"ناجورنو كاراباخ"

ودقّت طبول الحرب بين أذربيجان وأرمينيا

بينما نشرب قهوة الصباح، اليوم الأحد، كان طيارون حربيون من أذربيجان مشغولون بمهاجمة مناطق مدنية حدودية في منطقة ناجورنو كاراباخ المتنازع عليها مع أرمينيا. الفضائيات العربية والعالمية نقلت الخبر في الحال. قبل أن نفرغ من قهوتنا، طالعنا الرد الأرميني الفوري الذي نتج عنه سقوط مروحيتين و3 طائرات مسيّرة تابعة لأذربيجان، وفقًا لما صرح به رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان.

بداية الأزمة

الدكتور سامح الجارحي المتخصص في الشؤون التركية بجامعة القاهرة، يقول إن أزمة “ناجورنو كاراباخ” أحد الملفات الشائكة على الساحة السياسية الدولية وخصوصًا في منطقة آسيا الوسطى. فبعد انفصال بعض الدول عن الاتحاد السوفيتي في بداية تسعينات القرن الماضي، ظهرت دول مستقلة مثل أرمينيا وأذربيجان وتركمانستان وغيرها، وبعد ذلك في منتصف تسعينات القرن الماضي حدث أن استولت أرمينيا على ما يقرب من 20% من مساحة أذربيجان، وهي منطقة “ناجورنو كاراباخ” الغنية بالنفط والغاز الطبيعي.

سامح الجارحي

منذ ذلك الحين –والكلام للجارحي- تقع مناوشات عسكرية بين أرمينيا وأذربيجان على الحدود، وبعض هذه المناوشات يسقط ضحيته جنود بين مصابين وقتلى من الطرفين.

وتقدمت أذربيجان بأكثر من شكوى إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة، تقول فيها إن أرمينيا تحتل جزءًا كبيرًا من مساحة أذربيجان وهي “ناجورنو كاراباخ”. الجارحي يتابع:”في ذلك الوقت لم يكن لدى أرمينيا حليف قوي على الساحة الدولية سوى روسيا، التي دعمت أرمينيا نظرًا إلى بعض الأبعاد منها البعد العقائدي، فأرمينيا دولة مسيحية كبرى، وأذربيجان إسلامية شيعية”.

ستالين سلخ الإقليم!
أرمن مظلوميان

ويقول الدكتور أرمن مظلوميان، رئيس الهيئة الوطنية الأرمينية، لـ”ذات مصر”، إن “مشكلة كاراباخ ليست طائفية أو دينية، إنما هي تاريخ شعب اغتصبت حقوقه التاريخية قسرًا على يد جوزيف ستالين في عام 1921 أيام حكم الاتحاد السوفيتي، إذ سلخ الإقليم وضمه مع تراثه وحضارته إلى جمهورية أذربيجان دون وجه حق”.

هويات متنافرة.. ولاعبون دوليون

توجد هويات متنازع عليها في ناجورنو كاراباخ. يوضح الجارحي: “رأينا من الفوائد الكبيرة لروسيا أن تساند أرمينيا ضد أذربيجان في ذلك الأمر؛ أرمينيا تعد الحليف الإستراتيجي القوي مع كازاخستان في منطقة آسيا الوسطى، على الجهة الأخرى نجد الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة موقف صامت ولا تحرك ساكنًا إزاء القضية لأنها لا تهمها كثيرًا، لأن الولايات المتحدة لا تفكر كثيرًا في منطقة آسيا الوسطى. كما نجد اللاعب الصيني يقف أيضًا متفرجًا ومحايدًا أحيانًا، وفي بعض الأحيان الأخرى يتدخل كطرف من الأطراف الدولية التي تقترح بعض الحلول السلمية والمباحثات والمفاوضات بين الطرفين الأرميني والأذربيجاني على فترات متباعدة”.

النزاع الحدودي بين أرمينيا وأذربيجان
حلول عبر قنوات سرية

يضيف الجارحي أن أرمينيا وأذربيجان توصلتا إلى حلول عبر القنوات السرية وغير المباشرة في ما بينهما، بتنظيم استفتاء عام من أجل إدارة الحكم ذاتيًّا في إقليم ناجورنو كاراباخ، ذي الأغلبية الأذربيجانية من حيث السكان، وكان من المفترض أن يتم هذا الاستفتاء في مارس/آذار من العام الحالي، ولكن ظروف فيروس كورونا المستجد قد غيرت كل هذه الخطط. ومن المفترض التصويت على إدارة الحكم ذاتيًّا تحت مظلة أرمينيا. ويتابع الجارحي: “أعتقد أن غالبية السكان في الإقليم تفضل الحكم ذاتيًّا على الانفصال عن أرمينيا والعودة مرة أخرى إلى أذربيجان”.

حسابات العثمانيين الجدد!

يرى الجارحي أن “تركيا لديها مشروع كبير مع الأقليات أو القوميات العرقية ذات الأصول التركية في آسيا الوسطى، لافتًا إلى أن هناك بعدين، بعدًا قوميًّا يتعلق بالهوية، وبعدًا تاريخيًّا من جانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يبحث عن مجد شخصي من خلال دعم أذربيجان ضد أرمينيا.

تركيا تدعم أذربيجان عسكريا في مواجهة أرمينيا

ويشرح: “إذا نظرنا إلى البعد الإسلامي فغالبية السكان في أذربيجان تدين بالمذهب الشيعي، وأردوغان يتفاخر بأنه سني المذهب ولكن دعمه يتوقف على الهوية القومية”، مشيرًا إلى أن الرئيس التركي يعتقد أن أذربيجان وآسيا الوسطى تعد عمقًا إستراتيجيًّا لتركيا في منطقة من أهم المناطق من حيث الثروات، وهي منطقة بحر قزوين التي تعد من أهم المناطق في العالم من حيث الثروات الطبيعية، مثل الغاز الطبيعي والبترول وغير ذلك.

ويستطرد الجارحي: “أردوغان يطمع أطماعًا اقتصادية واستعمارية مغلفة بالهوية القومية في هذه القضية، وهو يريد مناصرة أذربيجان ضد ما يصفه بالعجرفة الأرمينية الدائمة المؤيدة من جانب الروس، والروس قوة عظمى حتى الآن، فهو يريد صنع مجد شخصي له ولتركيا، ولم تغب عن باله أو خاطره مسألة الإمبراطورية العثمانية”.

إيران على الخط أيضًا

أما عن إيران، فيرى الجارحي أن موقفها غريب بعض الشيء، فهي الدولة المذهبية الأولى في العالم التي تدين بالمذهب الشيعي وغالبية سكان دولة أذربيجان تدين بالمذهب الشيعي، وعلى الرغم من ذلك تؤيد إيران أرمينيا في هذه القضية.

وأرجع ذلك إلى صراع الهوية والعرقية، موضحًا: “هناك على سبيل المثال أكثر من 40 أو 50% من عدد سكان إيران من الأذريين، فإيران تعتقد أنها إذا ناصرت أرمينيا في هذه القضية ستشكل ضغطًا كبيرًا على أذربيجان وتركيا حتى لا تكون أذربيجان وتركيا من الفواعل القوية داخل إيران بالنسبة إلى الأذريين، حتى لا يطلبوا حكمًا ذاتيًّا وعددًا من الحقوق التاريخية لهم.

فإيران ترى أن محافظتي أذربيجان الشرقية وأذربيجان الغربية، منطقتين في منتهى الغنى والثروة داخل الجمهورية الإسلامية التي ترى أن هذه الأقلية من الممكن أن تدعمها أذربيجان وتركيا من أجل الانفصال، ولذلك فإن إيران تدعم الأرمن في هذه القضية حتى لا يثور أو يتمرد الأذريون داخلها بدعم خارجي، من أجل المطالبة باستقلال أو بحكم ذاتي في الداخل الإيراني”.

خريطة أرمينيا وأذربيجان المتجاورتين
التوتر إلى أين؟

الدكتورة فيرا يعقوبيان، المديرة التنفيذية للهيئة الوطنية الأرمنية في الشرق الأوسط، لفتت إلى محاولات جدية وعديدة من أذربيحان لخرق الحدود في الفترة الأخيرة، مشيرة إلى أن الجانب الأرمني أعلن في وقت لاحق أنه لا يريد إشعال الحرب في المنطقة، ولكن القوات مستعدة لرد أي عدوان من أذربيجان، فكان الرد الأرميني الفوري إسقاط مروحيتين و3 طائرات مسيَّرة.

فيرا يعقوبيان

وأضافت يعقوبيان لـ”ذات مصر”: “نتمنى ألا تمتد هذه الهجمات لتشعل حربًا في المنطقة، وهذا ليس في مصلحة أي طرف من الأطراف، فأرمينيا مستعدة للحرب، ولكن ترفض الانجرار وراء التحريض التركي الأذري. نتمنى أن ما حدث اليوم يظل في نطاق ضيق، ولكن يجب وقف التعديات من أذربيجان ضد المواطنين العزل. ويبقى على تركيا وأذربيجان أن تعرفا أن الدخول في حرب في هذه الفترة ستكون له عواقب وخيمة جدًّا.. إن أرمينيا وكاراباخ لطالما دعتا إلى السلم والاستقرار في المنطقة وعدم الخوض في الحرب، لأنها لا تؤدي إلا إلى الخراب والقتل”.

يذكر أن الإقليم المتنازع عليه بين أرمينيا وأذربيجان، محاط بسواتر ترابية بطول طريق كامل يرتفع بمستوى السيارات التي تسير على هذا الطريق، لأجل حماية راكبيها من هجمات القناصة على الجانبين الحدوديين. كما يُمنع الترجل في هذه المنطقة حفاظًا على الأرواح.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد الليثي

صحفي وباحث في الشؤون الإسرائيلية

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram