مُعلّمات زمن كورونا

أزمات مالية ودروس عبر "الواتساب"

داخل حجرة خافتة الإضاءة جلست “جيهان محمد” تتصفح حسابها على منصة وينجي جو winjigo التعليمية، لتجيب عن استفسارات الطلاب الذين تحولوا بين عشية وضحاها للدراسة بنظام “الأونلاين” الجديد عليهم، نتيجة انتشار فيروس كورونا المستجد.

اعتادت “جيهان”، التي تعمل في تدريس اللغة العربية بإحدى المدارس اليابانية التابعة للمشروع الرئاسي المصري لتطوير التعليم، على نظام روتيني للعمل يبدأ في الثامنة صباحًا وينتهي في الرابعة والنصف عصرًا، لكن روتينها اختلف تمامًا عقب إصدار الحكومة المصرية قرارًا بتعليق الدراسة في 15 مارس الماضي، للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد.

منذ ذلك الحين، بدأت المعلمة الثلاثينية في متابعة عملها عبر المنصة الإلكترونية، والذي يقتصر على توجيه وإرشاد الطلاب فقط، وإرسال فيديوهات الشرح لهم عبر بنك المعرفة، كما تقول لـ”ذات مصر”.

تقول “جيهان”: “وزير التربية والتعليم رأى أن المعلمين غير مؤهلين لتصوير فيديوهات شرح، لذا أصدر قرار الاستعانة بموقع بنك المعرفة (أرشيف مكتبي على الإنترنت يتيح للطلاب والمعلمين والباحثين إمكانية الوصول إلى الموارد التعليمية) كبديل لشرح المعلمين، ومن ثّم رفعت مسئولة الإحصاء في المدرسة المناهج الخاصة بكل الصفوف الدراسية على موقع البنك”.

واجهت المعلمة صعوبات مع أولياء الأمور الذين لم يتمكنوا من استخدام المنصة بشكل صحيح، لكنها استعانت بشقيقتها لتصوير فيديو يشرح طريقة استخدام المنصة، ومن ثّم إرساله إلى جروب أولياء الأمور على تطبيق واتساب للتواصل الاجتماعي.

لم تكن تلك الصعوبة هي الوحيدة التي واجهت “جيهان”، فبعد فترة قصيرة بدأ العمل يستغرق وقتها بالكامل بعد أن كان محددًا بساعات معينة قبل انتشار فيروس كورونا، إذ وجدت نفسها مجبرة على التواجد طوال اليوم عبر المنصة للتواصل مع الطلاب وأولياء الأمور.

معلمة تتفقد هاتفها

تتفقد “جيهان” رسائل الطلاب الواردة عبر هاتفها، ثم تقول: “أصبحت مطالبة بتحقيق نسبة مشاهدة عالية للمادة التي أُدرّسها للتأكيد على عمل المنصة فقط، رغم تناقص عدد الطلاب يوميًّا بسبب اعتقاد أولياء الأمور بأنها غير فعالة”.

تُشبه المعلمة الثلاثينية عملها حاليًّا بـ”مندوبي المبيعات” الذين يعملون عبر الهاتف، موضحةً أنها تقدمت بطلب لإدارة المدرسة لتحديد ساعات العمل، إلا أن طلبها قُوبل بالرفض بدعوى أن نجاح المشروع مرتبط بتواجد المعلم طوال اليوم للعمل على المنصة، والتواصل مع أولياء الأمور.

تشير “جيهان” إلى أن عددًا كبيرًا من الطلاب لم يتمكنوا من فهم المواد العلمية المقدمة عبر بنك المعرفة، لذا لجأت لإنشاء “جروب” عبر تطبيق واتساب لتقديم الشروحات للطلاب المسئولة عنهم، مؤكدةً أنها ستتعرض للعقاب إذا اكتشفت الوزارة أو إدارة المدرسة ذلك، لأن القرار ينص على استكمال العمل عبر المنصة الإلكترونية فقط.

"ندى" اضطرت للعمل محاسبة "فريلانسر" لتعويض غياب الدروس الخصوصية
المعلمة ندى مرسي

قبل انتشار فيروس كورونا كانت “ندى مرسي” معلمة فصل بإحدى المدارس الخاصة في الإسكندرية تعتمد على الدروس الخصوصية لتوفير جزء كبير من نفقاتها، غير أن تعليق الدراسة دفعها للعمل محاسبةً حرة عبر الإنترنت لتعويض ما كانت تجنيه من الدروس الخصوصية.

فالمدرسة التي تعمل بها أصدرت قرارًا بالتحول للدراسة عبر الإنترنت، والحضور إلى مقر المدرسة يومًا واحدًا خلال الأسبوع، لتبدأ المعلمة في متابعة طلابها عبر تطبيق “واتساب”.

“ندى” تقول لـ”ذات مصر”: “روتيني اليومي أصبح تحضير الدرس على ملف “word” من خلال كتاب المدرسة الموجود بصيغة Pdf عبر اللاب توب، ثم تصوير الدرس بعد ذلك من خلال كاميرا الهاتف أثناء قيامي بالشرح على اللاب توب، وإرسال الفيديوهات التي تبلغ مدتها قرابة الدقيقة ونصف على جروب واتساب الخاص بطلبة الفصل”.

تحولت المعلمات لنظام التدريس "الأون لاين" بسبب جائحة كورونا

تشكو “ندى” من قلة اهتمام الطلاب وأولياء الأمور بما تقدمه رغم الجهد الذي تبذله يوميًّا، لكنّها تستمر في عملها حتى تحصل على راتبها في نهاية الشهر، كما تقول.

“ندى” تعتبر أن عملية التعلم عن بُعد تجربة ناجحة، حتى الآن، لكنها تؤكد ضرورة “تدريب أولياء الأمور والطلاب للتعرف على أهمية التعلم عن بُعد”، لا سيما في ظل حالة الإهمال التي تسود في أوساطهم بعد قرار إلغاء الامتحانات والاكتفاء بالبحث المقدم.

من جانبه، يرى الدكتور “محمود طه” -رئيس قسم مناهج وطرق تدريس تكنولوجيا التعليم، بكلية التربية جامعة كفر الشيخ- أن التحول لنظام التعليم الإلكتروني بسبب انتشار فيروس كورونا، كان له نواحٍ سلبية وأخرى إيجابية، مضيفًا أن العالم بأسره أصبح يعتمد على التكنولوجيا في جميع المجالات وليس التعليم فحسب.

ويتابع: “التعليم الإلكتروني شيء جيد، وأفضل من التعلم في المدارس وإعطاء دروس خصوصية، في ظل أعداد كبيرة”، كما أن تجربة الأبحاث كبديل للامتحانات كانت تجربة جديدة، ولابد من العمل على تطويرها وإكساب الطلاب وأولياء الأمور هذه الثقافة حتى يتمكن الطلاب من عمل الأبحاث بأنفسهم.

ظروف مالية سيئة تعيشها "علياء": لا أجد عملًا إضافيًّا

تسبّب تعليق الدراسة في أزمة مالية كبيرة لـ”علياء علي” وزوجها اللذين يعملان بإحدى المدارس الخاصة بالقاهرة، في حين حاول الأخير إيجاد أي فرصة عمل إضافي لكن الحظ لم يحالفه.

“علياء” تقول لـ”ذات مصر”: “قبل الأزمة كنت أعمل أنا وزوجي في مدرسة خاصة أتقاضى منها شهريًا 750 جنيهًا (أقل من 50 دولارًا) ولم أستطع الحصول على عمل إضافي لأنني منشغلة برعاية طفلي”.

لا تستطيع المعلمة تقييم تجربة التعلم عن بُعد حاليًّا، إذ إن مشاركتها فيها اقتصرت على تصوير فيديوهات قصيرة ورفعها عبر جروب المدرسة على تطبيق واتساب، وسط انشغال أولياء الأمور والطلاب بإعداد الأبحاث.

تضيف “علياء”: “في الوقت الحالي خصصت وزارة التربية والتعليم منصة (إدمودو Edmodo) للتواصل ومتابعة أبحاث الطلاب ومناقشتهم، في حين لا يزال أولياء الأمور غير قادرين على استيعاب فكرة التعلم عن بُعد، ولديهم خوف وقلق على مستقبل أبنائهم”.

الدكتور هيثم أبوقشطة

في حديثه لـ”ذات مصر” يقول الدكتور “هيثم أبو قشطة”، مراجع خارجي بالهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد: إن منصة (إدمودوEdmodo)، التي خصصتها وزارة التربية والتعليم لمتابعة الطلاب لم تلق تفاعلًا على الوجه المطلوب، حتى وصل الأمر إلى إغلاق فصول افتراضية على المنصة لعدم وجود تفاعل عليها من قِبل الطلاب نهائيًّا”.

ويقترح “أبو قشطة” أن تعمل الوزارة على تحسين أحوال المعلمين المادية، وزيادة أعداد العاملين وأن يتم تقسيم الطلاب إلى قسمين، يتناوبان على الحضور للمدرسة كل 3 أيام، بحيث يتمكن الطلاب من الحضور للمدرسة والتحصيل الدراسي- مع الالتزام بإجراءات الوقاية- في حال استمرت أزمة كورونا.

"سلمى" تخشى أن ينقطع راتبها إذا استمرت أزمة كورونا

لم يختلف حال “سلمى سعد” معلمة اللغة العربية بإحدى مدارس الجيزة الخاصة عن “علياء”، ففي حين واصلت عملها ومتابعة الطلاب عبر تطبيق واتساب؛ إلا أنها قلقة بخصوص راتبها الشهري الذي تحصل عليه من المدرسة.

“سلمى” تضررت جراء أزمة كورونا، إذ فقد زوجها وظيفته كعامل لتوصيل الطلبات بأحد المطاعم السياحية الذي أُغلق بعد قرارات تعليق السفر والسياحة عقب تفشي الوباء.

تقول المعلمة، إن المشكلة في المدارس الخاصة تكمن في أن صرف الراتب يكون مقابل العمل، كما أن الدروس الخصوصية متوقفة. مضيفةً أنها تخشى ألا تتقاضى راتبها خلال الأشهر المقبلة إذا استمر تعليق الدراسة في ظل الأزمة، في ظل عدم تمكنها من إيجاد مصدر آخر للدخل.

توقفت الدروس الخصوصية منذ منتصف فبراير 2020 جراء انتشار فيروس كورونا

وتُبرر المعلمة لجوءها للدروس الخصوصية بضعف الراتب الذي تتقاضاه، والذي يبلغ 700 جنيه مصري (44 دولارًا). مضيفةً أن العمل في الدروس الخصوصية يشكل ضغطًا وعبئًا نفسيًّا على المدرسين، لكنهم يضطرون له بسبب ضعف الرواتب التي يتقاضونها، لا سيما في القطاع الخاص.

"التعليم": نُشرف فقط على المدارس الخاصة ولا نملك فرض عقوبات عليها

في المقابل، يقول “محمود حسونة”، رئيس المكتب الإعلامي لوزارة التربية والتعليم إن الوزارة لها دور إشرافي فقط على المدارس الخاصة، وبالتالي فهي لا تستطيع فرض عقوبات عليها في حال أقدمت على فصل معلم أو معلمة، أو تقليل رواتبهم.

قيادات وزارة التربية والتعليم

ويضيف “حسونة” في حديثه مع “ذات مصر” إن قانون الخدمة المدنية ينص على أن تلك المدارس تابعة للقطاع الخاص، وبالتالي فإن دور الوزارة يقتصر على الإشراف دون أن يكون لها سلطة على إدارات تلك المدارس.

"ياسمين" فقدت عملها ولا فرصة أخرى في الأفق

“ياسمين” (اسم مستعار) خريجة عام 2019، تقدمت في العام نفسه للعمل بإحدى المدارس، وفي نوفمبر استقبلت اتصالًا هاتفيًّا بقبولها للعمل في المدرسة، وبالفعل ذهبت لاستلام عملها كمعلمة للغة الإنجليزية، وقامت بالتدريس خلال شهري نوفمبر وديسمبر، ومع بداية يناير بدأت خوض تجربة الامتحانات والتصحيح، وفور الانتهاء حصلت على إجازة نصف العام، وسرعان ما انتهت الإجازة وعادت للعمل مرة أخرى.

خلال هذه الفترة بدأ الانتشار المتدرج لفيروس كورونا، ومع ذلك استمر العمل حتى إصدار وزير التربية والتعليم قرارًا في مارس الماضي بإغلاق المدارس ومتابعة العمل من خلال المنزل، وبالفعل أصبحت لا تذهب إلى المدرسة سوى يوم واحد في الأسبوع، واستمر الأمر حتى نهاية مارس، وتقاضت راتبها من إدارة المدرسة التي أبلغتها بالاستغناء عنها بسبب الأزمة.

لم تناقش “ياسمين” إدارة المدرسة، وأخذت الراتب وذهبت إلى المنزل. تقول لـ”ذات مصر”: “لا أنكر أنني ظللت في حالة اكتئاب لمدة أسبوعين، خاصة أن الراتب كان مصدر دخلي الوحيد في ظل توقف الدروس الخصوصية، لكنني لم أيأس، وبدأت في البحث عن عمل دون جدوى حتى الآن، ولا أعلم متى ستزول هذه الأزمة لأجد عملًا آخر، خاصة أنني اعتمد على معاش أبي أنا  ووالدتي والذي تبلغ قيمته 1000 جنيه فقط وبالكاد يكفينا”.

وضع المدارس الخاصة التي تفصل المعلمات تعسفيًا تحت إشراف "التعليم"
الدكتورة ماجدة نصر

في المقابل تقول الدكتورة “ماجدة نصر” عضو لجنة التعليم بالبرلمان المصري إن أي مدرسة خاصة يثبت فيها ارتكاب مخالفات ضد المعلمات أو العاملين لديها خلال أزمة كورونا سيتم وضعها تحت الإشراف المالي والإداري من جانب وزارة التربية والتعليم، مضيفةً أن القانون ينظم هذه المسائل، ولا يتركها لرغبة أصحاب المدارس الخاصة.

وتضيف “نصر” أنه سيتم مناقشة أوضاع المعلمين في المدارس الخاصة مع وزير التربية والتعليم، عقب انتهاء امتحانات الثانوية العامة، لإرساء قواعد للتعامل مع إدارات المدارس الخاصة بسبب كثرة الشكاوى المقدمة في حقها.

وتذكر عضو لجنة التعليم بالبرلمان أن هناك عددًا من العاملين بالمدارس الخاصة تقدموا بشكاوى بخصوص فصلهم تعسفيا من العمل جارء تداعيات أزمة كورونا، مبينةً أن الوزارة تواصلت مع إدارة تلك المدارس، وعى إثر ذلك عاد المفصولون للعمل.

وتُكمل: في حال ورد للجنة التعليم بالبرلمان أي شكاوى بخصوص حالات فصل في المدارس الخاصة، سيتم التواصل مع وزارة التربية والتعليم لمعرفة هل الفصل كان بسبب “جائحة كورونا”، أم لأسباب أخرى، واتخاذ الإجراءات المناسبة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

سلوى يحيى

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

جرافيك ورسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram