تظهر المنازعة العربية منازعة بين الدولة والمجتمع، الدولة التي ليست سوى النظام والمجتمع الذي يقف على رأسه الإسلاميون. منازعة تطرح معها أزمة شرعية غائرة وممتدة، من السياسي حتى الديني، لتطال في النهاية كل الأنساق الاجتماعية.

موريس عايق

باحث سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى