“مُراد البيسْت سيلر”.. ما لا يقبله الأدب يغفره “فيس بوك”

كريم محمد

كاتب مصري

كان ظهور صورة الكاتب المصري أحمد مراد على غلاف مجلة عالم الكتاب (المعنية بالشأن الأدبي والثقافي، وصناعة الكتاب) كفيلاً بإشعال الجدل في ساحات وسائل التواصل الاجتماعي، بين فريقٍ ينعى الثقافة الجادّة والعصر الذهبي للأدب، وبين فريق آخر من مناصري “مراد” وجيله من كُتَّاب يرفعون شارات الانتصار.

ومع ضعوط مواقع السوشيال ميديا، اضطُّر القائمون على المجلة إلى تغيير الغلاف المثير، واضعين صورة “مراد” بجوار الكاتب المصري الراحل نبيل فاروق، رفقة الناشر الراحل حمدي مصطفى، مؤسس “الدار العربية الحديثة للنشر”.

السِّجال الحاصل بخصوص “مراد” أبعد ما يكون عن كونه سجالاً فنيًّا يتعلق بجودة المكتوب أو برداءته أو بنقده الأدبي، كما هو معروف، بل بالأحرى هو سجال له علاقة بالصراع على قسمةٍ يقيمها الكثير بين “أدب رفيع” وأدب “بيست سيلر”، وهي ظاهرة غير قابلة للتحديد إلا إذا كان عدد طبعات رواية ما كفيلاً بالبُعد عنها.

وراء السجال الحادث يكمن احتفال/نعي بالموت.. موت الأدب والثقافة الرفعية.. الجادّ والجديّة، والنخبة. وبما أننا في عصر ما بعد حداثيّ، فكلمة “الموت” هي الصليب الذي يحمله الجميع؛ موت الأدب، موت الثقافة، موت الناقد، موت كلّ شيء.. العالَم نفسه قد مات.

دعوات الموت يكمن خلفها سؤال اجتماعي يتعلق بظواهر قائمة بالفعل، وكتب تُباع، وثقافة تُصنَع (بالمعنيين السلبي والإيجابي)، ومن ثم لا بد من أن نتساءل عن شيء ونفكر فيه، وهذا الشيء بالتحديد هو التحولات التي حدثت لأنواعٍ معينة من الأدب، كانت تحاول دائمًا أن تنأى -كما تزعم- عن الأدب النخبوي والثقافة الرفيعة.

من رفعت إسماعيلإلى مَرْضى مراد

في منتصف الثمانينات، باشر الدكتور نبيل فاروق نشر أول ملفات سلسلته المعروفة بـ”رجل المُستحيل”، عبر دار المؤسسة العربية الحديثة، والتي استمرت في نشر هذا النوع من الأدب، لينضم إليها لاحقًا الدكتور الراحل أحمد خالد توفيق، الرجل الأكثر محظوظية ضمن كُتّاب الأدب الجماهيري في مصر، لما له من صيت واسع وانتشار شبابي كبير، بشخصيته الروائية ذائعة الصّيت “رفعت إسماعيل”، التي كانت استيهامًا لشباب وطلبة الطبقة الوسطى في مصر من جيل الثمانينات والتسعينات.

قراء سلسلة “ما وراء الطبيعة” لأحمد خالد توفيق، الذي أطلقوا عليه فيما بعد شعار “جعل الشباب يقرؤون”، هم شباب تلقوا آخر بقية في التعليم الجاد في مصر، قبل تدهور المؤسسة التعليمية، وهم من الطبقة الوسطى، مدفوعين برغبة في القراءة بعيدًا عن الكتب الدسمة، سواء أكانت أدبًا أم معرفة، مأخوذين بأسلوب خالد توفيق البارع والسّهل الذي ربطهم بأسماء كبيرة أيضًا مثل هنري ميلفل برائعته “موبي ديك”، وأسماء أخرى لامعة من الأدب العالمي.

هذا الجيل المُحافظ في غالبيته كان محطّ تركيز أحمد خالد توفيق بالتحديد، لدرجة أنه ربما لا تجد بيتًا مصريًّا من هذه الطبقة لم تدخله سلاسل وكتب أحمد خالد توفيق، وشكلت جزءًا من المعرفة التي كونت شبيبة هذا البيت، فدفعت جزءًا منهم لاستكشاف مزيد، أو الوقوف عند حوافّ خالد توفيق وكتبه، وعوالمه الفانتازيّة.

ترافقت مع ذلك النزعة الأخلاقية عند أحمد خالد توفيق، التي لاقت هوى من هذه الطبقة، والتزامًا ونوعًا من المحافظة يمكن من خلاله الاحتماء من  أنواع الأدب والخيال الأخرى.

أحمد خالد توفيق، مثَله مثَلُ بقية كُتّاب مِن جيله يلعبون على الحساسيّات والأوتار ذاتها، اضطلع بمهمة تثقيفية للجماهير، وهي المهمة التي خلقت شخصيته الكاريزمية والأبوية عند كثير من قرائها، على اعتباره “الأب الروحي”، الأخلاقي، الأدبي، لهم. أب مهموم بجيل عليه تثقيفه وتعليمه.

مثقف بطل يمحو الأمية الثقافيّة التي يقوم بها التعليم الرسمي، ويوفر أفقًا للخيال يمكن من خلاله الحفاظ على قيم وأخلاقيات الطبقة الوسطى من الضياع.

صحيح أن أحمد خالد توفيق كان وسيطًا بين هذا الجيل الكبير وبين أسماء عالمية في القراءة، بجانب إبداعيته طبعًا التي لا يمكن إنكارها، بيد أنه لا يمكن، في الوقت نفسه، نفي الانجذاب الأخلاقي -ذي الطبيعة الطبقيّة تحديدًا- إليه.

بكثير من المجازفة، يمكن القول إن جزءًا كبيرًا من جيل ٢٠١١ هو جيل كوّنه أحمد خالد توفيق، شباب الطبقة الوسطى، المتعلّم تعليمًا جيدًا نوعًا ما، وكان همه التغيير.

هذا الجيل لا يمكن اختزاله، فقد تحول تحولات كبيرة -ليس هذا موضوع المقالة- لكن تمكن الإشارة إلى أنّ جزءًا من قرّاء خالد توفيق هم اليوم يمارسون أيضًا ضربًا من نعي الثقافة والأدب الجادّ وأدب الـ”بيست سيلر”.

أمّا أحمد مراد، الذي وُلِدَ بعد أحمد خالد توفيق بنحو 16 عامًا (١٩٧٨)، فرغم كتابته السلسة وفانتازيته -بدءًا من “فيرتيجو” (المنشورة ٢٠٠٧ بدار ميريت، المحسوبة على مؤسّسة “الأدب الرفيع” في مصر)- فقد جاء من جيل مختلف، وهو كاتب له مهمة أخرى، وقرّاء وإنْ كان جزءٌ منهم من قرّاء خالد توفيق إلا أنّه كان بعيدًا عنهم.

لا يمكن فهم صعود مُراد في مصر، وتصدّره المبيعات على نحو رهيب جعله واحدًا من أبرز كُتّاب ما يُسمّى بـ”البيست سيلر” في العالم العربي، بضمه إلى التاريخ المسرود، سريعًا، عالِيَه.

فمُراد لا يُخاطب أحدًا، وشريحة خالد توفيق من الطبقة الوسطى ليست هي محطّ نظر مراد، ولا غيرها بالتحديد، وكتابته هي كتابة جيل هوليوودي للغاية، لا تخاطب جمهورًا، بل فراغًا. كتابة لا تحمل على أكتافها مهمّة جيل المثقفين الأبطال، كأحمد خالد توفيق، الذين يسعون إلى “جعل الشباب يقرؤون”.

وللمفارقة، فالشباب حتى وإن كانوا هم من يشترون روايات مُراد بشراهة، كشرائهم “علبة البيبسي” و”وجبة ماكدونالدز”، لا ينتظرون أيضًا شيئًا على الإطلاق سوى التسلية، وليس هذا ذمًّا فيهم ولا في مراد بطبيعة الحال.

الأدب لعبة غير سهلة على الإطلاق.. إنه حرفة بكل ما في الكلمة من قسوة.. عليك أن تطرّز وتخطئ وتكون صبيًّا وتكبر على يدٍ محترفة، وتمحو وتكتب من جديد، لذا فسواء أكان “بيست سيلر” أم “أدبًا رفيعًا” فهناك شيءٌ مكتوب لا بدّ من أخذه بعين الاعتبار.

ما يكتبه مراد ليس وجبة “ماكدونالدز”، صحيح، لكن أثره لا يبقى إلا كما تبقى. أدب غير مهتم بالخلود، ولا بالجيل، ولا بتربية أخلاقية معينة لجيل ما، ومن ثَم فجيله أيضًا جيل لا يمكن تصنيفه بحال، وعابر طبقيًّا إلى حد بعيد، وينتظر التسلية لا أخلاق “يوتوبيا” (رواية خالد توفيق) ولا يسعى إلى مكانة، فهو لا يرى سعيًا أو مكانة ببساطة.

المرضى الذُّهانيّون الذين يلعب بهم مراد في رواياته بكل خفة ظل ومتعة وكتابة مرحة، هم نقائض “رفعت إسماعيل” المتأمل في كوارث الطبيعة.

اللعبة الذهانية تلك عند مراد تستخدم كل شيء في طريقها، تلعب بالرواية والقارئ والجمهور، فهي كتابة بلا خطوط ولا جماهير.

ببساطة، جماهيرية أحمد خالد توفيق تقف في مقابل لعبة مراد. أدب جماهيري مقابل أدب “بيست سيلر” (المقام ليس مقام تفضيل). وبينما كان أحمد خالد توفيق وسيطًا لابن طبقة وسطى يتحدث بنشوة ثقافية عن “موبي ديك” و”بارتلبي النسّاخ” و”الإخوة كرامازوف”، فإنّ قارئ (لا-قارئ؟) مراد يستمتع جدًّا بحشيشة “يوحنّا” في “لوكاندة بير الوطاويط”، وبـ”عنتر” الذبابة-البشريّ، ومحادثة الموتى، ومعرفة أسرار موتهم، وبـ”تراب الماس” المخلّص السحريّ من الأشرار في عالم مُفرط في بوليسيته.

في كتابه المُفيد “موت النّاقد” (ت. فخري صالح؛ المركز القوميّ للترجمة) يُشير الأكاديمي البريطاني رونان ماكدونالد إلى الاهتمام الذي بدأ مؤخرًا بالاهتمام بالثقافة الاستهلاكية، بدلاً من النقد الحقيقي والجِذري، ودراسة الثقافة الشعبية وتأثير الرأسمالية فيها.

وقد توضح صورة مراد على غلاف مجلة، عدّت نفسها دائمًا كصوت للأدب الجادّ فعلاً كمجلة “عالم الكتاب”، ما يريد ماكدونالد أن يوصله. فالصحف -حتى في الغرب- أضحت تهتمّ بمثل هذه الظواهر، وهذا الأدب، الذي يلقى جمهورًا واسعًا يشتريه.

النشر صناعة بالمعنى الحديث للكلمة، وظاهرة “البيست سيلر” أمر له علاقة بمسألة اقتصادية لدى النّاشر أيضًا في ترويج سلعته، وطباعة أقل عدد للطبعة الواحدة، للتلاعب بفكرة “رقم الطبعة” ومن ثَم زيادة مبيعات الكتاب.

وهذا أمر له علاقة بالكاتب، خاصة حين يرغب في “استهلاكه” بهذا النحو، وعلاقة بالناشر، من حيث انتفاع الدار ببيع المُنتَج/الكتاب.

نقاد “فيس بوك” القساوسة، يريدون إقامة المسلخ بين الأدب الجاد والـ”بيست سيلر”، في حين أنه يمكن تناول الأدب الأخير بطرح الأسئلة النقدية المعتادة عليه، وتناوله بمقاربات اجتماعية تحاول تشريحه (والتخلص منه إذا أرادت)، والتعاطي معه كظاهرة لا يمكن أن نغفلها لأنها مجرد “بيست سيلر”.

قد يكره الناقد تفاهة ما يصدر تحت هذا العنوان الزائف، “بيست سيلر”، لكنه أمر موجود، ولا يمكن التغاضي عنه بالتشويش، ولا شيء أكثر، فظاهرة أدب الـ”بيست سيلر” بقدر ما هي مخيفة تحتاج إلى دراسة ونقد جِديّ وما إلى ذلك، لكن نقاد “فيس بوك” يقعون، مثلهم مثل مُشايِعي مُراد، في مهاترة لا يمكن احتمالها: “فلترموا هذا الأدب في القمامة” لكن، ما الشرائح التي تقرؤه؟ ولماذا تصر، مع كل إصدار، أن تذهب وتدفع فيه مبلغًا، وما/مَن الذي يخاطبه هذا “الأدب”؟

أعتقدُ أنّ هذه الأسئلة هي التي تهمّ الأدب فعلاً، فما لا يغفره الأدب هو “الجعجعة”، في حين يغفر “فيس بوك” كل شيء تقريبًا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram