ثقافة وفن

موت مباغت.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الرابعة)

أحداث هذه الرواية من خيال مؤلفها وأي تشابه بينها وبين واقع أشخاص أو أحداث هو من قبيل المصادفة الفنية غير المقصودة

كنت أعتقد أن كل الأسباب تجمعت ليخرج (توفيق خطاب) من بؤرة اهتمامي.

يتحول إلى ذكرى مهنية مثيرة ليس إلا.

مجرد مهمة عمل شاركت فيها، وانتهت بتسليم المتهم المطلوب إلى النيابة العامة، التي قررت فى ذات ليلة حبسه 4 أيام على ذمة التحقيقات، مع منع عدد من شركائه وكبار مديري شركاته من السفر، والتحفظ المؤقت على أموال الشركات الأساسية التي يديرها ويتملك فيها الحصة الحاكمة.

قائمة الاتهامات التي وجهتها له النيابة العامة لم تكن جديدة، يعرفها كل من يتابع توفيق خطاب أو يضع اسمه على محرك بحث، لكن لفت نظري أن النيابة لم توجه له تهمة حيازة سلاح دون ترخيص.. ترسانة الأسلحة التي قمت بتحريزها بنفسي من قصره ومن بين أيدي حراس القصر كانت تكفي لتوجيه اتهام صعب.. أحد زملائى لفت نظري إلى أنه في حبس سابق  وُجهت له تهمة مماثلة وبرّأته المحكمة، بعد أن أثبت أمامها امتلاكه شركة أمن وحراسة، لديها ترخيص كشركة في الاستعانة بأسلحة خفيفة.. مسدسات وطبنجات وبنادق من عيارات متنوعة.

كان اللافت أن النيابة وقتها وجهت له هذا الاتهام وفقط، وأغفلت عشرات الاتهامات الأخرى المتعلقة بالفساد الاقتصادي.. كان الأمر محيرا بالفعل، فسّره لي زميل آخر وأنا أعد معه محضرا لفرز الأحراز لتسليمها إلى النيابة.

يعتقد زميلي أن الحبسة الأولى انتهت بصفقة ما على الطريقة الأمريكية.. الضغوط التي واجهتها الدولة بعد حبسه على مستويات كافة، سياسية واقتصادية، جعلت تقديمه للمحاكمة بتهمة يمكنه الخروج منها حلاً لأزمة معقدة.. لم يكن القانون الطرف الأقوى وقتها، بقدر ما كانت المواءمات السياسية.. ضغط خارجي من دول بعينها، بعضه معلن وبعضه عبر الخطوط الساخنة والغرف المغلقة.. مساعٍ خفية لإحداث انهيار في البورصة وترتيب أثر اقتصادي فادح على احتجازه.. حملة إعلامية لتحويل القبض عليه إلى مسألة حقوقية بعيدة عن القانون، وإظهار الدولة كأنها تختطف رجال الأعمال كرهائن لإجبارهم على دفع أموال غير مستحقة عليهم.

إذا كان ذلك كذلك.. فما الذي تغير إذن للقبض عليه هذه المرة؟

امتداداته الخارجية لم تنقطع.. الضغوط قد تكون حاضرة أو ستحضر.. الادعاءات حول عملية القبض عليه ما زالت صالحة للاستخدام.. الأذرع الإعلامية التي ستعمل على ترويج مزاعم ضد الدولة بسبب القبض عليه موجودة وحاضرة وخطابها المناهض لكل ما تفعله الدولة لا يحده سقف، ولا يعترف بخطوط حمراء.

لم يحتج الأمر أكثر من يومين لاختبار كل ذلك.. يومان لا أكثر وكان خارج الاهتمام.. لا رد فعل (عليه القيمة) خرج من أي جهة جراء القبض عليه.. لا بيانات تُعرب عن القلق أو تقول إنها تتابع بحذر.. لا اهتمام إعلاميا ولا مانشيتات.. حتى محطته الإذاعية اكتفت بإذاعة بيان النيابة العامة بأسباب القبض عليه ومسوغات حبسه على ذمة التحقيقات الجارية، وهذه المرة في اتهامات واضحة عنوانها العريض “الاستيلاء على المال العام”.

المقارنة بين ضجيج “الحبسة الأولى”.. وسكون “الحبسة الثانية” ظل غير مفهوم، ويحتاج إلى غوص في تفاصيل كثيرة لتفسيره.

كيف فقد الرجل مساحة التعاطف التي كانت معه؟

وإذا اعتقد البعض أن الضغوط على حرية الرأي بالداخل سببا.. فما الذي ألجم ألسنة دول وجهات وإذاعات في الخارج لا تخضع ولم يسبق لها أن خضعت لضغوط الداخل؟

الأرجح أن قصصا مثيرة تختفي بين سطور هذه الأسئلة وغيرها، لكن رفاهية البحث وراء هذه القصص، رغم الانجذاب لها، لم تكن متوفرة لي، بعد أن انخرطت في قضايا أخرى.. انتهت مهمتي في قضية توفيق خطاب، واستقر أمره في محبسه، وبات مصيره في يد النيابة، وأصبح طريقه ممهدا نحو الإحالة لمحاكمة ربما نعرف خلال جلساتها المزيد من التفاصيل.

مات الكلام عن توفيق خطاب تماما.. لا حديث عنه.. لا إثارة.. لا تعليقات.. لا تكهنات واستنتاجات وتحليلات.. ولا تفاصيل أكثر من خبر تقليدي يُنشر عنه كل 4 أيام عنوانه “تجديد حبس توفيق خطاب احتياطيا”.. 4 أيام وراءها غيرها ثم غيرها، وفي التجديد الرابع خبر بتقدم (توفيق خطاب) بالتماس للنيابة للتصالح في قضايا الاستيلاء على المال العام وسداد مبلغ 2.2 مليار جنيه كجدية تصالح!

هنا فقط عاد الحديث عنه.. 

فجّر المبلغ المُعلن الجدل حوله من جديد في المنتديات وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.

إذا كان البيان يتحدث عن مجرد جدية تصالح فما حجم المخالفات؟

هل هناك مخالفات فعلاً بهذا الحجم؟

أم هي إتاوة تم إجباره على دفعها؟

قراءة ملف المصالحات في قضايا الكسب غير المشروع في السنوات العشر الأخيرة يكفي لتعرف أن هناك مبالغ كتلك وأكثر تم سدادها للإفلات من الملاحقة القضائية والعقوبة القانونية لجريمة الاستيلاء على المال العام.

أحد الوزراء السابقين سدد شخصيا نحو مليار ونصف المليار، فما بالك برجال الأعمال الذين كانوا نشطين في فترة استوزاره؟!

العارفون به كان تساؤلهم مختلفا:

كيف طاوعه قلمه أن يكتب طلبا بسداد مبلغ كهذا.. وهو المعروف عنه صعوبته عند أي دفع، حتى لو كان سداد مستحقات ثابتة عليه لموظفيه أو العاملين معه، ويُتداول عنه عشرات القصص عن التهرب من مستحقات أبسط من أن تُقارن بحجم أعماله وتقدير غرامات مخالفاته.

بحسب هؤلاء.. فهذا رجل لا يدفع إلا لـ(الشديد القوي)، ولا يدفع إلا بعد فصال طويل، وطالما وجد متعته في مقايضة الناس على حقوقهم لديه، ومحاولة إجبارهم على قبول الفتات من تلك الحقوق أو لا شيء.

إما أن سكينا على رقبته.. أو أن ما سيدفعه بمعايير الصفقة أفضل اتفاق له، وأقل مما كان يجب أن يدفع؟

ومثل هذا الرجل، حسبما فهمت، لا يأبه بالسكاكين.. ولديه حوائط صد تحتوي أي سكاكين يمكن أن تُلحق به أذى حقيقيا غير الكلام.. ربما نجحت السلطة في إقناع حوائط الصد تلك بحقيقة مخالفاته وبأن المسألة قانونية وإجرائية بحتة، وهذا ما يفسر ضعف التضامن معه، وقد يكون فى الأمر صفقة، وأنه ما تقدم بطلب لتصالح على مخالفاته إلا بحسابات تجعله رابحا بشكل ما في النهاية، أيا كانت تسميات ما جرى.

لا يمكن إذن أن أترك عقلي لاستنتاجات وتحليلات لا أعرف أصحابها ولا دوافعهم ولا مدى إحاطتهم بالأمر من جوانب مختلفة، معظمهم يبني انطباعات عن الرجل من موقف واحد أو أزمة شخصية أو غضب عابر، أو مجرد سير خلف تيار نقده أو أبواق التعاطف معه.

تعودت أن أحسم ما يشغلني بنفسي، إما بالغوص في التفاصيل بحثا عن إجابات وافية وشافية، أو بالترك والتجاهل وإخماد إلحاح الأسئلة. وفي حدود ما سبق من أسئلة كان الحل بسيطا. زيارة في الصباح إلى النيابة والاطلاع وديا على محضر التحقيقات معه.

المؤكد أن هناك الحقيقة حول طبيعة الاتهامات التي وُجهت له، وحقيقة أقواله ودفوعه، والقيمة الحقيقية للمخالفات وشكل اتفاق السداد والتصالح عليها.. هذا في حدود ما يهمني، وما دون ذلك فليكن مصيره الإخماد.

لكن سواد الليل لم يُخل موقعه للصباح قبل أن تتضاعف الأسئلة، كأنها في حالة تكاثر أميبي بالانقسام المتتالي، ليولد الصباح وتولد معه أسئلة أصعب، يتصدرها سؤال حياة (توفيق خطاب) التي انتهت فجأة داخل محبسه بلا مقدمات.

مات في الزنزانة.. 

كانت تلك الحقيقة المؤكدة التي حملها شريط الأخبار في هذا الصباح، مع حجم هائل من التكهنات والتحليلات والاستنتاجات التي تتحدث عن سبب هذا الموت المباغت، رغم بيان رسمي يفيد بالعثور عليه منتحرا ومُعلقا من رقبته في نافذة الزنزانة العالية.

وأداة الوفاة: طرحة حريمي تخص زوجته الشابة.

وصل توفيق خطاب إلى محطته الأخيرة.. وركبت أنا قطار عمره عائدا معه إلى الوراء بحثا عن تفاصيل هذه الرحلة.

انتهت حياته.. ولم تنته قصته..!

لقراءة الحلقات السابقة:

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الأولى)

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الثانية)

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الثالثة)

أحمد الصاوي

كاتب وصحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى