زوايامختارات

موعد مع الركود.. اقتصاد فرنسا فريسة للعمالقة وكورونا والمقاطعة

 

تعي باريس جيدًا خطورة مقاطعة منتجاتها وانكماش أسواقها، وهي التي عانت قبل عام من قرار أمريكي صارم ردًّا على خطط باريس لفرض ضريبة على عمالقة التكنولوجيا الأمريكية، قبل أن تتمكن كل من واشنطن وباريس من احتواء الحرب التجارية بينهما بتأجيل قرار تطبيق الضريبة الرقمية لحين الوصول إلى اتفاق من خلال منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وأشارت وكالة بلومبيرج الدولية، في أحدث تقرير لها، إلى أن الاقتصاد الفرنسي يمر حاليًّا في “مرحلة غامضة”، بسبب ضبابية القرارات الحكومية في ما يتعلق بتشديد إجراءات مواجهة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، وتوقعات البنك المركزي الفرنسي بتضرر الاقتصاد المحلي من استئناف غلق أسواق ومرافق البلاد، لمواجهة تفشي أكبر لفيروس كورونا مع دخول فصل الشتاء، وارتفاع الديون الفرنسية إلى ضعف متوسط ديون دول منطقة اليورو، بنهاية النصف الأول من العام الحالي، مدفوعة بنمو كبير في الدين الخاص.

لذا لم يكن مستغربًا حرص الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، على الظهور بنفسه إعلاميًّا لتوجيه خطاب هادئ ورزين لجموع الشعب الإسلامي والعربي، في محاولة مبكرة لاحتواء الغضب المتأجج عقب نشر رسوم مسيئة للرسول محمد، في صحيفة شارلي إبدو الفرنسية نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وفي أعقاب ذلك انطلقت دعوة لمقاطعة المنتجات الفرنسية استمرت إلى الآن.

كورونا في فرنسا

أزمة تجارية قريبة مع أمريكا

في غضون شهر أو أقل، تجد باريس نفسها في صدام تجاري مؤجل من العام الماضي مع الولايات المتحدة. وتتعرض فرنسا لعقوبات أمريكية وسط فترة انتقال السلطة بين الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب والرئيس المنتخب جو بايدن.

ففي يوليو/ تموز 2019، أقر البرلمان الفرنسي فرض ضريبة 3% على إيرادات الشركات الأمريكية، عمالقة التكنولوجيا “فيس بوك، وأمازون وجوجل وآبل”، في أول خطوة من نوعها في العالم.

وبلغت عائدات هذه الضريبة 350 مليون يورو في 2019 فقط، ما دفع الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، للرد على باريس بفرض رسوم جمركية 100% على بعض المنتجات الفرنسية تستهدف بقيمة 1.3 مليار دولار، من بينها الأجبان ومستحضرات التجميل وحقائب اليد.

وبعد فشل التوصل لاتفاق، ستبدأ الدولتان في تطبيق قراراتها اعتبارًا من الشهر المقبل ديسمبر/ كانون الأول.

وبالفعل تلقت شركات خاضعة لهذه الضريبة، منها فيس بوك وأمازون، إشعارًا ضريبيًّا لتسديد أقساط 2020، حسب ما أكدت صحيفة “فاينانشيال تايمز” الأمريكية.

إصابات كورونا في فرنسا

لهذا، تضغط باريس حاليًّا على الرئيس المنتخب جو بايدن، من أجل التوصل لاتفاق بشأن الضريبة الرقمية العالمية.

وأعرب وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير، عن أمله أن تتمكن أوروبا من التوصل إلى حلٍّ وسط مع الرئيس الديمقراطي الجديد. وقال لوسائل إعلام فرنسية قبل أيام: “من المحتمل أن تكون هذه البداية الجديدة هي الحصول على إجماع على مستوى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بحلول عام 2021… أعتزم مناقشة مجموعة متنوعة من القضايا، بما في ذلك التجارة والاقتصاد العالمي، خلال أول لقاء لي أو اتصال مع بايدن”.

ترامب وماكرون

ترامب وماكرون

في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، أعلنت شركة “دانون” الفرنسية للصناعات الغذائية أنها تنوي التخلي عن نحو 2000 عامل في مختلف فروعها بفرنسا والخارج من أجل “تسهيل” شؤونها التنظيمية وتيسير العودة لتحقيق النمو.

Le Covid-19 a redéfini nos modes de vie, de travail et de consommation. En tant qu’acteur de l’alimentation, le besoin de réinvention est plus que jamais d’actualité. Nous annonçons donc une nouvelle organisation qui donne la priorité au local : https://t.co/zfmtxUt0uf

— Danone (@Danone) November 23, 2020

صحيح أن الشركة ذكرت صراحة أن سبب هذا القرار في هذا التوقيت هو تأثيرات جائحة “كوفيد-19″، وأنها أوضحت أنها ستتخلى في فروعها الفرنسية عن نحو “400 إلى 500” عامل، معظمهم من أصحاب المسؤوليات داخل الشركة كمديري ومسؤولي التسيير، إلا أن تلك التداعيات الاقتصادية الخطيرة لم تتحمل معها ضعف الإقبال على المنتجات نتيجة دعوات المقاطعة.

وأعلنت الشركة في بيانها أنها تتوقع تراجع نفقاتها العامة والإدارية بـ700 مليون يورو، ما يمثل 20% من تكاليف بنيتها، وتراهن على موارد جديدة للإنتاج الصناعي تسمح بخفض كلفة المنتجات المطروحة للبيع بـ300 مليون يورو، وتنوي المجموعة توفير مليار يورو بحلول 2023.

سلسلة متاجر كارفور بادرت مطلع الشهر الحالي بإصدار بيانات لعملائها في عدد من الدول العربية والإسلامية، منها مصر والإمارات والسعودية والكويت وعمان والبحرين، تؤكد فيها أن ملكيتها تعود لشركة ماجد الفطيم الإماراتية، وتشدد على أن المقاطعة تضر بالعمالة في فروع الشركة في هذه الدول، وأن النسبة الأكبر من منتجاتها من الإنتاج المحلي وليست مستوردة من فرنسا.

pic.twitter.com/Dgqd70iz3x

— كارفور السعودية (@CarrefourSaudi) November 2, 2020

شركة كارفور فرنسية الأصل، وتعد واحدة من أكبر سلاسل التجارية في العالم من حيث الحجم وثاني أكبر مجموعة لمنتجات التجزئة في العالم من حيث الدخل بعد وول مارت، وتعمل بنحو رئيس في أوروبا والصين والبرازيل والأرجنتين وجمهورية الدومنيكان وكولومبيا.

الركود الفرنسي

نظرة عامة على الاقتصاد الفرنسي

عمومًا، يتجه الاقتصاد الفرنسي إلى الانكماش 9.8% خلال العام الحالي 2020، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، كما سجل النشاط الاقتصادي في منطقة اليورو تراجعًا كبيرًا الشهر الحالي، وانخفض مؤشر مديري المشتريات المركب في المنطقة إلى 45.1 نقطة مقارنة بـ50 نقطة في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وهو المعدل الأدنى خلال 6 أشهر، بسبب عمليات الإغلاق وانتشار الموجة الثانية من انتشار فيروس كورونا، بحسب مؤشر “آي إتش إس ماركت” للأبحاث العالمية.

ولا تزال الصادرات الفرنسية أقل 17% من مستوياتها في عام 2019، وانخفضت الواردات الآن 91% عن متوسط مستواها لعام 2019.

وتقترت فرنسا من عتبة 52 ألف وفاة بفيروس “كوفيد-19″، وتجاوز عدد الإصابات فيها مليونين و196 ألفا و119 حالة حتى السبت 28 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي.

وفي محاولة لتخفيف مساوئ هذا الانكماش، أعلن الرئيس الفرنسي في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، سلسلة إجراءات من شأنها تخفيف الحجر المفروض لاحتواء انتشار فيروس كورونا في البلاد، على 3 مراحل، تبدأ اعتبارًا من السبت 28 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، بإعادة فتح جميع المتاجر، ثم السماح بالتنقل 3 ساعات يوميًّا والمطاعم تظل مغلقة، ثم رفع الحجر الصحي الشامل يوم 15 ديسمبر/ كانون الأول المقبل وإحلال حظر تجول على الصعيد الوطني من الساعة التاسعة مساءً حتى الساعة السابعة صباحًا بدلاً منه.

 

 

ندى الخولي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى