موسم الغرق

حين غدر النيل بالسودان

اختزل الشيخ السبعيني “محمد إبراهيم حسن” كل معاناة المتأثرين جراء السيول والفيضانات التي اجتاحت ست عشرة ولاية من أصل ثماني عشرة ولاية في السودان، في عبارة “الحمد لله على أقدار الله”.

قالها الشيخ السبعيني وهو يجلس يراقب أثاث منزله وهو يسبح في الماء، ولعل هذه الصورة مطابقة لكل المشاهد التي نقلتها الصحافة العالمية عن المناطق التي تأثرت مؤخرًا. ويقول الشيخ لـ”ذات مصر”، إن “منطقتهم كانت ضمن المناطق التي تأثرت العام الماضي جراء السيول والفيضانات التي ضربت منطقة شمال بحري في مناطق الجيلي وواوسي غرب وواوسي وسط، وبقية قرى الريف حتى قرى ودبك”.

وأضاف “إبراهيم”: “لم نسلم من غدر النيل في السابق، لكننا هذا العام اعتقدنا أننا تحسّبنا للأمر بجهود الشباب الذين أنشئوا المتاريس للحماية من الفيضان الذي تخطى الكثير من متاريسهم، ولا يزال الشباب حتى اللحظة يبذلون جهدهم ويقدمون أجسادهم ترسًا، قبل الجوالات والتراب، في وجه الفيضان، في غيابٍ تام للمسئولين”.

وأردف الشيخ قائلًا إن “الحيطة والحذر لم تغنِ عنهم شيئًا من أقدار الله”، وذلك بعد أن فاض النيل للمرة الثانية وابتلع أجزاء كبيرة من منطقة “ود رملي” شمال الخرطوم بحري من الجهة الشمالية الشرقية، كاسحًا أحياء “حلة علي” ليجد الأهالي أنفسهم في أقل من نصف ساعة يسبحون في المياه .

تكرر المشهد في مدن وقرى شرق ووسط وشمال السودان وأغلب المناطق الواقعة على ضفاف نهر النيل، وحتى المناطق والقرى التي تبعد عن النهر، فمشهد الأسر التي تحاول جمع أثاث المنازل من تحت ركام البيوت المنهارة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أمام السيل الجاري، كان حاضرًا في كل مكان في السودان.

مبادرات شعبية لإيواء المتضررين

“منى محمود” متضررة من السيول، تقول لـ”ذات مصر”: “تضامُن الأهل والأصدقاء معنا خفف علينا المصاب، فمنذ لحظة انهيار منزلنا لم تنقطع المبادرات، بعد أن قضى أغلب المتضررين ليلة نزول السيل في العراء، لكن مع ساعات الصباح الأولى لليوم التالي توالت المبادرات، وتم ترحيل أغلب الأسر والأطفال لمناطق آمنة”.

وأضافت “محمود”: “بعض الشباب بقوا في المناطق المتضررة في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فيما تبرع آخرون بتوفير سكنٍ للمتضررين، وقدم البعض وجبات لهم”.

الإحصاءات الأولية الصادرة عن وكالة الأنباء السودانية تفيد بأن عدد المنازل التي تضررت جراء السيول والفيضانات تجاوز 100 ألف منزل في مختلف أنحاء السودان، فيما تُقدر أعداد المتأثرين بنصف مليون متضرر، الأمر الذي دفع الحكومة لإعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد لمدة ثلاثة أشهر، وإعلان السودان “منطقة كوارث طبيعية”، وتشكيل لجنة عليا لمعالجة آثار السيول والفيضانات .

وزيرة العمل والتنمية الاجتماعية “لينا الشيخ”، أكدت في تصريحات صحفية، أن إعلان حالة الطوارئ جاء عقب الاطلاع على التقارير الواردة من المناطق المتأثرة، والوقوف على حجم الخسائر البشرية والأضرار المادية الناجمة عن السيول والأمطار.

وأوضحت “الشيخ” أن عدد الوفيات بلغ 102 حالة، فيما بلغ عدد الإصابات أكثر من خمسين شخصًا بإصابات متفاوتة، لافتةً إلى أن معدّل الفيضانات والأمطار لهذا العام هي الأعلى منذ 1946 مع توقعات باستمرار مؤشرات ارتفاع المعدلات.

غرق معسكرات الإخلاء

الطبيب “جعفر أبو زيد”، من سكان منطقة واوسي شمال الخرطوم بحري، أشار في حديثه لـ”ذات مصر” إلى تردي الأوضاع الإنسانية في المنطقة، وذلك بعد غرقها للعام الثاني على التوالي، لافتًا إلى أن معسكر الإخلاء المخصص لإيواء المتضررين من فيضان العام الماضي، والذي يقع غرب طريق “التحدي”، ضربه الفيضان هذا العام أيضًا، وتم نقل السكان إلى المدارس والخيام بالمناطق المجاورة.

وأوضح “أبو زيد” أن أماكن الإيواء التي جرى توزيع المتضررين عليها، تغيب عنها الخدمات العامة والصحية والدعم الغذائي، وتخلو من الحمامات، لافتًا إلى ظهور العديد من المشكلات الاجتماعية بها نتيجة غياب القوات النظامية عن المشهد.

وأضاف “أبو زيد” أن الفيضان ضرب المعسكر الثاني الذي يقع شرق طريق التحدي، حيث تعيش 250 أسرة غرقت خيامهم، وتم توزيعهم على المناطق المجاورة أيضًا، موضحًا حاجتهم للخدمات عمومًا مع الغذاء والخيام والدعم الصحي والدواء.

تمساح يسبح في الغرفة

“هاشم عبدالله صالح”، أحد سكان المنطقة، يقول لـ”ذات مصر”، إن هذه “المحنة كشفت المعدن الأصيل لشباب المنطقة وللمجتمع السوداني بصورة عامة”.

ويروي “صالح” اللحظات التي سبقت الفيضان قائلًا إن “شباب لجان المقاومة بمناطق الخرطوم بحري، وتحديدًا بمنطقة (حلفاية الملوك)، بنوا ترسًا ترابيًّا للوقاية من الفيضان بجوالات يتم ملؤها بالتراب، إلا أن الفيضان اكتسح ذلك الترس فهرعوا لإنقاذ الأرواح وإخراج الأطفال والنساء وكبار السن”.

وتابع “هاشم”: “كل هذا الدمار تم في لحظة من الزمن، ولم تصمد المباني كثيرًا حتى توالت في الانهيار” مضيفًا: “البعض شاهدوا تمساحًا يسبح بين أثاث المنازل الغارق”.

وفي مناطق أخرى، تمثل الخطر في انقطاع الطرق، فقد أحدثت السيول والفيضانات أضرارًا بالغة على الطرق الرئيسية، خاصة تلك التي تربط ولايات السودان بالخرطوم، وقد يؤدي ذلك للحيلولة دون التدخلات الممكنة من قبل الحكومة، وصعوبة إمداد تلك المناطق بالمواد البترولية والغذاء والدواء.

وتبيّن الغياب التام للمسئولين على مستوى المحليات والوحدات الإدارية، إلا أن البعض يُرجع ذلك الغياب إلى ضيق ذات يد هذه السلطات، وقلة حيلتها، وكِبَر حجم التحدي الذي وصفوه بفوق إمكانات المحليات والوحدات الإدارية، حيث يحتاج إلى تدابير واحتياطات لا تتوفر لديهم.

ورصدت “ذات مصر” وجود عددٍ من ضباط وضباط صف وجنود الدفاع المدني في المناطق المتضررة، دون أن يتوافر لديهم وسائل إنقاذ وحماية حال حدوث أي طارئ، لكنهم ظلوا يتدخلون لتحديد مواقع الأضرار، وتوجيه المركبات وإبعادها من مواقع الحفر والانزلاقات.

أضرار بالغة في القطاع الزراعي

“يعقوب آدم”، أحد مزارعي “القطاع المطري” بمنطقة النيل الأزرق، يقول لـ”ذات مصر”، إن المزارعين تضرروا بصورة مزدوجة: الأولى على مستوى المساكن، والثانية في مشروعاتهم الزراعية.

وأكد “آدم” أن المزارعين صرفوا كل مدّخراتهم في الزراعة، بل إن أغلبهم أخذ قروضًا من البنوك للتوسع في الزراعة؛ الأمر الذي يضعهم في نزاع مستقبلي مع البنوك، إذا لم تُراعِ الأخيرة عدم قدرتهم على الوفاء بالسداد.

وتسببت السيول في أضرار بالغة للقطاع الزراعي في مناطق وأجزاء متفرقة من السودان، حيث أتلفت آلاف الأفدنة من محاصيل الذرة والسمسم والفول السوداني، مما ترتب عليه أضرار وخسائر مادية على أصحابها وعلى خارطة الإنتاج بالبلاد.

وتعرّض نحو 90% من المشاريع الواقعة في المنطقة من شمال الدمازين بولاية النيل الأزرق حتى حدود الولاية مع “سنار” للتلف.

مساعدات دولية خففت من وقع المأساة

ووجدت النداءات التي أطلقها الناشطون لإنقاذ السودان استجابات واسعة من مختلف الدول العربية والأجنبية، فقد قرر مجلس الوزراء الكويتي إرسال مواد إغاثة بصورة عاجلة للمتضررين، كما أعلنت السفارة البريطانية عن سعيها مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية للاستجابة العاجلة لدعم ومساندة حكومة السودان في درء آثار الفيضان.

ووصلت إلى الخرطوم، أمس، شحنة جديدة من المساعدات المصرية عبر ثلاث طائرات عسكرية، وهي الشحنة المكونة من 42 طنًّا من الأدوية والمستلزمات الطبية، والمواد الغذائية.

 وكان في استقبال الشحنة بمطار الخرطوم الدولي مفوض العون الإنساني بالسودان “عباس فضل الله”، وممثلون لوزارة الصحة، والقائم بالأعمال المصري في السودان السفير “نادر زكي”، وملحق الدفاع المصري العميد أركان حرب “أحمد الشاذلي”، وطاقم السفارة المصرية بالخرطوم.

وقال “عباس فضل الله”، مفوض العون الإنساني في تصريحات صحفية: “منذ بداية الجسر الجوي الذي مدته مصر إلى السودان، استلمنا 8 طائرات تحمل مواد إغاثة من مستلزمات إيواء ومواد غذائية ومعدات طبية وأدوية”.

وأعرب “فضل الله” عن شكره للرئيس “السيسي” والحكومة والشعب المصري والسفارة المصرية في السودان، والعاملين في الحقل الإنساني، لافتًا إلى أن الجسر الجوي سيتواصل في الأيام المقبلة.

من جانبه، قال القائم بالأعمال المصري في السودان السفير “نادر زكي”، إن الطائرات الثلاث التي وصلت أمس تأتي ضمن الجسر الجوي المصري لمساعدة الأشقاء في السودان على مواجهة آثار الفيضانات والسيول.

وأشار “زكي” إلى أن الجسر الجوي لم يبلغ حتى الآن 50% من الشحنات المُقررة.

إلى ذلك، وصلت وزيرة الصحة الدكتورة “هالة زايد”، السودان مساء أمس للوقوف على الأوضاع على أرض الواقع، وللقاء المسئولين السودانيين، وبصحبتها وفد طبي مكون من 20 طبيبًا ومتخصصًا في مجالات مختلفة سيبقون في السودان لحوالي 10 أيام، بالإضافة إلى شحنة من الأمصال المختلفة والمستلزمات الطبية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد بامنت

صحفي سوداني

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search