زوايامختارات

مورفين “فرويد”.. جرعة.. اثنتان.. انتحار

 

في 23 سبتمبر/أيلول 1939 توفي سيجموند فرويد، رائد التحليل النفسي الأشهر، وبحسب مكتب السجل العام البريطاني فإن سبب الوفاة “أزمة رئوية” و”سرطان الفك العلوي”.

الرواية الأولى التي تلقاها معظمنا عن موت “فرويد” مقتبسة من المجلد الثالث من السيرة التي كتبها إرنست جونز، طبيب فرويد العام، بالاعتماد على الوثائق التي تلقاها من ماكس شور، الطبيب الخاص لسيجموند، والتي كانت من بينها السجلات الطبية الشاملة لهانس بيشلر، جراح فرويد، وقد انتهى جونز إلى أن وفاة فرويد كانت بسبب سرطان الفم.

هل يتوقف الأمر عند هذا الحد؟

بالطبع لا.. فقد كانت حياة فرويد دائمًا مثيرة للجدل، وبالقدر نفسه كانت لحظة وفاته، وإذا أردنا الدقة فنحن نتحدث عن “انتحار سيجموند فرويد“.

كان الباحث الأمريكي روي بي لاكوسيرا محقًّا تمامًا عندما لاحظ أنه “بعد ما يقرب من ثلاثة أرباع القرن من وفاة فرويد، لا تزال في هذا السر أشياء غير دقيقة، وأخرى مغفلة”.

سيجموند فرويد

وفي ورقة عنوانها: “موت فرويد: الحقيقة التاريخية والسيرة الذاتية”([1]) نشرتها جامعة جونز هوبكنز المرموقة عام 2008، كانت القصة تُروى من جديد وتكشف عن واقعة انتحار، أو إن شئت فقل: حالة موت رحيم مبكرة جدًّا.

ورغم ادعاءات إرنست جونز، الذي نشر أول سيرة لحياة فرويد، بأنه كان “صادقًا“، ورغم أن ماكس شور ادعى أنه التزم بـ”الموضوعية” في السيرة التي نشرها بعد ذلك، فقد فشلا تمامًا في ما يتصل بوفاة فرويد.

يقول الباحث الأمريكي حرفيًّا: “يتضح وجود تشوهات خطيرة من خلال التناقضات بين أقوالهما”، والأجزاء المتوافرة حاليًّا من أرشيفات فرويد في مكتبة الكونجرس يجعل بالإمكان تقديم صورة أكثر دقة.

إحدى المفاجآت تمثلت في أن ماكس شور لم يكن حاضرًا عند وفاة فرويد، كما كان شائعًا، وأن الحقنة الأخيرة التي عجلت بوفاة فرويد حقنته بها جوزفين ستروس، صديقة ابنته آنا فرويد، وحضورها في فراش موت فرويد تم تجاهله حتى الآن.

وبلغة لا تخلو من إيحاءات، يقول كاتب الورقة عن واقعة الموت كما هي مصوَّرة في السير الذاتية المعتمدة: “تحول موت فرويد من دراما بشرية إلى شيء يصلح للعروض المسرحية القديمة مع الشخصيات الإلهية”. ولأسباب مختلفة وليست شفافة دائمًا، فإن هذه الإصدارات قد “زُوَّرت” ساعات فرويد الأخيرة، بدرجات متفاوتة، مع حذف مشاركين ومراقبين أساسيين.

ماكس شور

دراما الليلة الأخيرة

كان فرويد برفقة أعضاء من العائلة حين فرَّ من فيينا، التي احتلها النازيون، إلى لندن في أواخر ربيع 1938، وبحلول الصيف التالي، أصبح سرطان فرويد غير قابل للعلاج.

ذكّر فرويد عندئذٍ ماكس شور بوعده السابق بعدم التخلي عنه عندما يحتاج إلى ذلك، ووعده ماكس شور بأنه سيعطيه “التخدير الكافي”، ثم طلب فرويد من شور أن يخبر ابنته آنا عن ذلك.

وبحسب رواية جونز، فإن شور أعطى فرويد في صباح اليوم التالي ثلث حبة المورفين -نحو 20 ملليجرامًا- وتنهَّد بارتياح وغرق في نوم هادئ، ومات قبل ذلك بقليل منتصف ليل اليوم التالي، 23 سبتمبر/أيلول 1939. ولسنوات، كانت هذه هي الرواية الرسمية لموت فرويد.

لكن في عام 1972، بعد 15 عامًا من نشر سيرة فرويد لجونز، ظهرت سيرة جديدة لفرويد بقلم ماكس شور.

وفي الواقع، توفي شور في عام 1969 والكتاب مكتمل وتولت زوجته الطبيبة هيلين شور المحللة النفسية نشر الكتاب، مع إصرار شديد على رفض أي تغيير في ما كتبه.

حكى شور اللحظات الأخيرة في حياة فرويد بقوله:

(بينما كنت جالسًا بجانب سريره، أخذ فرويد يدي وقال لي: “عزيزي شور، أنت بالتأكيد تتذكر حديثنا الأول. أنت وعدتني ألا تتخلى عني عندما يأتي وقتي”.. والآن لا شيء سوى التعذيب الذي لا معنى له، وعندما أشرت إليه بأنني لم أنسَ وعدي تنهَّد فرويد بارتياح.. ودون أي أثر للعاطفة أبلغتُ آنا بمحادثتنا.. وعندما كان يتألم أعطيته 20 ملليجرامًا، ثلث حبة مورفين، وسرعان ما شعر بالراحة وسقط في نوم هادئ، وكررت الجرعة بعد نحو 12 ساعة، ودخل في غيبوبة ولم يستيقظ مرة أخرى، لقد مات في الساعة 3:00 صباح يوم 23 سبتمبر/أيلول 1939…)

في هذه النسخة من قصة وفاة فرويد، توجد جرعتا مورفين لا واحدة!

رسالة مكتوبة بخط اليد من فرويد

في 7 إبريل/نيسان 1954، تحدث ماكس شور إلى جونز عن “مخاوفه بشأن التاريخ الطبي” لفرويد، وظهر للمرة الأولى تعبير: “القتل الرحيم”، وقرر ماكس شور استشارة محامٍ قبل إرسال ما لديه إلى جونز وآنا فرويد، وكتب إلى جونز مستخدمًا تعبير: “مشكلة القتل الرحيم”، ومن الطريف أن يتحدث شور عن بعض الأمور التي يجب أن تظل “غير دقيقة”!

تظهر لاحقًا إشارة وحيدة إلى محادثة بين فرويد والطبيب المعالج فيليكس دويتش، فيها اعتراف صريح بانتحار فرويد، وقد رفض ماكس شور نشرها لأنها تُدين فرويد و”يجب حذفها”، وحذف جونز هذا الجزء من محادثة دويتش مع فرويد في السيرة المنشورة في 1957، وبدلاً من ذلك راوغ جونز في ما يتعلق برغبة فرويد في إنهاء حياته.

نساء قرب فراش موته

في روايته لأحداث اليوم الحادي والعشرين من سبتمبر/أيلول 1939، كتب ماكس شور:

“من الآن فصاعدًا سأعطي التخدير المناسب كلما أصبحت معاناته مرة أخرى لا تطاق، وبدلاً من مجرد إخبار ابنته، كان على آنا أن تشارك في صنع القرار الخاص بالأدوية التي تنهي حياة والدها، وقد أعطت موافقتها على مضض”.

فرويد يقف مع ابنته ماتيلد

في 22 سبتمبر/أيلول حُقِنَ بالمورفين تحت الجلد، وبعد بضع ساعات تألم وأصبح تنفسه أكثر صعوبة، وأخذ الجرعة الثانية، واليوم التالي أخذ الجرعة الثالثة وتوفي في 23 سبتمبر/أيلول.. هي إذًا جرعة أكبر من الواردة في الرواية السابقة!

وقبل أن ينشر جونز أول سيرة لفرويد، دارت مناقشات بينه وبين ماكس شور وآنا فرويد “عما يجب فعله بشأن ساعات فرويد الأخيرة”. وقد كشفت معلومات لاحقة المزيد مما يغاير الرواية التي كانت سائدة. فمثلاً، يشمل الشهود المباشرون المحتملون على وفاة فرويد جميع أهل بيته: زوجته مرثا، ابنتهما آنا، طبيب فرويد ماكس شور، (الذي انتقل إلى منزل فرويد مطلع سبتمبر/أيلول 1939، وخادمة العائلة بولا فيشتل، وأخت فرويد.

وكما رأينا، كان هناك تواطؤ ثلاثي بين ماكس شور، آنا فرويد، وجونز حول ما يجب الكشف عنه بشأن المورفين، لكن هناك عوائق أخرى قد تكون عطت قول الحقيقة، وبعد وفاة فرويد بذلت آنا جهودًا كبيرة للتحكم في ما يُنشر عن والدها.

سيجموند فرويد

ومع ذلك، هناك دليل كبير على أن جوزفين ستروس، صديقة آنا، كانت متورطة في ساعات فرويد الأخيرة، وهذه الحقيقة تساعدنا على فهم الارتباك في وصف موت فرويد.

والنساء الأربع، رفيقات هجرة فرويد: مارثا وآنا فرويد وجوزفين ستروس وبولا فيشتل، كنّ مراقبات فراش الموت.

بعد الساعة الثالثة صباحًا بقليل، وبعد أكثر من 30 ساعة عقب الحقن، مات فرويد، وقد قطعت الدكتورة جوزفين ستروس خيط حياته الأخير.

ودون فحص شامل لأرشيفات فرويد قد لا تمكننا معرفة ما إذا كان هناك شاهد آخر محتمل على موت فرويد! وقد استغرق الكشف عن نسخة صادقة من رواية موت فرويد ثلاثة أرباع قرن!

المصادر :

([1]) موت فرويد: الحقيقة التاريخية والسيرة الذاتية، روي بي لاكورسير، American Imago، Volume 65، Number 1، Spring 2008، pp.107-128، مطبعة جامعة جونز هوبكنز.

Freud’s Death: Historical Truth and Biographical Fictions, Roy B. Lacoursiere:

https://doi.org/10.1353/aim.0.0003https://muse.jhu.edu/article/239678

 

ممدوح الشيخ

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى