ثقافة وفن

ناحوم الأكبر.. الحلقة السادسة من رواية “العملية كيسنجر”

أحداث هذه الرواية من خيال مؤلفها وأي تشابه بينها وبين واقع أشخاص أو أحداث هو من قبيل المصادفة الفنية غير المقصودة.

انشغل العالم كله بموت (توفيق خطاب)، وانشغلتُ أنا بحياته. تهافت الجميع بحثا عن إجابة لسؤال: كيف مات؟ بينما انطلقت أنا أبحث عن إجابة سؤال: كيف عاش؟

قادني هذا البحث إلى التهام مذكراته في ليلة، وقراءة مذكرات عمه الكبير الذي ربّاه، وعمه الأصغر الذي كان شريكه في كثير من أعماله ومغامراته، وصحف قديمة وشهادات لأحياء وأموات، وكتب تاريخية تصف الوقائع والأحداث وتدفع بي إلى قلب تاريخ قديم حديث بمعايير العلم والبحث، وكلما وصلت إلى نقطة تاريخية اعتقدت أنها تكفي لتكون نقطة انطلاق تدفعني الأسئلة إلى الغوص أكثر وأكثر، كأنني ركبت آلة زمن عادت بي إلى الوراء سنوات، حتى استقرت بي عند القرن السابع عشر الميلادي، وأنا أحاول الوصول إلى نقطة ارتكاز في تاريخ هذه العائلة والبحث عن إجابة لسؤال محير جدا في أصول مؤسس تلك العائلة، هل كان (فلاح مصري.. تاجر يهودي.. مملوك.. انكشاري.. وافد، أم خواجة من أوروبا).

لا يرجع سبب التضارب هذا لقصور في البحث الذي أجريته، بقدر ما يعكس جزءا من تنوع هذه العائلة التي يصلح مع تاريخها القول بأن لها مؤسسا من كل صفة من تلك الصفات، أو لها تلك الامتدادات، ودائما هناك صلة تربطها بكل تلك الدوائر عبر شخص من أصولها يجعل صاحبنا (توفيق خطاب) يجد له جدا ما يتشبث به في كل موقف، فإذا كان في مناسبة وطنية مثلا تتعلق بمقاومة الاحتلال الإنجليزى يجد اسم جد يتحدث عنه، وإذا كان في مناسبة ثرثرة تتحسر على زمن الخديوية العلوية يجد اسم جد يتحدث عنه ويربطه بالعائلة الخديوية كأنه فرد منها، وإذا كان الحديث عن الأجانب ومصر الكوزموبوليتانية، يجد من يساعده على نسب نفسه للجاليات الأجنبية التي شاركت في تحديث مصر ومنحها رونقا خاصا في فترة من الزمن، حتى إن كان الحديث عن اليهود واليهودية، يجد في شجرته من يفخر به كرمز يهودي كبير، واستمرت هذه اللعبة معه حتى عصر حديث، فتسمعه يفخر بدور محطته الإذاعية في كشف فساد عصر مبارك، ويتحسر أيضا على زمن مبارك، وينسب نفسه لثورة يناير، ويهاجمها، ويفخر بجذوره العسكرية، ويشكو من الفهم العسكري، خصوصا للمصالح الاقتصادية، يدعم الإخوان كامتداد لدعم (إدارة أوباما) لهم، ويقدم نفسه باعتباره من المحرضين على ثورة يونيو، وكل قول يجد عنده ما يستند إليه على نحو ما سيأتي تفصيله.

هذا إذن رجل يحدد أصله بحسب الظرف والمكان والزمان والشخص الذي يُحدثه. 

ففي احتفال داخل حزب الوفد بعيد “الجهاد” اجتمع فيها أحفاد أرستقراطية الثلاثينيات من الإقطاعيين وكبار ملاك الأراضي الزراعية، تحدث عن أصوله الفلاحية وجدوده المزارعين الذين انخرطوا في الزراعة وبنوا ثرواتهم من أراضيهم، وانغمسوا في القضايا الوطنية من أول ثورة عرابي حتى النضال ضد الاستعمار البريطاني.

وفي عشاء فاخر نظمه بأحد الفنادق الكبرى بالقاهرة لأميرة سابقة من أميرات القصر الملكي، تحدث عن إحدى جداته التي كانت وصيفة مقربة من (الوالدة باشا خوشيار هانم)، والدة الخديو إسماعيل وشقيقة السلطانة برتفنيال، والدة السلطان العثماني عبد العزيز الأول، وأجداده البوشناق الذين خدموا في حاشية القصر فصاروا كأنهم جزء من العائلة.

وفي احتفال على ساحل مدينة حيفا بمناسبة توقيع عقود للتعاون الزراعي بين شركاته وبين شركات إسرائيلية وقف يتحدث عن روح جده الكبير التي تحوم حول الحفل الآن فرحة مبتهجة بهذا التعاون، وعبقه الذي يشمه في حيفا ويافا وعكا، حيث عاش (ناحوم الأكبر)، الذي يعد نقطة التلاقي الكبرى بينه كحفيد وبين الشعب اليهودي في إسرائيل والعالم كله.

وفي مقال له بصحيفة فرنسية في ذكرى الحملة الفرنسية على مصر، كتب عن النور الذي جلبته الحملة وعن جده الكبير الذي جاء مع نابليون واستقر معه بمصر مشاركا في نقل الحداثة والقيم الأوروبية في المجتمع المصري.

قد أصدمك بالقول إن كل ما يقوله وأكثر من ذلك كثيرا يبدو صحيحا ويكون صادقا فيه إلى حد كبير، فعندما تجد مفارقة تاريخية عجيبة تجعل للرجل أجدادا متباينين في التجارب والقصص والولاءات ويبدو كأن بينهم -على غير قصد أو ترتيب- توزيع أدوار رهيبا مرتبطا بتاريخ هذا البلد وأطرافه المختلفة، ما يجعل العائلة قادرة على ادعاء قربها من كل طرف..  حتى الخصم وغريمه فى آنٍ. 

تستطيع القول إن الرجل امتداد لمحطات تاريخية أبطالها جدود له ظهروا في نقاط ساخنة بتاريخ المنطقة في مصر والشام وفلسطين، وحتى الولايات المتحدة، العنوان المشترك لتلك المحطات وأبطالها مناسب أن يكون (المقامرة).

احترف سلسال العائلة الرئيسي لعبة الرهانات، خصوصا في فترات تحول المجتمعات، حين يقف الناس حيارى بين اختيارين حاسمين: هذه السلطة أم تلك؟.. ذا الولاء أم ذاك؟، وبدا أن (توفيق خطاب) استوعب هذا التاريخ كله.

***

عندما تضرب معول البحث في قلب الوقائع تحرثها وتعيد ترتيبها لتعيد النظر إلى تلك الأرض ممهدة وسهلة الفهم، سيخرج لك ناحوم الأكبر أسفل الجذر الكبير لتلك العائلة، أو قل للصدق إنه آخر ما يستطيع الحفر بلوغه للوقوف على تلك المسيرة الإنسانية الممتدة.

تقول الروايات إن هذا الشاب (ناحوم) سليل عائلة يهودية نزحت من الأندلس بداية القرن السابع عشر، وبعد رحلة طويلة استمرت لسنوات بين ساحل شمال إفريقيا وجزيرة مالطا وسواحل اليونان استقر بها الحال في بلاد البوشناق (البوسنة والهرسك) في ظل الإمبراطورية العثمانية. عملت العائلة بالتجارة، حتى ازدهرت أحوالها، وعندما تولى ريادتها ناحوم الأكبر توسع في تجارة الرقيق بعد أن استعان بأشقياء مسيحيين كانوا يُغيرون على القرى المسيحية الواقعة على حدود الإمبراطورية العثمانية في قلب أوروبا، ويجلبون الرقيق لعائلة ناحوم، التي صارت أهم مورّدي الرقيق الأبيض للباب العالي.

في إحدى تلك الغارات، التي موّلها ناحوم، نصب أهالي واحدة من تلك القرى كمينا للأشقياء فقتلوا منهم كثيرا ثم أرسلوا من يتعقبهم ويتعقب ناحوم، الذي نزح خوفا على حياته وحياة أولاده إلى الأستانة، ليعيش في حماية الباب العالي الذي كان يمد مظلة حمايته ورعايته للجالية اليهودية في ربوع السلطنة.

لكن أحدهم كان يبحث عن ناحوم في كل مكان بالأستانة حتى وصل أمره إلى مسامع التاجر اليهودي، فظن أنه أحد من يطلبون رأسه من أهالي القرى التي باع بناتها وأبناءها للقوافل المنتشرة في أصقاع الأرض، وفي ليلة أغلق فيها باب داره عليه بمتاريس عديدة، وجد مُطارده الملثم أمامه في صحن الدار شاهرا في وجهه سيفه حتى كاد ناحوم يسقط صريعا دون أن يمسه سيف زائره.

ما أن أزاح الزائر اللثام عن وجهه حتى هدأ روع ناحوم قليلا بعد أن اكتشف أنه ذلك الشاب (الاستولاكي) زعيم عصابة الأشقياء التي كان يستخدمها في جلب الرقيق.

عقد معه الاستولاكي الصفقة الأهم  

يحاول أهالي القرى المكلومة في خطف أبنائها قتل كليهما، لكنه -الاستولاكي- بوصفه مسيحيا كالأهالي المكلومين يمكن أن يقتله الآن ليأخذ رأسه قربانا لبني طائفته لعلهم يغفرون له ويقبلون توبته.. لكنه لن يفعل.

ما المقابل؟

  • بعْنى إلى الباب العالي

قالها الاستولاكي لناحوم قاطعا:

  • بِعْت لك نفسي وصرت مملوكك.. فبعْني للباب العالي

قبِل ناحوم الصفقة.. وأخذ مملوكه الجديد، حيث أشهر إسلامه وسمّى نفسه (أحمد البوشناقي) وباعه لخاصة الباب العالي، الذي ألحقه بإحدى الحاميات المتجهة إلى الحجاز.

لكن ناحوم بقي على قلقه وحذره وخوفه من انتقام من يطاردونه، فاستأذن للرحيل إلى فلسطين، وقال إن قلبه كيهودي يهفو إلى الأرض المقدسة، متمنيا السماح له بالعيش في أورشليم، وبعرض أمره على الباب العالي، وافق على أن يرحل إلى إيالة صيدا، وأن يستقر على ساحل عكا في رعاية واليها (ظاهر العمر).

وفي عكا مرت السنوات حتى وجد نفسه مرة أخرى وجها لوجه مع مملوكه السابق (البوشناقي)، لكن هذه المرة بعد أن أصبح أشهر رجال السلطان في كل المشرق.. القائد العثماني الظافر أحمد باشا الجزار.. 

لقراءة الحلقات السابقة:

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الأولى)

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الثانية)

العملية كيسنجر.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الثالثة)

موت مباغت.. صفقة توفيق بك خطاب مع الحياة (الحلقة الرابعة)

أول الخيط.. الحلقة الخامسة من رواية “العملية كيسنجر”

أحمد الصاوي

كاتب وصحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى