مورو والغنوشي و”النهضة”.. على مفترق طرق

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

أثارت التصريحات الأخيرة لنائب رئيس حركة “النهضة” التونسية الشيخ “عبدالفتاح مورو” عقب إعلان استقالته منها، التي أكد خلالها اعتزاله العمل السياسي تحت سقف “النهضة” وانشغاله بالشأن العام، حالة من الجدل حول أسبابها وتوقيتها، خاصة أنها كشفت النقاب عن تصدع آخذ بالاتساع داخل الحركة السياسية الأبرز ذات المرجعية الإسلامية في الساحة التونسية، في ظل ما يتعرض له رئيس الحركة والبرلمان “راشد الغنوشي” لجملة من الانتقادات على خلفية أدائه البرلماني والسياسي في الفترة الأخيرة، الذي انتقل بدوره من دائرة الحزب -البينية- الضيقة ومنه إلى المشهد البرلماني، وامتد ليشمل التنويعات السياسية التونسية، خاصة المعارضة منها للحركة ورئيسها.

منذ الثورة التونسية 2011 ويتقدم كلِّ من “راشد الغنوشي” و”عبدالفتاح مورو” صدارة المشهد السياسي، وسارا معًا متأبطين أذرع بعضهما البعض حاملين توجهًا سياسيًّا إسلاميًّا مغايرًا لحد كبير عن توجهات “الإسلام السياسي” في المشرق العربي، ومفارق في ذات الوقت عن تجربته؛ ما أعطى لهما بعدًا مميزًا، بيد أن “الغنوشي” كان متقدمًا على “مورو” في المستوى الحركي بضعة خطوات، فيما حافظ الأخير على ترتيب الرجل الثاني في محطاتهما السياسية المتعاقبة كافة، رغم تمرده في كثير منها على احتكار “الغنوشي” للقيادة والتصدر، ودلل على ذلك التباين البائن في الرؤى والمواقف بين الرفيقين في خضم متوالية الاشتباك مع الفضاء السياسي التونسي من حولهما.

حاول “مورو” مغادرة قطار “الغنوشي” والاستقلال عنه والتمرد على قيادته في بداية الرحلة ولم تفلح خطوته، ففي انتخابات المجلس التأسيسي 2011، قام بمحاولة تشكيل قائمة مستقلة عن حركة “النهضة” ولم يُكتب لها النجاح، فيما مَثل ما جسده في جنازة الرئيس السابق “الباجي قائد السبسي” موطن تعجب حينما سار على قدميه خلف موكب الجنازة، قيل إنها تنفيذًا لوصية “السبسي” قبيل وفاته، ونُظر إليها على كونها تؤشر على حجم العلاقة التي كانت تجمع بين “مورو” و”السبسي”، ودالة في ذات الوقت على التمايز بين رفقاء الأمس وغرماء اللحظة الراهنة.

وفي الانتخابات الرئاسية التي أجريت العام الفائت قدّمت حركة “النهضة” مرشحها “عبدالفتاح مورو” إلا أنهما لم تكن لهما القدرة على المنافسة الحقيقية ولم تستطع “النهضة” الوصول بمرشحها للمركز الثاني بديلًا عن رجل الأعمال التونسي “نبيل القروي” للتنافس مع “قيس سعيد” الذي أصبح فيما بعد الرئيس الحالي للدولة التونسية، فيما نُظر إلى هذه النتيجة على كونها بمثابة استفتاءً على تموضع الحركة في المشهد السياسي التونسي من جهة، وتراجعًا للدور السياسي لـ”مورو” من جهة أخري؛ ما جعل “مورو” يتولد لديه شعور أن “النهضة” لعبت دورًا في تلك النتيجة فلم تكن أصواتهم وقلوبهم على قلب رجل واحد تجاه ترشحه، وعزز هذا الشعور؛ ما أشيع من أن عددًا من أعضاء الحركة لم يعطوا أصواتهم له وذهبوا بها إلى منافسيهم.

ومنذ ذلك الحين ومع متوالية الأحداث، بات يتولد لدى “عصفور النهضة النادر” إحساس العزلة والاغتراب، الذي دفعه في نهاية المطاف إلى الاستقالة عقب شعوره بالتهميش المتعمد وعدم الاعتداد بآرائه السياسية أو الأخذ بمشورته في أمور شتى، قد تتعلق برؤى الحركة وتوجهاتها إزاء الفضاء السياسي من حولهما سواء أكان ذلك داخل تونس أو خارجها، ولكن العصفور رغم تأكيده على مغادرة عشه، إلا أنه لم يغادر الحي الذي يقطن فيه، ففي أحد تصريحاته الإعلامية على هامش استقالته حاول الشيخ السبعيني أن يقطع الطريق على من سيحاول ترجمة الاستقالة على كونها انقلابا من قبله على الحركة التي أسسها برفقة “الغنوشي”، ذلك من خلال تأكيده على أنه سيظل ظهيرًا للحركة ولن يكون خصما وندا لها، وهو أمر جدير بالقراءة في سياق انعكاسات هذه الاستقالة على مستقبل العلاقة بين “مورو” وحركة “النهضة” وخاصة رفيق دربه “راشد الغنوشي”.

في حقيقة الأمر لم تكن استقالة “مورو” الأولى داخل حركة “النهضة” وإنما سبقه في ذلك آخرون، ونظرًا لما يتمتع به الشيخ من مكانة سياسية ودينية وتاريخية ليس في تونس وحدها تعدت أصداء الاستقالة الفضاء السياسي المحلي، وأضحت مثار نقاش خارج نطاقها الجغرافي، لقد لحق “مورو” بقافلة المغادرين عن الحركة أمثال “زياد بومخلاء”، “هشام العريض”، “عبدالحميد الجلاصي” و”عبداللطيف المكي”- وزير الصحة الحالي- وجميعهم حملت بيانات استقالاتهم نقاطًا معارضة وانتقادات طالت سلطة “الغنوشي” الفكرية والسياسية داخل الحركة، خاصةً بعدما أقدم عليه من حل للمكتب التنفيذي التابع لها.

الأمر الذي دفع البعض إلى أن يتوجس خيفة من هذا القرار لما رأوا فيه من رغبة لدى “الغنوشي” في تأجيل المؤتمر المقبل لـ”حركة النهضة” الحادي عشر، والذي بمقتضاه سينهي فترة رئاسته الحالية، فضلًا عن التخوف من تعديل القانون الداخلي للائحة الحركة؛ ما يتيح له ولاية ثالثة وهو الإشكال الحقيقي الذي تدور عليه متوالية الانقسامات داخل حركة “النهضة”، التي بات يتصارع داخلها تياران إصلاحي يقوده وجوه شابة تطالب بتغيير قيادي وإداري داخل “النهضة”، وآخر يمثله المتصدرون لها ومن بيدهم دعم واتخاذ القرارات النهائية. 

من نافلة القول الإشارة إلى أن ما تموج به “النهضة” من خلافات باللحظة الراهنة لم يكن وليد اللحظة، إنما رافقها منذ ظهورها كفاعل سياسي ومجتمعي على سطح الأحداث في تونس، والتي كان أبرزها مغادرتها للسلطة في 2013 رغم تصدرها آنذاك وتحقيقها للمركز الأول في انتخابات المجلس التأسيسي التي جرت سنة 2011 ثم التحالف مع نداء تونس والانتخابات الرئاسية والدفع بمرشح لها من عدمه كل ذلك، كان مثار نقاش وجدل كبيرين بين التيارين القائمين في هذه اللحظة، وزادت معهما الفجوة؛ ما دفع بموجة من الاستقالات في مقابل يقينية أصحاب القرار بأنهم يسيرون في الطريق الأصوب.

وانعكاسًا لذلك سارع بعض الفاعلين من داخل حركة “النهضة” نحو إصدار بيان تصحيحي دعت خلاله إلى ضرورة عقد المؤتمر المرتقب، وعدم تأجيله مع إدارة حوار داخلي معمق حول مختلف القضايا الفكرية والسياسية والاستراتيجية التي تخص الحركة؛ من أجل الحفاظ على وحدة الحركة وتدعيم الثقة البينية وسط أبنائها، مؤكدين في الوقت نفسه على أهمية دور رئيس الحركة “راشد الغنوشي”، والحرص على نجاح مهمته على رأس مجلس نواب الشعب، والالتزام بالأسس الأخلاقية والثوابت القيمية الكبرى التي قامت عليها حركة “النهضة” كحزب مدني ديمقراطي ذي مرجعية إسلامية، حسب ماورد في نص البيان.

إذا حاولنا ارتداء نظارة الغنوشي وأنصاره داخل “النهضة” لوجدنا رؤية مغايرة لما طرح سلفًا، فالرجل السياسي الذي خاض أكثر من أربعة عقود من عمره في غمار السياسية والفكر والتنظير، يرى أنه الأجدر على قيادة الحركة في هذا التوقيت، وأن أي تراجع أو تغيير عن هذا المسار من الممكن أن يُكلف “النهضة” ثمنًا بالغًا، في ظل التنافسية القائمة بينها من جهة وبين الأحزاب والتيارات السياسية المناوئة لها في المشهد السياسي بالداخل التونسي؛ ما يقلق “الغنوشي” ويسعى إلى تداركه، باحثًا عن اتفاق يعيد هيكلية الحركة ومعالجة أزماتها الداخلية وتضييق الهوة الناتجة عنه، لكنه في ذات الوقت قد يحافظ على وجوده على رأس الحركة؛ ما يتيح له تكملة مشواره السياسي فرئاسة البرلمان لا تحقق له ما يلبي طموحه ويرضى شغفه.

ويمكننا تلمس ذلك في البيان الذي صدر عن الحركة بإمضاء عدد من قياداته، وعلى رأسهم صهره “رفيق عبدالسلام”، الذي رغم مطالبته بعدد من الإصلاحات، كما أوردنا والتعجيل بالمؤتمر الذي سيُعلِن نهاية رئاسة “الغنوشي” للنهضة، فإنهم ألمحوا إلى أن موقع الغنوشي خط أحمر.

من هنا يمكننا تَفَهم نقطة الخلاف الرئيسية بين الثالوث الشيخ “عبدالفتاح مورو”، وعدد من قيادات التيار الإصلاحي بالحركة ورئيسها “راشد الغنوشي”، والذي يكمن في الرغبة في ضخ دماء جديدة ورؤى مغايرة تخرج من قفص تجارب الإسلام السياسي من حيث الاستئثار بالسلطة من جهة، والنأي عن الدخول في معترك صراع المحاور القائم في المنطقة العربية والإسلامية والتي برزت بشدة في ملفات عدة كانت محور نقد كبير طال رئيس البرلمان وحركة “النهضة” “راشد الغنوشي” على رأسهم ملف ليبيا والعلاقات مع تركيا، باعتبارها تداخل في السلطات، مع ضرورة إبقاء “النهضة” حركة وطنية بعيدة عن هذا التجاذب الإقليمي وتنافسية المحاور لما لها من تداعيات كبيرة على الحالة التونسية التي تعاني من تراجع اقتصادي كبير، زاد من شدته ظهور جائحة “كوفيد 19” كورونا.

خلاصة القول: من الخطأ اختزال حركة “النهضة” في شخص كل من “راشد الغنوشي” و”عبدالفتاح مورو” باعتبارهما المؤسسين لها، فالحركة تدخل العقد الأول من مسيرتها في أروقة الحكم وقد عايشت الكثير من الأحداث السياسية والمجتمعية والتي بدورها يمكن لأجيال جديدة داخلها أن تكمل مسيرتها السياسية، تواكب متطلبات اللحظة، وتقفز على الرؤى الحزبية والجماعاتية الضيقة؛ لتلتحم أكثر بآمال وتطلعات المواطن التونسي الراغب في التغيير ومتطلع للأفضل، بيد أن ربط بقاء الحركة أو فناءها بالشخوص أو ربط الشخوص واستمرارية الحركة بهم يجعلنا على أبواب أفول سياسي للحركة السياسية ذات المرجعية الإسلامية، والأبرز في الساحة التونسية، وتجعل من تجربتها مماثلة لما حصل مع أقرانهم في المشرق العربي؛ ما يستدعى ضرورة التأمل في تداعيات الاستئثار بالسلطة وعدم المثول لآليات الحوكمة الديمقراطية، مع تتبع نهج نموذجي يقوم على التناوب وتغيير الوجوه وضخ الدماء الجديدة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search