سياسة

مولانا النائب تحت القبة.. هل يسيطر الصوفيون على مسار الفتوى في مصر؟ 

ثلاثة نواب في مجلس النواب المصري لأول مرة من مشايخ الصوفية

ثلاثة نواب في مجلس النواب المصري لأول مرة من مشايخ الصوفية.. أمر مثير وجديد على الساحة المصرية، إذ طالما عُرف الصوفيون بـ”زهدهم” العام، وفي المجال السياسي خاصة، لكن لبرلمان 2021 رأي آخر، إذ ضم البرلمان ثلاثة من أقطاب الصوفية، وصار رئيس اللجنة الدينية الدكتور علي جمعة، الذي أسس طريقة صوفية في 2018 لينضم إليها عدد من أمناء الفتوى بدار الإفتاء المصرية، ما يثير التساؤل حول صعود الصوفية وتأثيرات هذا على مسارات الفتوى.

علي جمعة شيخ الصوفيين

“سيدي أبو الحسن نور الدين علي جمعة”.. يبدأ الملف التعريفي للدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء وعضو مجلس النواب ورئيس اللجنة الدينية به، بتلك الجملة، حسبما تعرفه الطريقة الصديقية الشاذلية الصوفية التي أنشأها عام 2018م.

في 12 يناير الماضي، أدى “جمعة”، شيخ الطريقة الصديقية الشاذلية، اليمين الدستورية في الجلسة الافتتاحية للفصل التشريعي الثاني لمجلس النواب المصري، بعد صدور قرار تعيينه من رئيس الجمهورية، وهو ما اعتبره “تكليفا وتشريفا”.

علي جمعة، شيخ الطريقة الصديقية الشاذلية ورئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب

وقال “جمعة” في أول تعليق له على تعيينه بمجلس النواب: “علمنا مشايخنا أننا لا نطلب ولا نرفض”، ليتولى عقب ذلك رئاسة اللجنة الدينية بالمجلس، موضحًا، في تصريحات لوسائل إعلام مصرية، أن أبرز ما يشغله في فترة عضويته بالمجلس قضايا الأسرة، وملف المعيشة، ومواجهة الجرائم الإلكترونية.

ليس “جمعة” الصوفي الوحيد بالمجلس، فمعه أيضًا الدكتور عبد الهادي القصبي، رئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية في مصر، وشيخ الطريقة الخلوتية، وأيضًا الدكتور محمد أبوهاشم، شيخ الطريقة الهاشمية، ليجمع مجلس النواب لأول مرة ثلاثة من مشايخ الطرق الصوفية.

الطريقة “الشاذلية” وأمناء الفتوى

 في 2018، استطاع “جمعة” تسجيل الطريقة الصديقية الشاذلية، حيث اعتمدتها المشيخة العامة للطرق الصوفية في 2 أغسطس 2018، وهي تنسب إلى الشيخ أبو الحسن الشاذلي من طريق عبد الله بن الصديق الغماري، من كبار علماء الأزهر الشريف، والمتوفى سنة 1992.

تعرف الطريقة نفسها بأنها تهدف إلى التربية الدينية والروحية بما يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية والدعوة إلى العمل بها بالوعظ والإرشاد، ولا يجوز لأعضائها القول بعقائد أو إتيان أفعال أو إقامة موالد أو احتفالات أو أذكار تخالف أحكام الشريعة الإسلامية أو النظام العام أو الآداب.

في العام نفسه، أنشئت فرقة “نور النبي” كفرقة إنشاد صوفي أسسها “عبد الله بكير”، أحد تلامذة علي جمعة، لتمثل الطريقة الشاذلية، وترتدي الفرقة الزي المغربي تيمنًا بالشيخ عبد الله صديق الغامري المغربي، شيخ الطريقة الشاذلية، التي تنسب إليه وإلى الدكتور علي جمعة كذلك.

شاركت الفرقة في الاحتفال بعيد الميلاد المجيد بإنشاد للسيدة العذراء مريم، في حفل أقامته بسانت كاترين بعد فتوى مثيرة للجدل لـ”جمعة”، تجيز توسل المسلمين بالسيدة مريم العذراء، لتكون بذلك أول فرقة إنشاد ديني تغني للسيدة مريم.

ظهرت الفرقة في لقاءات تليفزيونية مع “جمعة” تزامنا مع مناسبات دينية مختلفة، كذلك أحيت احتفالات للطريقة الشاذلية، حضرها عدد من قيادات دار الإفتاء المصرية المنتسبين للطريقة، كالدكتور عمرو الورداني، والدكتور أحمد وسام، وأيضًا الدكتور أسامة الأزهري، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الدينية.

أبناء الطريقة الصديقية الشاذلية هم أبرز أعلام دار الإفتاء المصرية والأزهر، فإضافة إلى الأسماء السابقة، ينتسب إليها كذلك الدكتور مجدي عاشور، مستشار مفتي الجمهورية وأمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، والشيخ محمد عوض المنقوش، والشيخ وليد السيد الأزهري، والشيخ هشام حنفي، وغيرهم.

أسامة الأزهري، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الدينية

فتاوى بنكهة صوفية لجمعة وتلامذته

من خلال هذا التقارب بين أمناء دار الإفتاء وطريقة علي جمعة، بدأت تظهر انعكاسات المد الصوفي بشكل واضح داخل دار الإفتاء خلال الفترة الماضية، عبر استخدام بعض أمناء الفتوى مصطلحات صوفية أو الحث على بعض الممارسات، فمثلا عبارة “علمني شيخي أو علمنا شيوخنا”، التي يبدأ بها الصوفي حديثه مرجعًا الفضل لشيوخه الأوائل، ومستندًا في فتاواه وآرائه إلى تجاربهم، تجدها رائجة بشدة في الخطاب الصوفي الخارج من المفتي السابق أو شيوخ دار الإفتاء المصرية، أو تلك المصطلحات الأخرى مثل “المجربات”، فتصادفك فتوى من دار الإفتاء ينصح فيها أمين الفتوى بأحد المجربات الصوفية في الذكر، من تلك الفتاوى الأذكار التي ينصح بها “جمعة”، منها قوله: “يا لطيف”، فيقول لإحدى السائلات إن عليها أن تردد هذا الذكر 129 مرة، كما قال “المشايخ”، حتى يكشف الله كربها ويزيل همّها.

الصلاة النارية.. صلاة الصوفيين الأكثر شهرة

ملمح آخر للمد الصوفي في دار الإفتاء، هو الحث على أداء ما يُعرف عند الصوفية بـ”الصلاة النارية”، وهي بالأساس دعاء لتفريج الكروب وكشف الهموم، وشائعة الاستخدام عند الصوفية، ومن أشهر نصوصها: “اللَّهُمَّ صلّ صلاةً كاملةً وسلّمْ سلامًا تامًا على نبىٍ تنحلُّ به العقدُ وتنفرجُ به الكُرَبُ وتُقْضَى به الحوائجُ وتُنَالُ به الرغائبُ وحسنُ الخَوَاتِيم ويُستسقى الغمامُ بوجههِ الكريمِ وعلى آلهِ”.

“هذه من المجربات ولم يأت بها الشرع وإنما أخذناها من الكون والوجود والتكرار، لكن لم يرد لا صياغة الصلاة التازية أو النارية”.. يقول “جمعة” عن “الصلاة النارية”، التي ينصح بها أمناء الفتوى بدار الإفتاء المصرية ويفتون بمشروعيتها، وهي في الأصل صلاة صوفية، يضيف عنها “جمعة”: “سُمّيت بالنارية من تجربتها واستجابة الدعاء بها، لأنها سريعة المفعول، وهي منسوبة إلى الشيخ التازي، العارف بالله إبراهيم التازي الوهراني، وهو أحد أعلام الصوفية بالمغرب”.

لأمناء الفتوى بدار الإفتاء المصرية عدد من الفتاوى والنصائح حول الصلاة النارية، فيعرفها الدكتور أحمد ممدوح، أمين الفتوى بدار الإفتاء، عبر فيديو نشرته صفحة الدار الرسمية للتفنيد ورد الشبهات التي طالتها، فيقول إن هذه الصلاة “تُقال عندما يكون لدى الإنسان حاجة، فيصلي على النبي بهذه الصيغة 11 مرة أكثر أو أقل، لكن في الحاجة الشديدة، العدد الأكبر، الأكثر شهرة وشيوعًا وانتشارًا هو 4444 مرة بلا زيادة ولا نقصان، وهذا العدد يستمده الصوفيون من مجربات الشيوخ والعارفين”.

جواز التبرك والتوسل وزيارة الأضرحة

“أصل الدعوة الإسلامية يقوم على التوحيد، والإسلام يحارب – جاهدًا – كل ما يقرب الإنسان من مزالق الشرك بالله، ولا شك أن التوسل بالأضرحة والموتى أحد هذه المزالق، وهي رواسب جاهلية”.. هكذا يقول الشيخ حسن مأمون، مفتي الديار المصرية الأسبق، لكن مؤخرًا أصدرت دار الإفتاء المصرية فتاوى تجيز التبرك بالأضرحة والأولياء، وقد أفتى “جمعة” أثناء توليه منصب الإفتاء عام 2012 بجواز قصد الصالحين وزيارتهم واستحباب ذلك، ردًا على سؤال ورد للدار حول حكم زيارة الأولياء والتوسل بهم، وأكد “جمعة” في فتواه أن التوسل “لا حرج فيه عند جماهير أهل العلم، إذ التوسل في الحقيقة إنما هو بأعمالهم الصالحة، وهو من السبب المأمور به في قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)، مع اعتقاد المسلم بأنه لا خالق إلا الله، وأن الإسناد لغيره لكونه سببًا لا لكونه خالقًا ولا باعتباره معبودًا من دون الله”.

ليست فتوى “جمعة” الوحيدة، إذ أفتت أمانة الفتوى عام 2015 ردًا على سؤال حول حكم الشرع في زيارة مقامات آل البيت ورجال الله الصالحين بأنها “من أقرب القربات وأرجى الطاعات ومشروعة بالأدلة من الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: “قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى”، ووصية الرسول للأمة بأهل بيته.

آمال سرحان

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى