كنوز موزمبيق

الغاز والياقوت في يد الإرهاب

حين كان الرحالة “فاسكو دا جاما” في طريقه إلى الهند عام 1498 مر بموزمبيق ليكون أول أوروبي يصل إليها، وحينها واجه الحاكم التجاري العربي في ذلك الوقت “موسى بن بيك” أو “موسى بن بيق” الذي أطلق اسمه فيما بعد على الجزيرة بأكملها.

رافق وصول “فاسكو دا جاما” بروز النفوذ البرتغالي في الدولة الواقعة في شرق إفريقيا، والتي ظلت تحت الاحتلال البرتغالي حتى عام 1975، حين حصلت موزمبيق أخيرًا على الاستقلال الذي أعقبته حرب أهلية مزقت البلاد حتى منتصف التسعينيات من القرن المنصرم(1).

 وتقع دولة موزمبيق في جنوب شرق إفريقيا وعاصمتها مدينة “مابوتو” وتشترك في الحدود مع تنزانيا من ناحية الشمال، وملاوي وزامبيا من الشمال الغربي، فيما يحدها من الغرب دولة زيمبابوي، وفي الجنوب تحاذيها كل من دولتي سوازيلاند وجنوب إفريقيا، وفي الشرق يتم فصل موزمبيق عن مدغشقر بواسطة قناة موزمبيق، وهي جزء من المحيط الهندي(2).

وتشتهر العديد من هذه البلدان بإنتاج الأحجار الكريمة، فيما انضمت موزمبيق إلى هذا النادي مع بداية الألفية الثانية، وفي أقل من عقد من الزمان، أصبحت موزمبيق المصدر الأكثر إنتاجية في العالم للياقوت الموزمبيقي منذ اكتشافه في عام 2009، ولكنها رغم ذلك لا تزال من بين أفقر البلدان وأقلها نموًّا(3).

خريطة موزمبيق

ويبلغ عدد سكان البلاد أكثر من 29 مليون نسمة، وتوجد أقلية مسلمة وسط أغلبية مسيحية. واللافت أن اللغة البرتغالية لا تزال حتى اللحظة هي اللغة الرسمية بجوار عدة لهجات محلية، ويرتكز اقتصاد موزمبيق بشكل كبير على الموارد المعدنية والزراعة التي يشارك فيها أكثر من 80٪ من السكان.

ويعتبر الروبيان والأخشاب والكاجو وجوز الهند والشاي والتبغ الصادرات الرئيسية للبلاد، بالإضافة إلى قطاع التعدين الذي يشمل كلًّا من أحجار البناء والحبيبات (الرخام والجرانيت) والمعادن الصناعية (البنتونيت والرمل) والخامات المعدنية (الذهب، والتيتانيوم، والبريليوم، والتنتالوم، والبوكسيت)(4).

ويحظى الشمال الموزمبيقي باكتشافات حديثة لحقول الغاز الهامة التي يعول عليها في التنمية الاقتصادية والمجتمعية. وبجوار ذلك تعتبر موزمبيق بلدًا منتجًا للفحم أيضًا، وتتطور السياحة بسرعة، ولكنها تظل صغيرة مقارنة بالصناعات الأخرى(5).

اضغط.. على كل محور يمين الصفحة للقراءة
اضغط.. على كل محور لقراءة مضمونه
الأقلية المسلمة في الشمال الموزمبيقي

تقع مقاطعة “كابو ديلجادو” المتاخمة لتنزانيا في شمال غرب موزمبيق، وكانت ذات يوم قلبًا لنضال التحرير الوطني الموزمبيقي، حيث شكل السكان آنذاك فرقًا عسكرية ميليشياوية انخرطت في حرب عصابات لمقاومة المستعمر البرتغالي تحت رؤى سياسية تتبنى النهج الاشتراكي(6).

مسلمي موزمبيق

ويمكن التأريخ لصعود المقاطعة إلى الصدارة مع العقد الأول في الألفية الثانية 2010 عندما اكتشفت شركة الطاقة الأمريكية “أناداركو” احتياطيات كبيرة من الغاز في حوض “روفوما” تحت المياه العميقة البحرية في المحيط الهندي، تلاه في العام اللاحق عثور شركة الطاقة الإيطالية ENI على حقل غاز ضخم في المنطقة(7).

ومع هذه الاكتشافات للموارد الطبيعية القيمة، وخاصة الغاز، سارع رأس المال الغربي إليها وتكالبت عليها مصالحه، وكان من المتوقع أن تسهم هذه التحولات في خلق واقع مغاير لآلاف الموزمبيقيين، إلا أن صناعة الغاز فشلت في تحقيق الرخاء للمجتمع المحلي، ونجم عن اكتشافات الغاز نزوح قسري واسع النطاق، وفقدان سبل العيش، واضطراد في زيادة العنف مع صعود الجماعات المتمردة المسلحة المحلية وغيرها(8).

وبات ينظر إلى مقاطعة كابو دلغادو على أنها مركز المصالح الاقتصادية الضخمة في البلاد، وأصبحت شركتا “أناداركو” الأمريكية و”إيني” الإيطالية المسئولتين الرئيسيتين عن كل حقول الغاز المكتشفة(9) في وقتٍ أصبحت فيه البطالة شبحًا يهدد أبناء الشمال، خاصة أن العمالة الوافدة غالبيتها من دولة زيمبابوي المجاورة.

وبموازاة اكتشاف الغاز الطبيعي ازدهرت صناعة تعدين الجواهر، حيث توجد في موزمبيق أكبر رواسب الياقوت الأزرق الوردي في العالم، وتمتلك شركة “غيم فيلدز” البريطانية امتيازًا يحظى بـ40% من الصادرات العالمية من الياقوت(10).

التنقيب عن الغاز الطبيعي في موزمبيق

وبالإضافة إلى قطاعات التعدين تنشط في هذه المقاطعة تجارات غير مشروعة، على رأسها الاتجار بالمخدرات، وتحديدًا الهيروين الذي يتم تهريبه نحو أوروبا عبر موزمبيق، نظرًا لموقعها الاستراتيجي الفريد الذي يفضله تجار المخدرات، وهو أحد الأسباب الرئيسية للصراع في مقاطعة “كابو ديلجادو”، وهو الصراع الأسبق ظهورًا في كابو “ديلجادو” من الإرهاب(11).

ويستمد تجار المخدرات والتهريب قوتهم من انشغال الحكومة في محاربة الإرهاب والجماعات الإسلامية المسلحة من جهة، وتداعيات فيروس كورونا على البلاد من جهة أخرى(12).

وتؤكد مشكلة التهريب أن هناك خللًا في الحوكمة السياسية والمجتمعية في موزمبيق يرجع في المقام الأول إلى تزايد شبكات الفساد نتيجة ما تتلقاه من دعم أفراد من الشرطة ومسئولين حكوميين آخرين، وخاصة في الشمال الساحلي، بعد أن أصبح مركزًا رئيسيًا لتهريب العاج والأخشاب والهيروين والياقوت.

ويشير مراقبون إلى أن ثمة علاقات يقوم بها بارونات التهريب المحليون والمسلحون من خلال دمج الشباب المقاتلين في شبكاتهم ودفع أجور جيدة لهم(13).

عوامل نمو التطرف في الشمال

رغم اكتشاف أحد أكبر حقول الغاز الطبيعي في إفريقيا داخل دولة موزمبيق عام 2010، إلا أنه وحتى اللحظة لم يكن لذلك أي عائد إيجابي يذكر على المجتمع الذي يعاني الفقر والتهميش والبطالة(14).

مقاطعة كابو دلغادو

وتعد المظالم الاجتماعية مركزية في عملية نمو التطرف في “كابو دلغادو”، إضافة إلى أن الشركات الأجنبية لعبت أيضًا دورًا رئيسيًّا في تهميش مواطني الشمال(15)، فما تمارسه الشركات البريطانية -على سبيل المثال- من مصادرة للأراضي دون دفع تعويضات، والتجاوز في حق العمال؛ أصبح يزيد من حنق الموزمبيقيين على الشركات الأجنبية كافة.

كما تمارس شركات الأمن الخاصة، التي يقع على عاتقها حماية هذه الشركات، نوعًا آخر من العنف والسرقات والانتهاكات ضد عمال المناجم، على مرأى من السلطات الأمنية المحلية. ولا شك أن ذلك كله ساهم في القابلية التامة لأبناء الشمال، خاصة ممن يعملون في المحاجر والشركات، للانضمام إلى جماعات التطرف، فكانوا صيدًا سهلًا نجحت هذه الجماعات في تجنيده وتوظيفه(16).

بموازاة ذلك، تلعب الخصومات العرقية دورًا هامًّا في نمو التطرف، إذ إن عددًا كبيرًا من المتمردين والمسلحين هم من جماعة “كيمواني” العرقية، التي تعاني من التهميش من قِبل “ماكوندي” (مجموعة الرئيس الموزمبيقي فيليب نيوسي) والنخبة السياسية(17) التي تجمعها مع شبكات الجريمة والتهريب علاقات وثيقة حوَّلت الساحل الشمالي لموزمبيق إلى منصة كبرى للمهربين، ونجم عن ذلك ظهور اقتصاد غير مشروع(18). لذا يمكن القول إن الهجمات التي يشنها المتشددون الإسلاميون الشباب في شمال موزمبيق يغذيها مزيج من الفقر والفساد(19).

أكواخ مدنية أحرقها مسلحو داعش في موزمبيق

وإضافة إلى ما سبق، ساهم عدم احترام التقاليد الدينية للأقلية الإسلامية، والعبث بالمظاهر التعبدية والشعائر الإسلامية، وعدم الاكتراث بالمقدسات الدينية من قبل السلطة الأمنية؛ في تغذية الشعور بالمظلومية لدى الأقلية المسلمة.

ففي سياق مكافحة الجريمة وفي أعقاب الهجمات الإرهابية دمرت السلطات عددًا من المساجد في “كابو دلغادو”، ما دفع البعض لأخذ رد فعل متطرف تمثل في التوجه نحو المساجد المحلية حاملين الأسلحة البيضاء للتعبير عن الغضب، وهناك من كان يرقب ذلك عن قرب ليؤطرهم بعد ذلك بعد أن يحتويهم(20).

وساهم استدعاء الدولة الموزمبيقية للمرتزقة الروس، وتحديدًا شركة “فاغنر” الروسية الشهيرة التي وصلت قواتها إلى موزمبيق في سبتمبر 2019 لمواجهة الجماعات المسلحة هناك، في تنامي الشعور بأن ثمة تهديدًا يواجه الأقلية المسلمة، وكان ذلك بمثابة عامل مساهم في تحوّل الكثير من الشبان نحو العمل الجهادي، وتعاظمت المواجهة فيما بعد بين هؤلاء الشباب والفاغنر الروسيين، ولم تتمكن القوات المسلحة الموزمبيقية من احتواء العنف الصاعد(21).

مقاتلي فاغنر الروسية في موزمبيق

وتُتهم السلطة السياسية في موزمبيق بأنها مارست قدرًا كبيرًا من انتهاكات حقوق الإنسان بأوامر من الرئيس “فيليب نيوسي”، من اعتقالات تعسفية واسعة النطاق، فضلًا عن اتهامات بالقتل خارج نطاق القضاء، في سياق مواجهتها للعنف هناك، بالإضافة إلى مناخ الصحافة الذي يعاني من قيود تحد من حريته وتعرض الصحفيين للتهديد المستمر(22).

وتفتقر حكومة موزمبيق لاستراتيجية واضحة لمكافحة التمرد أو الجماعات المتشددة، وزاد من أزمة السلطة انتشار فيروس كورونا، وما نجم عنه من أزمة اقتصادية عالمية.

الرئيس فيليب نيوسي

ويرى البعض أن الحكومة الموزمبيقية تحتاج نهجًا يتضمن إجراءات وبرامج سياسية متناسبة تتعامل مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية الأساسية التي دفعت شباب “كابو ديلجادو” إلى حمل السلاح، مع ضرورة بناء حوارات بين قادة المجتمع، وخاصةً مجموعة الأقلية المسلمة، التي ساهمت أوضاعها المرتبكة في تجنيد الجماعات المتشددة لأبنائها (23).

جهاديو الشمال واستغلال مظالم المسلمين

عرف الجهاديون طريقهم إلى الشمال وتحديدًا في كابو ديلجادو ما بين 2015-2018 من خلال دعاتهم القادمين من الحدود التنزانية القريبة من جهة، وقليل من الإسلاميين الكينيين والأوغنديين والصوماليين والكونغوليين من جهة أخرى(24).

كانت هناك حاجة للتعبير عن الهوية الدينية بطريقة أكثر أصولية بعيدًا عن الصوفية الطرقية التي تمثل التدين الشعبي، من قِبل بعض الشباب الموزمبيقي في عام 2015، الذي تلقى قدرًا يسيرًا من التعليم، وكذلك لدى بعض التجار والحرفيين المتجولين والمتمركزين في الشمال، في خضم ممارسات الإقصاء والتهميش الممنهجة(25).

كانت كل السياقات الاجتماعية -إذن- كفيلة بتشظي الظاهرة الجهادية، وظهور الدعاة الأصوليين ذوي الجنسيات المختلفة، وكانت هذه الشبكات الإسلامية تنشط في شرق إفريقيا منذ سنوات، وزاد من توهجها حجم القبول الذي حظي به الدعاة من قبل جمهور الشباب المسلم الذي يعاني من سياق اجتماعي مضطرب، ومعه بدأ الإسلام الجهادي نحو الظهور وتصدر المشهد هناك، وطفت على السطح تشكيلات شبه منظمة: “أهل السنة والجماعة”، منظمة “الشباب” لاحقًا، واللافت أن الدين لم يكن الأداة الوحيدة للمتطرفين(26).

مسلحي حركة الشباب

ففي الوقت الذي لعبت فيه المظالم المجتمعية دورًا في انضمام عدد لا بأس به من مسلمي المقاطعة للتيار الجهادي الصاعد، كانت هذه التنظيمات تقدم عروضًا مغرية لهؤلاء الشباب من خلال تقديم قروض تجارية صغيرة لاستثمارها في قطاعات من اختيارهم، شريطة إعلان المبايعة والولاء لهم، وفي الوقت ذاته تكون هدفًا للتأمين الاقتصادي الشخصي من جهة وتعود على الحالة الجهادية الصاعدة في الوقت ذاته بالنفع من جهة أخرى، وهو تفكير استراتيجي يعكس فهمهم لطبيعة الصراع الذي سيأخذ أشواطًا طويلة المدى.

ومنذ عام 2015 تحولت المساجد وبعض المجمعات التابعة لها إلى ما يشبه معسكرات التدريب. ومن نافلة القول الإشارة إلى أن عددًا كبيرًا من أبناء مقاطعة ديلجادوا لم يكن لديهم القبول لأنشطة هذا التيار الصاعد وعارضوا الكثير من أنشطتهم تلك، وكانت هناك مواجهة بين تيارين داخل مسلمي الشمال تمثّلا في التدين الشعبي بنكهته الصوفية والجهادي بنسخته السلفية المتشددة(27).

ومع بدايات عام 2017 اشتعلت المواجهات الأمنية بين السلطة الأمنية والشباب الجهادي، وبدأت مهاجمة مراكز الشرطة والمباني الحكومية ونجم عنها العديد من الضحايا من الجانبين(28).

أحد ضحايا مواجهة الإرهاب في موزمبيق

وساهمت المواجهات البينية في زيادة أعداد المجندين من المسلمين من قبل التيار الجهادي الناشئ، وزاد من حدته الممارسات الأمنية العنيفة تجاههم وانتشار المسلحين داخل بعض القرى لحماية أنفسهم بعد تزايد المظالم الاجتماعية(29).

وفي عامي 2017-2018 شهدت المقاطعة صعود الحالة الجهادية بالتوازي مع مقتل المئات وتشريد الآلاف من المدنيين(30)، وبحسب “هيومان رايتس ووتش” جرى حرق 400 منزل، وتشريد أكثر من 1000 مواطن، فضلًا عن قطع رؤوس العديد من الأشخاص بالمناجل، وإحراق مسجد(31).

“عبود روجو محمد” (المؤسس)

يعد الجهادي الراحل “عبود روجو” من أبرز الإسلاميين الكينيين المتشددين في الشرق الإفريقي، إذ كان له تأثير كبير على الجماعات المتشددة هناك، ولاقى خطابه استجابة كبيرة من قبل الأفارقة الناطقين باللغة السواحلية، وقدم سلسلة هامة من المحاضرات الملهمة في الجهاد الإسلامي بالصومال في الفترة الممتدة ما بين 2009-2012، ونشط في جمع الأموال للتنظيمات المتشددة نظرًا للثقة والتقدير اللذين كان يحظى بهما في البقعة المترامية الأطراف(32).

وقف “عبود” بقوة أمام عملية السلام الصومالية، ومن خلال محاضراته التي كان يلقيها، دعا “روجو” مرارًا إلى مهاجمة قوات الأمم المتحدة وبعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال (AMISOM)، وحث جمهوره على السفر إلى الصومال للانضمام إلى المعارك هناك.

قوات أميصوم

ودعا “روجو” الكينيين للالتحاق بحركة الشباب الصومالية، وقدم جملة من النصائح شملت كيفية التهرب من السلطات الأمنية الكينية، والطرق التي يجب اتباعها عند السفر من مومباسا أو لامو إلى معاقل الشباب في الصومال، ولا سيما كيسمايو.

وشارك بنفسه في تيسير هذه المهمات(33)، وحظي القيادي الكيني الراحل بشعبية واحترام كبيرين في الأوساط الجهادية بالشمال الموزمبيقي(34).

من “السواحلية السنة” إلى “الشباب”

تشبه نشأة التنظيم -إلى حدٍّ كبير- نشأة جماعة بوكو حرام في نيجيريا، إذ تعود بدايته إلى عام 2014 عندما خضعت مجموعة من السلفيين الشباب في بلدة “موكيمبوا دا برايا” لتأثير التطرف من قبل الدعاة الأجانب من تنزانيا والصومال والسودان.

ومع انطلاقة المجموعة دعت إلى الاحترام الصارم للقواعد الإسلامية، وتطبيق الشريعة الإسلامية في مقاطعة “كابو دلغادور”. وتُشير المعلومات إلى أنه كان للشيخ الكيني “عبود روجو محمد” تأثير كبير على هذا التيار الجهادي الصاعد في الشمال، ما أدى إلى اعتناقهم عقيدته السلفية المتشددة(35)، مستثمرةً المظالم المحلية عبر تقديم مسار بديل للشباب العاطلين عن العمل والمحبطين جراء وجود دولة فاسدة شديدة البطش(36).

ناصب التنظيم الجهادي الوليد الصوفية الطرقية العداء، التي يدين بها غالبية مسلمي الشمال، فيما خاضت نزاعًا مع السلطات المحلية حول تفسيراتها الراديكالية للإسلام.

الصوفية في أفريقيا

تبلورت هذه التصورات العقدية أكثر عندما ضمت الجماعة أتباع “عبود روجو محمد”، وعندما قُتل “روجو محمد” في أغسطس 2012 اتهم أنصاره السلطات الكينية باغتياله.

واندلعت على إثر مقتله أعمال شغب في مومباسا، محل إقامته، ومع استمرار المزيد من أعمال الشغب والقتل، لاحقت السلطات الكينية أنصار “روجو محمد”، فسارع عدد منهم نحو الانضمام إلى حركة الشباب في الصومال، بينما انتقل آخرون إلى جنوب تنزانيا، بحلول عام 2016.

وعبر البعض إلى مقاطعة كابو ديلجادو في موزمبيق والذين مثلوا فيما بعد النواة الأولى لشكل التنظيم الذي أطلق عليه بعد ذلك “أنصار السنة”، ثم تحول الاسم إلى حركة الشباب، ونشطت الحركة في الدعوة إلى تطبيق الشريعة في كابو ديلجادو رافضين الاعتراف بقوانين الدولة(37).

لذا تتعدد تسميات هذه الجماعة، ففي حين يطلق عليها بعض السكان المحليين “الشباب”، يسميها آخرون “السواحلية السنية”، مع التأكيد على عدم الصلة بينها وحركة الشباب الصومالية الوثيقة الصلة بتنظيم القاعدة الإسلامي، وتتركز أنشطتها في المنطقة الممتدة من بيمبا إلى الحدود التنزانية على ساحل كابو دلغادو.

ويُعتقد أن ثمة روابط تجمعها مع “داعش” وسط إفريقيا، ويمكن قراءة العلاقة بين التنظيمين على وجهين؛ الأول: أن الحركة ذات صلة ولائية لداعش من جهة فتتبعها بالقيادة، والثاني أن داعش يحاول الالتفاف عليها والشد من أزرها وتعضيدها لدعم أنشطتها في الداخل، ويؤكد ذلك تبني داعش الكثير من الهجمات بالداخل الموزمبيقي(38).

وتُشير بعض التقديرات إلى أن أعضاء هذا التنظيم يصل عددهم إلى ما يقرب من 1500 عنصر، يعملون في خلايا صغيرة على طول الساحل الشمالي في موزمبيق(39).

مسلحي داعش في موزمبيق

ويتحدث البعض عن أسماء تتقلد مناصب قيادية في التنظيم مثل “نورو أدرمان”، و”غامبي”، و”جعفر علوي” الذي تدرب في الصومال إلى جانب حركة الشباب، وهو ما يجعل البعض يحتار في تبعية الحركة للقاعدة أم داعش، إلا أن الاتحاد الإفريقي أكد أن التنظيم أحد وكلاء داعش في موزمبيق(40)، فضلًا عن تبني داعش عددًا من عمليات الحركة.

وبحلول عام 2018، توسعت أنشطة التنظيم إلى ست مناطق في كابو ديلجادو: “ماكوميا”، “ميتوبا”، “موكيمبوا دى باريا”، “نانجادا”، “بالما”، “كويسانجا”. فيما شهدت ثلاث مناطق أخرى -“بالما”، “ماكوميا”، موكيمبوا دى باريا”- أكثر من 77% من هجمات عام 2018.

وفي العام نفسه دخل التنظيم في مواجهات مع السلطة ومناصريها، في وقت نجح فيه في تجنيد أعداد كبيرة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 20 و35 عامًا في بلدات كل من “ماكوميا” و”بالما” و”نانغاد”(41).

وبحلول أغسطس 2018، حددت الشرطة الموزمبيقية ستة رجال على أنهم قادة أنصار السنة في كابو دلجادو وهم: عبد فيصل، وعبد الريم، وعبد الرمان، وابن عمر، وسليمو، ونونو ريمان.

ويُعتقد أن المجموعة لديها معسكرات تدريب في شمال تنزانيا ومنطقة كيبيتي في تنزانيا والبحيرات العظمى الإفريقية، ويتصاعد الحديث عن دور لعسكريين سابقين انضموا للحركة لاحقًا في تدريب أعضائها بالتوازي مع إرسالها لعدد من أعضائها إلى تنزانيا وكينيا والصومال المجاورة للتدريب الديني والعسكري في سياق الترابط الأيديولوجي بين الحركات الجهادية في المنطقة(42).

الجيش الموزمبيقي مع السكان المحليين

وبحلول عام 2019، بدأت الحركة في الاقتراب من المدن والأقاليم المختلفة وأنشأت عددًا من المراكز الخاصة بالإمدادات وتجنيد المسلحين(43).

وفي منتصف العام نفسه، ارتفع عدد هجمات حركة الشباب بشكل كبير، ومع مطلع عام 2020 اكتسبت الحركة قوة أكبر، ونجحت في السيطرة لفترة وجيزة على مدن صغيرة واستراتيجية وأبرزها “موكيمبوا دي برايا” التي رفعوا عليها فيما بعد علم “داعش” وساعدهم في ذلك ضعف الجيش الموزمبيقي من جهة، والتعاطف من قبل مسلمي الشمال الذين يعانون من الفقر والتهميش من جهة أخرى، واللافت في هذه المسألة هو رغبة الحركة في الاستحواذ على الأرض والتمركز المحلي فيها.

وأصبحت بلدة “كيسانجا” أكثر المناطق استهدافًا في عام 2020، ووقع أكثر من 25% من الهجمات في البلد(44).

في المجمل، رافقت مسيرة الشباب من عام 2018 إلى 2020 جملة من التحولات الهامة، وتمثلت التطورات التي لحقت بالحركة في زيادة رقعة استهداف المواقع العسكرية ومضاعفة معدل الهجمات، والشيء الأكثر بروزًا هو سيطرتها على أراضٍ خارج قاعدتها(45).

ويتحصل التنظيم على المال من خلال أنشطة غير مشروعة، مثل التجارة في الأخشاب والفحم والعاج والمطاط، والتي تشمل شركاء في تنزانيا والبحيرات العظمى والصين وفيتنام. وبالإضافة إلى ذلك، تتلقى المجموعة أيضًا تبرعات محلية وأجنبية من المؤيدين(46).

“الشباب” والولاء لـ”داعش”

انتشرت الأقاويل حول انتماء أنصار السنة لـ”داعش” في يونيو 2018، خاصة حينما أصدر “داعش” أول إعلان عن مسئوليته عن هجوم في البلاد لأنصار السنة، ومنذ ذلك الحين تنشط الحركة على كونها ذراعًا لـ”داعش” في الشمال(47).

داعش في غرب إفريقيا

وفي إبريل 2019، أعلن داعش ما يسمى بمقاطعة إفريقيا الوسطى، والمعروفة باسم “IS-CAP”، وقد اقتصرت الهجمات المنسوبة إلى فرعها في المقاطعة على موزمبيق وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وجاء تموضع “داعش” في هذه البقعة بالتوازي مع صعوده الأخير في الساحل الإفريقي، كردة فعل بعد خسارته لعواصمه الرئيسية في كل من الرقة والموصل 2017.

وفي إطار سعيه لافتراش هذه الجغرافيا الجديدة، سعى “داعش” إلى جذب جماعات إسلامية محلية في ظل تمدده في سياقات سياسية واجتماعية بعدد من دول شرق إفريقيا الرخوة والهشة، لذا وجد “داعش” في شمال موزمبيق -وتحديدًا في مقاطعة “كابو ديلجادو”- منصة ينطلق منها نحو التوسع في بقية أنحاء إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

وفيما يرى البعض أن “أنصار السنة” لا تخضع للسيطرة المباشرة لتنظيم “داعش” في إفريقيا، يرى فريق آخر أن ثمة علاقة براجماتية تجمع بين الإدارة المستقلة تنظيميًا والتابعة منهجيًا لتنظيم الدولة، وسبب هذا أن تنظيم الدولة الإسلامية ادعى في عدد من الهجمات التي قامت بها حركة الشباب مسئوليته، وفي عدد آخر من الهجمات لم يعلن “داعش” مسئوليته.

ويبدو أن “السنة” تزود القنوات الإعلامية المختلفة للدولة الإسلامية بالصور ومقاطع الفيديو عن هجماتها ضد الجيش الموزمبيقي، ومن هنا يأتي الجمع بين التنظيمين(48).

وفي 21 إبريل 2020، أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسئوليته عن مقتل عدد من الشباب الذين رفضوا الانضمام إلى التنظيم(49).

آثار هجوم لداعش في موزمبيق

ويُرجّح أن سبب ظهور “داعش” وتنافسه في الشمال وسعيه لعقد أواصر تعاون مع الحركة الجهادية هناك هو الرغبة في التنافس على غاز الشمال والثروات الطبيعية في المنطقة(50).

ويُشار إلى وجود علاقة بين الفرع الداعشى في موزمبيق والمقاتلين الإسلاميين في جمهورية الكونغو الديمقراطية(51)، وأعلن الاتحاد الإفريقي في تقرير له أن مصادر استخبارية أكدت أن عناصر تنظيم الدولة الإسلامية قد تم نشرهم في أربع دول إفريقية، بما في ذلك موزمبيق.

وفي هذا السياق، يمنح انتماء “أنصار السنة” إلى “داعش” الاعتراف إقليميًّا ودوليًّا بكونها فاعلة إسلامية قابلة للحياة(52).

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

دراسة

مصطفى زهران

باحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram