وجهات نظر

مُلحد ومُوحّد بالله!.. مقالة ليست عن نوال السعداوي

كثيرا ما التقيتُ في قهاوي وسط البلد مَن يدخل في جدليات “أين الله”.. و”هل للكون خالق؟”.. “ما أهمية الأديان؟”.. وفي هذا يغامر حديثو النقاشات، وهم بالتبعية مُحدَثو وجود في مجتمعات متشبّهة بالثقافة كمجتمع وسط البلد في القاهرة، والذي ربما يتأنَّق غالبية أهله بالإلحاد واللا دينية كنوع من الوجاهة والزينة ولفت الانتباه، لا كموقف.

وقتما كان يُطرح نقاشٌ كهذا في القهوة تتسع الدائرة وتعلو الأصوات.. فهناك من يقول: الله موجود بالمنطق طبعا.. بُص للسماء.. لتكوين البني آدم ورسمه ووظائف جسده.. انظر إلى الكون وما به من عجائب دقيقة.. انظر إلى موت الإنسان لتعلم أن هناك خالقا حتميا لهذا الوجود..

وآخر يقول: الإنسان يموت لأن الماكينة باظت.. ولا وجود لما يسمى “الروح” أصلا.. عمر الماكينة انتهى نتيجة عطل، وبالتالي يموت البشري..

وثالث: موقفي من الإله كان الإنكار التام لوجوده.. حتى شعرت به فجأة في شكل رباط قوي يجمعني بمحبة شاعر أو موسيقي، ولا أعلم سببا ماديا لهذه المحبة، وبالتالي أدركت أن هناك شيئا ما خفيا على قدراتي، وبالتالي قوة ما وراء الكون، لكنني لست مقتنعا بالأديان.. خاصة الإسلام.

كان بعض من هذه الأحاديث يشهدها نادل القهوة، عم غزال مثلا، في أوقات وضعه مشاريبنا أو أخذه الفارغ من الأكواب والفناجين، ولك أن تتخيل كم الغربة التي يشعر بها عم غزال الحقيقي، رحمه الله، حينما كان يستمع لشذرات من هذا الكلام الملغز بالنسبة له طبعا.. فينسحب على أشخاصنا اندهاش الرجل..

وقعتُ -بحكم ملازمة القهوة لسنوات- فريسة لهذه النقاشات، التي تشبه الحرث في الماء وقبض الريح، فلا أنا مشغول بإيمان الآخرين ولا أريد أن ينشغل الآخرون بإيماني أو عدميتي.. لكنها اللعبة الحتمية لملء فراغات القهوة..

كان رفض اللا ديني، الذي كان مُلحدا سابقا، للدين الإسلامي نابعا من كونه ممن عانوا ويعانون من العنصرية تجاه بشرته السمراء، وقال لي، متهما الإسلام في شخصي أو متهما شخصي بالإسلام، إن هذا الدين/ دينكم لم يحرم العبودية بنص صريح، وقال إن الدعوة للتخلص من الرق جاءت من منطلق بشري في أوروبا “المتحضرة”.

مع العلم أن تاريخ أوروبا لم يخلُ من العبودية، فهناك ماراثون طويل من الرق الأبيض لمن يريد أن يعرف.

لا تلتفت إلى الصورة السابقة.. إنها مجرد فاصل.. ما علينا..

خُضتُ بدوري البحث عن نصوص إسلامية تدحض اتهامه لي/ لديني -هذا الذي يمثل بعض وجودي كالآخرين- ووجدتُ ردودا وتفسيرات تقول إن القرآن وضع مبدأ “فتحرير رقبة” كخطة للتخلص تدريجيا من ميراث العبيد المتوغل في الحياة الاجتماعية للعرب وغير العرب في العصور الوسطى، ونقلتُ بدوري إلى الصديق هذا الكلام بعد رحلة بحث مجهدة، فما كان منه إلا أن طلب مني مطلبا تعجيزيا:

أريد نصا صريحا من القرآن يحرم العبودية!

لم أكن أملك هذا النص، ببساطة لأنني لستُ مؤلف هذا لكتاب “السماوي”، ولُذت بالصمت كلما دخلت مثل هذه السجالات المجهدة، إذ بلغني ما يشبه اليقين بأن هذا الصديق، وغيره، لا يريد سوى إجهادي وشغل وقته بالسباحة ضد تيار ما، وكلما تمكنت من إطالة صمتي، كلما حميت نفسي وكُشف ستر هذه اللعبة، التي نعرفها باسم “خالف تعرف”، والتي تتغذى على حرق أي حطب ممكن في سبيل الاستمرار..

الاستمرار فيمَ؟ لا ليس مهما.. الاستمرار في التوغل في اللا معنى..

لا تكترث للفواصل التي أضعها في المقالة، لأنها تخص الحديث إياه عن نوال السعداوي، التي لا تعنينا هنا كما نوهت في العنوان..

غالبا ما كانت تنتهي جلسات النقاش بين المؤمنين والملحدين، أو المؤمنين والمؤمنين بالإلحاد، في وسط البلد بدلق فنجان قهوة وبقاء الملحد الممثل والمؤمن الممثل، كل على دينه -إن جاز استخدام كلمة دين يعني- وتستمر آلة طحن الهواء حتى جلسات أخرى شبيهة، وما بين الجلستين يذهب كل فريق ليستجمع أدلة وأسلحة جديدة ستعينه بلا شك قبل دلق فنجان القهوة التالي.

يبدو أن هذا المجتمع القائم على حوارات لن تصل بنا إلى شيء، لا يمكن اعتباره إلا انفصالا عن الحياة، وكأنه “منفصَل” وليس “مجتمع”..

حكاية أخرى عن التصنيف واجهتها حين انضممت إلى عملي بصحيفة خاصة “مستقلة” -الحديث ع الاستقلال يستوجب دائما التنصل باستخدام الأقواس- في أول يوم لي وأنا داخل الأسانسير سألني زميل أقدم مني في الصحيفة:

انت تبع مين؟

لم أفهم السؤال إلى آخر معناه.. لكنني كنتُ مدفوعا للإجابة سريعا لأخلص نفسي من أي انتماء: أنا تبعي فقط..

نظر إليَّ بريبة كأنني فجأة لم أعد أعنيه، أو لم أعد إلا عدوا ما دمتُ واقفا على مساحة لا تنتمي إليه.

هذا العالم الذي يولد فيه اللا منتمي هو دائما عالم بلا قيم، مثلما قال الكاتب الإنجليزي كولن ولسون، وهذا هو سر شقاء اللا منتمي، لأن في البشر جميعا شيئا من فطرة القطيع، التي تقودهم إلى الاعتقاد بأن ما يفعله معظمهم يجب أن يكون صحيحا. فإذا لم يستطع اللا منتمي أن يخلق قيما جديدة تتمشى مع الشدة التي تتميز بها أهدافه، فإنه من الأفضل له أن يلقي بنفسه تحت عجلات الأوتوبيس، لأنه سيكون منبوذا دائما، ولن يناسب المجتمع قط.

إن محاولة الانتماء إلى شيء أو التبرؤ منه هي محاولة للفناء، محاولة لتكون غير نفسك، فإذا أردت أن تنفي نفسك “فادخل ضمن نظام”.

مصطفى علي

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى