ثقافة وفنمختارات

ميكي +18.. لماذا يقرأ الكبار أدب الأطفال؟

 

في مهمة استطلاعية للطيار الفرنسي المنفي من بلاده أنطوان دو سانت أكزوبيري، في أثناء الحرب العالمية الثانية، سطقت الطائرة في الصحراء الليبية، واستغرق أمر إنقاذه ورفاقه أيامًا عدة، وبعد عودته إلى نيويورك زار صديقته الصحفية الأمريكية سيلفيا هاميلتون راينهاردت، وأهداها مسودة رواية اسمها “الأمير الصغير”،  وقال لها: “أتمنى لو كان لدي شيء رائع لتتذكريني به، لكن هذا كل ما لديّ”، وفي 31 يوليو/تموز 1944 غادر البلاد في عاشر مهمة استطلاع ولم يعُد أبدًا.

هل تخيفك هذه الصورة؟
ولمَ قد تخيفني قبّعة؟
إنها ليست قبعة، بل ثعبان يبتلع فيلاً!

بهذا الحوار، بين طفل ذي 6 سنوات وعدد من البالغين، استهل الكاتب الفرنسي أكزوبيري أو “سانت إكس” كما لقبه أصدقاؤه، روايته “الأمير الصغير”، التي بيعت منها 200 مليون نسخة في جميع أنحاء العالم، منها 14 مليون نسخة في فرنسا فقط، وتُرجمت إلى 300 لغة، منها 7 ترجمات مختلفة باللغة الإنجليزية، لتصبح النص غير الديني الأكثر ترجمة على الإطلاق منذ نشره عام 1943.

في متجر “الأمير الصغير”، الذي يقع في قلب باريس، يُباع على نحو فيروسيّ 800 منتج مرسومة عليها شخصيات من الرواية، سواء الألعاب وأدوات الكتابة والميداليات.. حتى الأفعى التي التهمت الفيل!

أنطوان دو سانت أكزوبيري أمام طائرته

رواية الأطفال التي تنتقد عالم الكبار، تدور أحداثها حول طيار تقطعت به السُبل في صحراء قاحلة، وهناك يقابل “الأمير الصغير” القادم من كوكب B 612، وتدور بينهما نقاشات فلسفية تستنكر أشياء كثيرة في حياة البالغين، كالرأسمالية والاستهلاك، والبيئة وأثر التقدم التكنولوجي فيها وفي حياتنا عمومًا، والتوتر والسرعة التي ضربت عالمنا، والعدوانية والحروب.

وكان ذلك متوقعًا، إذ إن أنطوان دو سانت كتب الرواية في منفاه في نيويورك، خلال الحرب العالمية الثانية.

لأجل هذه القضايا وأكثر تصلح الرواية، التي تندرج تحت أدب الأطفال، ليقرأها الكبار اليوم، فالكاتب السويسري جوزيف هانيمان، مؤلف سيرة سانت إكزوبيري، في حواره مع الموقع الألماني “دويتش فيله” يقول إنه قرأ الكتاب حين كان طفلاً، لكنه لم يفهم شيئًا، وعندما قرأه مرة أخرى كبيرًا، عرف السبب: “الأمير الصغير ينظر إلى العالم بعين طفل ويعبر عن آرائه كرجل حكيم.. إنني أقول دائمًا إنه للناس من سن السابعة إلى السابعة والسبعين فما فوق.. إنه كتاب للطفل في داخلنا”.

ورغم أن قراءة الكبار لأدب الأطفال أصبحت شيئًا روتينيًّا ولا أحد ينتبه إليه، فإن رواية “هاري بوتر” الشهيرة للكاتبة ج. ك. رولينج، والتي مثلت جزءًا مهمًّا من طفولة جيل التسعينات منذ ظهورها في إنجلترا أول مرة، صدرت بغلافين، أولهما للأطفال والثاني للكبار، ليُخلَق عند الكبار انبطاع بأن الرواية موجهة لهم، وعليهم ألا يخجلوا من قراءة كتاب موجه في الأصل للأطفال رغم أن المحتوى واحد.. لقد بِيعت النسختان في النهاية على نحو متناسب.

في مقال نشرته “The Atlantic” عام 2017 أفادت الإحصاءات أن أكثر من نصف القراء اليافعين، وإن كانوا يقرؤون القصص الموجهة إليهم لأنها تحوي شيئًا يمرون به، فإن الكبار يقرؤونها ليتذكروا “أشياء مروا بها بالفعل”.

مجلة ميكي ما زالت تجذب الكبار

الحنين إلى “ميكي”

هذه الأشياء التي يمكن تسميتها بـ”النوستاليجيا” أو الحنين، تجعل الصحفية عُلا الجارحي، تفتح خزانتها وتخرج منها أعداد مجلة “ميكي” التي قرأتها وهي صغيرة.

“ميكي”، هذا العالم الذي أحبته علا وأحبت شخصياته، وكانت ترسمها في دفترها وتحتفظ بأي ملصق أو منتج مرسوم عليه شخصيات المجلة، عادت لتقرأه لنفسها أو تقرأه على أطفال العائلة.

وائل سعد، مسؤول بمجلة “ميكي”، يقول لـ”ذات مصر” إن المجلة رغم أنها موجهة بالأساس للأطفال، فإن الكبار لا يزالون يقبلون عليها، لأنها الوحيدة من بين مجلات الأطفال في جيلهم التي تحتفظ بنفس مستوى وجودة النشر، حتى إنها لا تزال تصدر في نفس اليوم منذ بداية صدورها في مصر عام 1959.

سعد، الذي صدرت له عدة قصص موجهة للأطفال والناشئة، يؤكد أن المجلة تتطور مع الوقت، فبدلاً من “ميكي” و”ميكي جيب” فقط، تصدر الآن 6 إصدارات، منها “ميكي كوميكس”، و”إكس ميكي”، فالأب الذي كان يقرأ “ميكي” صغيرًا، سيضمن لأولاده المتعة، وطفولة كالتي عاشها.

“سبب حب الكبار لقراءة القصص الموجهة للأطفال، أن قصة الأطفال الجيدة هي أيضًا قصة كبار لكن مكتوبة بأسلوب أكثر بساطة، وهذا التبسيط لا ينفي عنها أبدًا العُمق، فالقصة ربما تثير في ذهن الكبار التساؤلات نفسها” بحسب سعد.

استعادة الانبهار الأول

ليست “النوستالجيا” والحنين للطفولة فقط الدافع لقراءة أدب الأطفال، إنها أيضًا القصة الجيدة، فلم تتوقف المهندسة حسناء، المتخصصة في مجال الإنشاءات والكباري، عن قراءة “آليس في بلاد العجائب” منذ أن قرأتها أول مرة حين أهداها أخوها إياها وهي صغيرة، وكانت بترجمة أحمد خالد توفيق، وحتى الآن كلما صدرت ترجمة جديدة اقتنتها وقرأتها بنفس شغف وانبهار المرة الأولى.

مجلة سمير للأطفال

تقول حسناء لـ”ذات مصر” إن الرواية خالية من أي منطق، حتى قواعد لعبة الشطرنج فيها مختلفة، إنها رواية مجنونة، عبثية كالحياة تمامًا، ولذلك كتب الأطفال دائمًا جميلة ومبهرة.

من “آليس في بلاد العجائب”، التي أُطِيح فيها بالوعي، إلى “آليس في بلاد الكَمّ” للكاتب وعالم الفيزياء روبيرت جيلمور، وهي رواية ترجمها أحمد سمير سعد وصدرت هذا العام عن مؤسسة “هنداوي”، يَظهر تعلُّق الكبار بأعمال تندرج تحت ما يسمى بـ”تبسيط العلوم للناشئة”، خاصة أولئك الذين ليس لديهم خلفية عن نظرية الكَمّ، ويرغبون في المعرفة أكثر عن النظرية.

إجابات للأطفال.. حيرة للكبار

“الحياة أجمل في روايات الأطفال، لأن كاتبها يتحمل مسؤولية الذكريات التي ستلازم هذا الطفل مع تقدمه في العمر، مسؤولية الوعي والانطباع الأول الذي سيأخذه عن العالم”.

هكذا قالت الكاتبة سارة عابدين لـ”ذات مصر”، وهي أم لطفلتين تمثلان جمهورها الأول، ولأنها تحترم رأي هذا الجمهور لا تقدم له أبدًا قصة “تافهة”، وإنما قصة فيها فكرة إبداعية تقدِّر وعيه وخياله، وتتيح له الفرصة لتكوين المعارف، بحسب قولها.

روايات الأطفال، بحسب سارة، يجب أن تجيب عن تساؤلات، بعكس الكتابة للكبار التي تترك القارئ متحيرًا وغارقًا في التفاصيل غير المهمة، التي يُفَضَّل تجنبها في الكتابة للأطفال حتى لا يفترسهم الملل.

الكاتب محمد الناغي، الذي يكتب أدب أطفال أيضًا، يتفق مع سارة في هذا، ويرى أن الكتابة للكبار أسهل، لأن الفئة العمرية من 7 إلى 16 سنة لا سعة صدر لديها، فتضيق بالمقدمات الطويلة وتمل سريعًا جدًّا، فهي لا تكترث بوصف الأماكن مثلاً ولا بدقائق المشاعر.

يضيف الناغي لـ”ذات مصر” أن منْ يكتب للأطفال عليه أن يبتعد عن كل ما هو مقعَّر ومتكلف، فتكون القصة إثارة وطرافة مركزة، وحبكة بسيطة تبدأ من الصفحات الأولى، ولهذه الأسباب يُقبِل الكبار كما الصغار على هذا النوع من الأدب.

خاتمة للطفولة

تُعزّينا الروايات، لأن لكُتّابها تجارب شخصية تشبهنا، إلا أن ما زرعه “أدب الأطفال” في داخلنا لا يزال أخضر، هذه النبتة لا تزال تنتظر خطاب “هوجراتس” وتؤمن بقواعد لعبة الشطرنج “في بلاد العجائب”، وتراسل “صاحب الظل الطويل”، وتصدق أن هناك كوكبًا اسمه B16 يعيش عليه أمير صغير يحب وردة.

 

 

بدر السروي

كاتبة وصحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى