وجهات نظر

موسيقانا الغنية التي أفقرناها

تحت عنوان “التطوير” بدأت رحلة تبسيط الخطاب الغنائي والتلحيني منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، لكن الآثار السلبية لهذه الرحلة كانت عميقة، وانعكست على المشهد الغنائي كله.. ولعل أشد هذه الآثار تمثل في التخلي عن عشرات المقامات الموسيقية والأوزان الإيقاعية.. فأما المقامات، فتقلصت في الألحان العربية إلى نحو 10 مقامات أو 15 على الأكثر، وأما خسارة الإيقاعات فكانت فادحة، لأن مستودعها الأساس ومخزنها الأكبر كان قالب الموشح، الذي أخذ في الانحسار، لا  سيما مع زعامة عبدالوهاب وأم كلثوم للغناء منذ العشرينيات.

 وقد بذل المشاركون في مؤتمر الموسيقى العربية عام 1932 جهودا توثيقية كبيرة.. ويمكننا أن نتوقف أمام إحدى أهم لجان المؤتمر، وهي لجنة المقامات والإيقاعات والتأليف، التي ترأسها الموسيقي التركي رؤوف يكتا بك، وشغل الموسيقي المصري صفر علي منصب سكرتيرها.. بذلت هذه اللجنة جهودا كبيرة جدا، لتوثيق المقامات العربية في جانبها النظري.. فقد اعتمدت اللجنة التقرير الذي قدمه البارون رودلف دي ارلنجر، لشرح وتحليل أكثر من 90 مقاما.

وكانت طريقة عرض المقامات، كما جاءت في كتاب المؤتمر، عميقة في التناول، حيث يبدأ باستعراض سلمي لأبعاد المقام عبر ديوانين موسيقيين “أُكتافين” صعودا وهبوطا، ثم يستعرض عقوده أو أجناسه ضمن الديوانين صعودا وهبوطا.. ثم يوضح دائرة عمله، والطريقة المثلى للدخول فيه، وبعد ذلك يوضح النغمات التي يجب التركيز عليها كي تتضح شخصية المقام.

وما من شك، في أن ما استعرضه المشاركون في مؤتمر الموسيقى العربية الأول، يمثل حالة من الثراء الموسيقي كان يمكن أن تنعكس على الإنتاج الفني من الألحان والتأليف الآلي في القرن العشرين، لكن لأسباب كثيرة ظل الملحنون العرب أسرى لعدد محدود من المقامات لا يجاوز العشرين منذ بداية عقد الأربعينيات حتى أوائل الثمانينيات التي ترسخ فيها الانقطاع والتراجع، وانحسرت الألحان في نحو 5 أو 6 مقامات، كان للكرد منها نصيب الأسد.. فبدا المشهد الغنائي هزيلا غثا تائها يدور حول نفسه ويجري في محله.

وكانت عناية القدماء من رواد النهضة الموسيقية القدماء في مصر بالإيقاع عناية كبرى يمكن أن تتضح بمجرد مطالعة مصدر مهم مثل “سفينة الملك ونفيسة الفلك” للشيخ محمد شهاب الدين (1795- 1857) وهو المرجع الأول والأقدم في فن الموشحات، حيث يذكر الشيخ المؤلف 17 إيقاعا يقول إنها اشتهرت في مصر، ولا يكتفي بسردها نثرا، ولكنه ينظمها في أبيات على طريقة متون العلم الشرعي، ويستهلها قائلا:

ضرب موازين الأغاني نظمتها.. وهاهي يا ابن الفن بعد ستذكر

خفيف ثقيل شنبر ومربع.. وكذا ورشان فاخت ومحجر

وعام 1904 وضع كامل الخلعي كتابه المرجعي “الموسيقي الشرقي” وفيه يذكر أحيانا كيفية تلقيه بعض الإيقاعات، بطريقة تشبه تلقي العلوم الشرعية، التي تتطلب ذكر الإسناد، وتبجيل التلميذ لشيخه، فيقول عند ذكره لإيقاع “الخفيف”: “هذا الوزن فقد من مصر، وفي سفينة المرحوم الأستاذ الشيخ شهاب موشح واحد عليه “بياتي”… أما نحن فقد تلقينا هذا الوزن على حضرة أستاذنا المرحوم الشيخ أحمد أبي خليل القباني، على موشحه العجم عشيران البديع الصناعة”، وعند ذكره لإيقاع “الأربعة وعشرون” يقول: “هكذا تلقيناه على حضرة الأستاذ الشيخ محمد عبد الرحيم، الشهير بالمسلوب”.

ويشير الخلعي أحيانا إلى ندرة الإيقاع، فيقول عند ذكره لضرب “المحجر”: “إن الموشح الوحيد المنظوم على هذا الوزن من أبدع الموشحات التي يتفاخر بها المصريون، وهو “زارني باهي المحيا” (السيكاه)، ولما فقد تلحينه الأصلي من مصر، وصار لا يعرفه إلا القليل، فقد تلقيته على أصله عن حضرة الأستاذ الشيخ إبراهيم المغربي، ملحن طرق المولد النبوي الشريف، التي يلقيها حضرة الأستاذ الشهير الشيخ إسماعيل سكر، الفريد في هذا الباب”.

وعازف الإيقاع المعاصر لا يلقى نفس القدر من الاهتمام الذي توليه الجماهير لعازف عود أو قانون أو كمان أو ناي، وربما أسهمت الفكرة الشعبية عن “الطبال” في بخس الإيقاع وعازفيه ما يستحقون من اهتمام وعناية.. وبالطبع، فإن البون شاسع، بين حديث الشيخ شهاب الدين عن الإيقاعات ونظمه أسماءها في أبيات، وأيضا حديث كامل الخلعي عن الإيقاع، والشيوخ الذين تلقاه عنهم، وذكره بألقاب الاحترام والتوقير، وبين الصورة الذهنية الشائعة في الوعي الشعبي عن “الطبال”، الذي لا ترفعه الجماهير إلى مكانة العواد أو القانونجي أو الكمنجاتي.

في الموسيقى الشرقية عشرات الأوزان الإيقاعية، تختلف في أشكالها طولا وقصرا، ويمكن لمن يرصد تراثنا الغنائي والموسيقي، بكل أشكاله وقوالبه أن يظفر بما يقارب المئة إيقاع، تمثل ثروة وثراء فنيا لا يكاد يعرف له نظير في غير الموسيقى الشرقية.

والإيقاع يدخل في معظم قوالب الغناء، فنجده في الموشح والقصيدة والدور والطقطوقة والمونولوج، وبالطبع يخلو منه الموال، وبعض المقاطع التي يقرر الملحن أن تكون مرسلة، وكذلك يدخل في أغلب أشكال التأليف الآلي، مثل السماعي والبشرف واللونجا والسيرتو، وحتى التقاسيم التي يغلب عليها أن تكون مرسلة، منها ما هو موقع، يواكب فيه العازف الضغوط الإيقاعية، لتصبح قيدا اختياريا لذيذا على ارتجاله.

مع نهاية القرن التاسع وبدايات القرن العشرين، تراجعت إلى حد كبير القصائد المرسلة، وزاد الاهتمام بالقصيدة الموقعة، لا سيما بألحان الشيخ أبو العلا محمد، الذي ترك عددا كبيرا من ألحان القصائد الفخمة، وكانت كلها على إيقاع الواحدة الكبيرة (4/4).. وقد انتشرت هذه القصائد بعد أن شدت بها أم كلثوم، وطبعتها شركات الأسطوانات، ومن أهم أمثلتها: “وحقك أنت المُنى والطلب”، “أمانا أيها القمر المطل”، “أفديه إن حفظ الهوى أو ضيعا”، “أكذب نفسي”.

ومع هيمنة صوتَي أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب على الغناء العربي منذ منتصف عقد العشرينيات من القرن الماضي، انمحت القصيدة المرسلة من المشهد الغنائي المصري، وسيطر الإيقاع على هذا القالب، بألحان عبد الوهاب ومحمد القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي.. وبالرغم من أن “الدور” يعد من أهم القوالب الكلاسيكية، فإن الملحنين استخدموا فيه عددا محدودا من الإيقاعات، غلب عليها المصمودي بنوعيه الكبير والصغير، والوحدة الكبيرة، والأقصاق (9/8) والنواخت (7/8)، والدارج (فالس).. لم يكن الدور ساحة صالحة للاستعراض الإيقاعي، واعتاد الملحنون في معالجتهم له على عدد من الإيقاعات تكاد تعد على الأصابع.

وظل قالب الموشح، يمثل المستودع الأكبر للإيقاعات العربية، ومن خلال حفظه وتوريثه وصلتنا إيقاعات لم تكن لتصل أو يسمع بها أحد لولا وجود موشح أو أكثر يمثل شاهدا تلحينيا عمليا للإيقاع.. فكل موشح هو صندوق يحفظ مقامه وإيقاعه.. وإذا كانت القصائد والطقاطيق في صورتها الحديثة المطولة تعرف بعض المقاطع المرسلة، فإن الموشح لا يعرف إرسالا، فهو مقترن بالإيقاع في كل الأحوال، سواء منه ما كان قديما معتقا أو جديدا نسبيا، مجهول الملحن أو معروفه، قوي اللحن أم ضعيفه.

ومن خلال الموشحات، يمكننا أن نتعرف على كنوز الإيقاع: “الدارج” و”السماعي الثقيل” و”السربند” و”النواخت” و”المصمودي” بنوعيه، و”المربع” و”المخمس” و”الشنبر” و”المحجر” و”الفاخت” و”الظرافات” و”المدور” و”الورشان” و”الرهج” و”الأوفر” و”الزنجير” و”الدور الكبير” و”الرمل” و”الزرفكند” و”السماعي أقصاق” و”الدور الهندي” وغيرها من الإيقاعات المختلفة في عدد وحداتها وفي سرعة ضربها.

كان قطع أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب صلتهما بالموشح أشبه بحكم إعدام على هذا القالب، فنسي تماما، وصارت الفرق الموسيقية تقدمه بأسلوب متحفي، باعتباره جزءا من الماضي الفني، وكانت النتيجة الحتمية لهذا الإهمال هي نسيان عدد كبير من الإيقاعات، ودوران الملحنين العرب في عدد محدود منها، مع تجنب متعمد للأوزان الكبيرة والمعقدة، التي تحتاج إلى عازفين في غاية التمكن، كادوا أن ينقرضوا، فلم يبق منهم إلا قليل، ينشغل ببروفات العزف، لأغان تتسم بالخفة، والبساطة الإيقاعية.

وكعادتنا، ومن خلال أعلام موسيقيينا، بددنا رصيدا فنيا ضخما، وقلصنا أنواع الإيقاعات المسخدمة في ألحاننا، وبتضييع عشرات المقامات وإهمال عشرات الإيقاعات أضعنا كنزنا الموسيقي الكبير، وأفقرنا موسيقنا رغم ثرائها وغناها.

هيثم أبوزيد

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى