سياسةمختارات

مُقاربة أمريكية – مغاربية: هيّا بنا نُحجِّم الصين وروسيا

 

أنهى وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر، يوم الجمعة الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الحالي، جولته المغاربية التي استهلها بزيارة تونس، وأعقبها بزيارة الجزائر، وختمها بمحطة المغرب. الهدف المعلن من الجولة هو تعزيز التعاون بين الولايات المتحدة ودول المغرب العربي في عدد من الملفات، من بينها مواجهة التنظيمات الجهادية التي تنشط في هذا الإقليم.

لكن الهدف الأكثر ترجيحًا هو التنسيق المشترك لمواجهة ما تشهده المنطقة من تنازع يتعلق بمصالح وأهداف تتنافس حولها قوى دولية من بينها الصين وروسيا وإيران، وبطبيعة الحال فرنسا التي طالما كانت هذه المنطقة مساحة نفوذها، وهي الأمور التي تقلق الولايات المتحدة، وتهدد مصالحها، ما أعطى الجولة طابعًا خاصًّا يجعل من الأهمية بمكان الوقوف على أبعاد المقاربة الأمريكية تجاه المنطقة المغاربية.

وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر

ملفات شائكة

الزيارة أتت  في سياق مضطرب وشائك بعض الشيء سواء بالنسبة إلى الولايات المتحدة أو بالنسبة إلى المنطقة والدول المغاربية، فبالنسبة إلى الولايات المتحدة تأتي هذه الزيارة والمساعي المرتبطة بها في ظل:

1-الانتخابات الأمريكية: تأتي هذه الجولة وما حملته من رسائل ومساعٍ، قبيل الانتخابات الأمريكية المقرر عقدها في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، بين الرئيس الحالي دونالد ترامب، وبين مرشح الحزب الديمقراطي جوزيف بايدن، وهي الانتخابات التي تعتبر محطة مفصلية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وبالنسبة إلى السياسة العالمية ككل، في ظل التساؤلات والتكهنات التي تملأ الأوساط السياسية في العالم إزاء التداعيات المترتبة على استمرار ترامب لفترة رئاسية أخرى، أو فوز بايدن وما قد يترتب عليه من تداعيات.

2- المشروع الذي طرحت الإدارة الأمريكية للسلام في الشرق الأوسط: تأتي هذه التحركات الأمريكية في ظل مساعٍ وجهود مكثفة على صعيد السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية الحالية، تدخل في إطار ما يعرف بخطة السلام للشرق الأوسط، والتي تستهدف بنحوٍ رئيسٍ تطبيعَ العلاقات بين عدد من الدول الخليجية والعربية وإسرائيل، بما يضمن التحول عن مفهوم النظام العربي التقليدي وما يرتبط به من معطيات للأمن القومي، ليتكون تحالف عربي – إسرائيلي، لمواجهة من تعتبرهم الإدارة الأمريكية التهديد الرئيس في الشرق الأوسط، وعلى رأسهم إيران والميليشيات والحركات التابعة لها.

3- التدخلات الدولية في المنطقة المغاربية: هذه التحركات الأمريكية  تجيء عقب  زيارة قائد القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا “أفريكوم” إلى المنطقة المغاربية، في ظل أوضاع إقليمية معقدة تفرضها تطورات المشهد الليبي، حيث تتنازع المصالح والأهداف والأجندات الإقليمية والدولية على هذا البلد الغني بالنفط، والذي يشهد منذ انهيار حكم الرئيس الراحل معمر القذافي في العام 2011 حالة من الفوضى والانفلات.

وزير الدفاع الأمريكي في الجزائر لأول مرة منذ 2006

مواجهة روسيا والصين

في هذا السياق فإن الولايات المتحدة، في إطار اهتمامها بالمنطقة المغاربية، وفي ضوء مشروع “ازدهار إفريقيا” الذي أعلنه جون بولتون من قَبل، تسعى لمواجهة التمدد الجيوستراتيجي لروسيا والصين في المنطقة، فضلاً عن المساعي الإيرانية للحضور بقوة في هذه المنطقة. كذلك تأتي هذه المساعي الأمريكية في ظل سياسة خارجية أمريكية للإدارة الحالية تقوم على مبدأ “أمريكا أولاً” وبالتالي ترى الولايات المتحدة في النفوذ الفرنسي في هذه المنطقة –خصوصًا في ظل الخلافات بين الإدارتين بخصوص عدد من الملفات– تقليصًا وتهديدًا للدور الأمريكي، وبالتالي تنضم فرنسا إلى قائمة الدول التي تستهدف الإدارة الأمريكية تحجيم نفوذها في هذه المنطقة.

أما بالنسبة إلى الدول المغاربية، فتأتي الجولة وما ترتب عليها من مخرجات في ظل سياق مضطرب، حيث تشهد الدول المغاربية العديد من الأزمات. ففي المغرب فرض تفشي فيروس كورونا تداعيات سلبية على الاقتصاد المغربي، فضلاً عن ملف الإرهاب وزعزعته لاستقرار البلاد، وأخيرًا الجدل المثار بشأن الانتخابات المقبلة 2021.

أما الجزائر فتشهد حالة احتقان داخلي، في ضوء اتهام القوى السياسية للسلطة بممارسة التضييق الممنهج، وتقييد التعددية السياسية في البلاد، والتشدد تجاه المعارضين، وهي اتهامات عززتها الأحكام الصادرة من القضاء الجزائري ضد نشطاء سياسيين معارضين أدت إلى حالة احتقان وغضب في الشارع الجزائري، عبرت عنها الاحتجاجات الأخيرة في البلاد والتي طالبت باستقلالية القضاء ووقف تغلغل السلطة التنفيذية، كما ترتب عليها قرار الاتحاد الوطني لمنظمات المحامين مقاطعة العمل القضائي على المستوى الوطني يومي 30 سبتمبر/أيلول وغرة أكتوبر/تشرين الأول.

وزير الدفاع الأمريكي يوقع اتفاقا عسكريا مع تونس

في تونس لا يبدو المشهد مختلفًا، حيث تعاني من أزمات اقتصادية ومعيشية طاحنة، فضلاً عن أزمات سياسية عميقة ترتبط بغياب الثقة بين الفاعلين السياسيين الموجودين على المشهد، في ضوء اتهام أحزاب المعارضة التونسية وشخصيات من المجتمع المدني لحركة النهضة الإسلامية بتسميم الأجواء، والتسبب في انقسامات سياسية عميقة بممارسات رئيسها ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، فضلاً عن الأزمات التي أعقبت استقالة حكومة الفخفاخ، والأزمات التي تواجه حكومة حكومة هشام المشيشي، فضلاً عن الأزمة التي ظهرت بين رئاسة الجمهورية من جهة، والحكومة التونسية الجديدة من جهة أخرى.

حضور الملف الليبي

بالإضافة إلى هذا، تشهد الدول المغاربية حراكًا مكثفًا في ما يتعلق بالملف الليبي، حيث كثفت الدول الثلاث من جهودها لإيجاد تسوية للأزمة الليبية، وهو ما عبرت عنه زيارة وزير الشؤون الخارجية الجزائري صبري بوقادوم الأخيرة إلى تونس، والتي حدثت خلالها مناقشات بين الوزير وبين الرئيس التونسي قيس سعيد، ورئيس الوزراء هشام المشيشي، وكذلك وزير الخارجية التونسي عثمان الجرندي. وقد فرض الهاجس الأمني نفسه على هذه الزيارة، وتبنى الطرفان وجهة نظر تقوم على ضرورة توحيد مواقفهما في محاربة الإرهاب، فضلاً عن  تبني خيار حل التسوية السياسية السلمية للأزمة الليبية، خاصة وأن الوضع الليبي يمثل مصدر قلق للدولتين، وهو ما يشير إلى مساعي الطرفين لتكوين جبهة تضع ملف الإرهاب وكذلك التسوية السلمية للأزمة الليبية كأولوية. ولا تنفصل عن هذه الجهود وهذا التوجه، الجهود المغربية إزاء الأزمة الليبية، وهي التي تعبر عن رغبة في حل سلمي وسياسي للأزمة، من خلال استضافة المغرب لجلسات الحوار الليبية.

الحوار الليبي في المغرب

اتسمت مخرجات الزيارة الأمريكية للجزائر بطابع روتيني، على عكس الحال بالنسبة إلى المغرب وتونس. ففي تونس وقع الطرفان وثيقة لخارطة تعاون عسكري بين البلدين لمدة 10 سنوات، وكذلك الحال بالنسبة إلى المغرب حيث تم توقيع اتفاق عسكري بين الطرفين، يمتد 10 سنوات. ووفقًا لبيان أصدرته وزارة الخارجية المغربية، فإن الاتفاق العسكري يعتبر خارطة طريق للتعاون في مجال الدفاع، ويهدف إلى تعزيز الشراكة الإستراتيجية بين البلدين، ويدعم الأهداف الأمنية المشتركة. ويتركز الاتفاق على تعزيز الأهداف الأمنية المشتركة، خاصة تحسين درجة الجهوزية العسكرية، وفقًا لبيان القيادة العامة للقوات الملكية المسلحة في المغرب.

المشترك بين الاتفاقيتين إذًا، هو عدم إعلان آليات ترجمة هذه الاتفاقات على أرض الواقع، إلا أن هذه الاتفاقات في مجملها عكست توجهًا جديدًا للإدارة الأمريكية الحالية –وإن كان متأخرًا لعدد من المسببات– يقوم على إعادة الاهتمام بالمنطقة المغاربية، خصوصًا في ما يتعلق بالملف الأمني وما يرتبط به من محاربة الإرهاب، فضلاً عن تحجيم نفوذ القوى الدولية التي تهدد مصالح الولايات المتحدة.

وزير الدفاع الأمريكي في المغرب

المقاربة الأمريكية مغاربيًّا

منذ نهاية التسعينات من القرن الماضي، أولت السياسة الخارجية الأمريكية اهتمامًا ملحوظًا بالمنطقة المغاربية، وكان استهداف هذه المنطقة بالنسبة إلى الولايات المتحدة ينطلق من أغراض اقتصادية – طاقوية، مرتبطة بتزايد اعتماد واشنطن على النفط الإفريقي، في إطار خيارها الجديد في تلك الفترة والرغبة في تنويع مصادر إمداداتها النفطية، بتخفيف تبعيتها لبترول الشرق الأوسط. كذلك سعت واشنطن لمزاحمة القوى الكبري صاحبة النفوذ في المنطقة (فرنسا) ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 لتعطي بُعدًا آخر للاهتمام الأمريكي بهذه المنطقة وهو البعد الأمني؛ في إطار الحرب العالمية التي أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية على الإرهاب، فوضعت الولايات المتحدة المنطقة المغاربية كفضاء رئيس في هذه الإستراتيجية.

في هذا السياق تركز المقاربة الأمريكية للإدارة الحالية إزاء دول المغرب العربي على عدد من المحاور الرئيسة:

1-ملف التعاون الأمني: كما أوردنا كان من نتائج الزيارة اتفاقان أحدهما مع تونس والآخر مع المغرب، ارتبط الاتفاقان بملف مكافحة الإرهاب، وتأتي هذه الاتفاقات في ضوء التهديدات الأمنية الكبيرة التي تشهدها المنطقة، حيث تعاني تونس من تهديدات تنظيمي داعش والقاعدة، فضلاً عن اهتمام أمريكي قديم بطبيعة الحال بتونس حيث طلب الأمريكيون من التونسيين منذ عهد الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، نقل مقر القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا إلى تونس، ولم يُستجب لطلبهم. ثم طلبوا من الحكومات التي أتت بعد الإطاحة به، إقامة قاعدة استخباراتية في جنوب البلد لمراقبة الوضع في ليبيا ومنطقة الساحل والصحراء، ولم يُلبَّ طلبهم أيضًا، فجاءت هذه الاتفاقية وما أشار إليه “إسبر” في تصريحات له من أن الاتفاقية تستهدف حماية الموانئ والحدود التونسية ومواجهة الإرهاب، لتحمل إشارات بإمكانية تلبية هذه الرغبات الأمريكية في الفترة المقبلة، فضلاً عما حمله من إشارة إلى أن التونسيين ربما يكونوا قد طلبوا دعمًا استخباراتيًّا ولوجستيًّا من الأسطول السادس الأمريكي في المتوسط، للتوقي من أي عمليات إرهابية قد تأتي من البحر أو من الحدود مع ليبيا.

الرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي

في ذات السياق، يعتبر المغرب هو الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة في هذه المنطقة، حيث تشير إحصاءات إلى أن 91% من واردات السلاح المغربي مصدرها هو الولايات المتحدة، فضلاً عن صفقات أسلحة كبيرة عقدت بين الطرفين حتى اليوم. كذلك يستضيف المغرب كل عام مناورات الأسد الإفريقي، بإشراف القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا. أما بالنسبة إلى الجزائر فإن زيارة إسبر، وإن كانت لم تسفر عن اتفاق مشابه للحالتين المغربية والتونسية، كانت ذات طابع خاص لأنها الزيارة الأولى لوزير دفاع الولايات المتحدة إلى البلاد منذ عام 2006، كذلك يجب وضع المباحثات التي جرت في ضوء كون الجزائر هي أهم وأكبر مستوردي الأسلحة الروسية في شمال إفريقيا، حتى إن الجزائر كانت قد اتفقت مؤخرًا مع روسيا على شراء 18 طائرة حربية من طراز “سوخوي 35″، وبالتالي تسعى الولايات المتحدة خلال الفترات المقبلة لاحتواء الجزائر، وتقديم نفسها كبديل للروس في ما يتعلق بملف التسليح.

2- احتواء نفوذ الدول “المارقة”: حددت كل من “إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي” وكذلك “إستراتيجية الدفاع الجديدة للولايات المتحدة” -وهما الوثيقتان اللتان صدرتا مع بداية عهد الإدارة الحالية- أن التهديد الرئيس والأول بالنسبة إلى الولايات المتحدة هو ما وصف بـ”الدول المارقة” في إشارة إلى الصين وروسيا وإيران، وبالتالي لا يمكن فصل التحركات الأمريكية في المنطقة المغاربية عن تصاعد نفوذ وحضور الدول الثلاث في هذا الإقليم، خصوصًا الحضور الروسي الذي يستغل الأزمة الليبية كمدخل لحضور أكبر في الفضاء المغاربي، وهو ما تعتبره الولايات المتحدة تهديدًا لمصالحها، وبالتالي تسعى لتحجيم هذا الحضور وعدم ترك الساحة خالية أمامه، وهو ما يفسر الاهتمام الأخير بالأزمة الليبية، مستغلة في ذلك استضافة حليفها الإستراتيجي المغرب لجلسات الحوار الليبية.

 

 

محمد فوزي

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى