سياسة

“نار تحت الرماد”.. الصراع السياسي في تونس يُفاقم الخطر الجهادي

تعيش تونس، على وقع حالة من الصراع السياسي بين الرئيس قيس سعيد، وبين حركة النهضة التونسية (الإخوان)، إذ أصدر الأول قرارات استثنائية، مساء الأحد الماضي، بإقالة حكومة هشام  المشيشي وتجميد عمل البرلمان لمدة 30 يومًا، استنادًا لنص الفصل الـ80 من الدستور الوطني الذي شارك “سعيد” في إقراره خلال عام 2014.

وبينما تُسلط الأضواء على الخلاف السياسي الحاصل، مؤخرًا، يبرز على الساحة التونسية، الخطر الذي تمثله التنظيمات الجهادية التي لا تزال تحظى بموطأ قدم في جبال الشعانبي التونسية الوعرة.

على الرغم من تراجع حدة وعدد العمليات الجهادية في تونس، منذ عملية تنظيم الدولة على بلدة بن قردان الحدودية في مارس ٢٠١٦، وتراجع جاذبية الحركات السلفية الجهادية، إلا أن سياسات مكافحة العمليات الجهادية لم تتطور منذ ٢٠١٣.

مقاربة ثابتة في مواجهة خطر متغير

ولا تزال المقاربة التونسية في مواجهة العمليات الجهادية تحدث تفككًا في التماسك الاجتماعي، علاوة على تأكل ثقة المواطنين في مؤسسات البلاد. ومن ثم فان استمرار تلك السياسات في ظل الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد بتجميد البرلمان وإقالة الحكومة وتصاعد حدة الصراع مع حركة النهضة.

اقرأ ايضًا: بعد قرارات قيس سعيد.. إلى أين تذهب تونس؟

ومن الممكن أن يعيد الصراع السياسي الحاصل، تصعيد وتيرة العنف الجهادي في تونس وأن يرفع معدلات الجريمة وأشكال أخري من انعدام الأمن في المناطق الحضرية والحدودية بالأخص، وذلك في ظل تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما سينعكس على مستقبل العنف الجهادي.

الجهاديون في تونس
الجهاديون في تونس

تراجع الهجمات.. وبقاء التنظيمات

وانخفضت الهجمات الجهادية في تونس بشكل ملحوظ، بين عامي ٢٠١٦ و٢٠٢١، الا أن هذا لا يعني أن البلاد أمنة تمامًا من خطر الإرهاب، لاسيما مع بقاء محفزات التطرف والفكر الجهادي.

ومن الممكن ملاحظة انخفاض العمليات الجهادية في تونس بمقارنة ضحايا العمليات، بين عامي ٢٠١١ و٢٠١٦، والذي قدر بـ ٢١٤ ضحية، مقابل ١٦ ضحية في الفترة ما بين مارس ٢٠١٦ الي مارس ٢٠٢١ حسب بيانات مجموعة الأزمات الدولية.

ونفذ الجهاديون، خلال الأربع سنوات الأخيرة، خمس عمليات داخل تونس العاصمة وبلدة واحدة على الساحل الشرقي، وقام بهذه العمليات جماعتين هما عقبة بن نافع “فرع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وجماعة جند الخلافة في تونس التابعة لداعش.

ويرجع انخفاض العمليات الجهادية لهذه التنظيمات إلي عدد من الأسباب أولها فقد هؤلاء الي ثلثي قواتهم القتالية منذ عام ٢٠١٦، إذ انخفض عدد المقاتلين لديهم من ٢٥٠ مقاتل إلي ٦٠ مقاتل حسب بيانات مجموعة الازمات الدولية، وثانيها النكسات التي تعرضت لها التنظيمات الجهادية في ليبيا، والتي كانت تعد المنصة اللوجستية التي انطلقت منها الهجمات التي استهدفت تونس خلال عامي ٢٠١٥- ٢٠١٦.

ورغم هذا التراجع، لا تزال تونس بيئة محفزة للنشاط الجهادي ويرجع ذلك لعدد من العوامل أبرزها وجود المقاتلين التونسيين في الجماعات الجهادية في الشرق الأوسط والساحل الإفريقي، وتقول التقديرات إن عددهم وصل إلي بعضة آلاف، في السنوات الماضية مع أنه يمكن إدراك أن عدد كبير منهم قتل أو سجن  خلال عمليات مكافحة الإرهاب في العراق وسوريا وليبيا والساحل والصحراء.

كما كشفت بعض التحقيقات عن العمليات الجهادية في أوروبا، تورط مواطنون تونسيون في أربعة هجمات إرهابية في فرنسا وألمانيا بين عامي 2016 و2021.

وفي مقابل وجود عدد كبير من المقاتلين التونسيين في صفوف الحركات الجهادية العالمية كداعش، بقيت الحركة الجهادية في  تونس نفسها محدودة، خاصة مع سيطرة حركة النهضة علي البرلمان والحكومة.

ويكشف تحليل الأوضاع في تونس عن وجود روابط بين سيطرة النهضة على مقاليد السلطة في البلاد وتراجع الحركة الجهادية، إذ اعتمدت الحركة منذ ٢٠١٣، إستراتيجية دمج الدعاة السلفيين في المجتمع وهو ما أثر على الهامش الذي كانت تشغله السلفية الجهادية التي تلاشت نسبيا في البلاد.

احتجاجات تونس على سياسات حركة النهضة
احتجاجات تونس على سياسات حركة النهضة

قصور سياسات مكافحة الإرهاب

وحتى مع تراجع السلفية الجهادية في تونس، إلا أنه لا يمكن اعتبارها بلدًا آمنة تماماً من خطر التشدد والفكر الجهادي، ويرجع ذلك، إلى جملة من الأسباب في مقدمتها قصور سياسات مكافحة الإرهاب النافذة منذ عام 2013. إذ يبلغ عدد السجناء ممن سجنوا لصلتهم بالنشاط الإرهابي 2,200 سجين ومن المزمع إطلاق سراحهم على مدى السنوات الثلاث القادمة “أي قضاء عقوبة الخمس سنوات لأغلبهم”.

وبنظرة إلى أوضاع السجناء الجهاديين في البلاد، يمكن ملاحظة وجود خطر كامن قد يؤدي إلى عودة هؤلاء إلى ممارسة نشاط متطرف مجددًا، خاصةً أن العديد منهم واجهوا ظروفًا صعبة من شأنها أن تفضي إلى نكوصهم، كما تبقى احتمالات إعادة تأهيلهم ضئيلة في مقابل وجود  مخاطرة مرتفعة واحتمالية لاستئناف نشاطهم المتشدد عند إطلاق سراحهم أو انخراطهم في طريق الجريمة.

اقرأ أيضًا: رحلة تحولات “النهضة التونسية”.. بين المصلحة السياسية وتأقلم الدعوة

وفي هذا الصدد، فإن الضوابط الإدارية المفرطة في شدتها والمتخذة بحق العديد من الأفراد خارج السجن باسم مكافحة الإرهاب من شأنها أيضاً أن تدفع بعضهم ممن يشعرون بأنهم عوملوا بشكل غير منصف لتجديد اتصالهم بالجماعات الجهادية.

الجماعات الإسلامية والعودة للعمل العنيف

وعلى صعيد متصل، قد يؤدي استمرار الصراع القائم بين الرئيس قيس سعيد وقيادة حركة النهضة في تونس، إلي تحفيز الجماعات السلفية الي العودة الي النهج المتشدد، خصوصًا أن نشأة السلفية الراديكالية يرجع في أصوله القديمة إلي تهميش نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، لجماعات الإسلام السياسي.

وفي حال استمر الصراع الحاصل بما يفرضه من ضغوط على حركة النهضة، فقد تلجأ الحركة للتحول لنمط أكثر أصولية لتستميل الجماعات السلفية المتشددة داخل تونس، وتمتلك حركة النهضة بعض الدعاة المتشددين الذي يساهمون في استمالة السلفية الراديكالية أمثال الصادق شورو.

حركة النهضة
رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي

وسبق للنهضة أن اتبعت استراتيجية براجماتية، خلال عامي ٢٠١٢ و٢٠١٣، أطلقها راشد الغنوشي تقوم علي أساس عدم قمع أي مجموعة علي أساس أفكارها السياسية، وعمدت الحركة التونسية إلى مقاربة مزدوجة في التعامل مع الجهاديين بحيث تحسن صورتها أمام الجميع وتنفي عن نفسها تهمة التراخي التي وجهها لها خصومها السياسيين، وفي نفس الوقت تحتوي الجهاديين وتخفض حدتهم تجاه الدولة، وبدت تلك الاستراتيجية ناجحة في أحداث العبدلية (يونيو ٢٠١٢).

ويظهر من التحليل السابق أن قادة حركة النهضة والسلفيين العلميين والعنيفين يعملون بتناغم إلى حد كبير، وبذلك تتكامل التيارات الثلاثة مع بعضهم البعض، ومن المتوقع أن يستمر هذا التعاون في المدى المنظور.

مخاطر محتملة

من المحتمل أن يؤدي استمرار الوضع القائم في تونس إلي منح الجماعات الإسلامية فرصة لاستثمار الفوضى، وبالتالي تصبح هناك احتمالات لزيادة وتيرة العنف والإرهاب وفقًا للاحتمالات التالية:

أولًا: زيادة وتيرة الإرهاب المحلي عبر الذئاب المنفردة والتي تعد أخطر ما يمكن أن تواجه المؤسسات الأمنية والعسكرية، لأن هذه العمليات تقوم بشكل لا مركزي ومن أشخاص غير مصنفين لدي الجهات الأمنية أو من خلال جهاديين سابقين فشل إدماجهم في الحياة بعة قضاء العقوبة، وهو ما قد تعاني منه تونس خلال المرحلة المقبلة نتيجة خروج أعداد كبيرة مما كان علي صلة بالنشاط الجهاد إضافة الي ضعف أنظمة المراقبة الداخلية لهم وفشل برامج الإدماج والتأهيل.

قوات الأمن التونسية
قوات الأمن التونسية

ثانيًا:  يؤدي استمرار الوضع القائم الي استنزاف قدرات الأجهزة الأمنية خاصة الجيش التونسي مما قد يؤدي إلي حالة سيولة على الحدود الليبية والجزائرية وهو ما ستستغله الجماعات الجهادية في تجارة الأسلحة والمتفجرات ونقل المقاتلين، إضافةً لتشكل جماعات مصالح  من سكان المناطق الحدودية التي ستسفيد من “مهام التسفير” العابرة للخطوط الرسمية على الجانبين، كما أن هذا النوع من التجارة غير الشرعية مربح أكثر من العمل في الوظائف الحكومية أو القطاع الخاص.

وفي هذا الإطار يمكن أن يستفيد عناصر الجماعات الجهادية من الثغرات المتاحة، ويستغلون شبكات التواصل الاجتماعي التي يصعب تتبعها ومراقبتها لتسهيل العمليات اللوجستية وإدارت شبكات دعم من خارج الأراضي التونسية.

مستقبل مشوب بالتحديات

يفاقم الصراع السياسي الداخلي في تونس من التحديات التي تواجه البلاد، التي يتهددها خطر جهادي من نواحي عدة، ففي مناطق البلاد الحدودية يتمركز نحو مئة ينتمون إلى مجموعات مسلحة ترتبط بالقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية. وقد يختارون نقل المعركة إلى قلب تونس في أي يوم.

قيس سعيد
قيس سعيد

وتفرض المتغيرات السابقة، على الرئيس التونسي قيس سعيد أن يعطي الأولوية للعمل على تقليص احتمال تصاعد العنف الجهادي ومنع تطور النشاط الإجرامي الثانوي وعمل العصابات بالتزامن مع الإجراءات الاستثنائية الأخيرة التي اتخذها للإطاحة بحركة النهضة التونسية (ذراع الإخوان).

تشير الخبرة السابقة في مكافحة الإرهاب إلى ضرورة إجراء إصلاحات في مجالي الأمن والعدالة الجنائية، والتركيز على الوقاية بدلاً من القمع، فمن شأن تلك الإجراءات أن تعزز قوة المجتمع وتستعيد ثقة المواطنين في مؤسسات البلاد.

كما ينبغي أن يعدل قانون مكافحة الإرهاب لعام 2015، وخصوصًا تقليص الحد الأقصى لمدة الاحتجاز لدى الشرطة قبل المحاكمة، وهي المدة التي يحدث خلالها العديد من الانتهاكات، وتعديل القانون الجنائي لضمان أن يتمكن جميع المعتقلين، دون استثناء، من الوصول إلى محامٍ خلال التحقيقات الأولية.

وينبغي أن تسعى التعديلات الخاصة بالعدالة الجنائية إلى تقليص أعداد نزلاء السجون، وإنشاء مراقبة أمنية حسب طبيعة الأشخاص المراقبين ومراقبة اجتماعية – نفسية لنزلاء السجون والمساجين السابقين، وزيادة عدد برامج إعادة التأهيل الاجتماعي وإيجاد فرص عمل للخارجين من السجن. كما ينبغي على الحكومة تحسين عمل مختلف الوزارات من أجل توحيد مبادرات مكافحة الإرهاب و”العنف المتطرف”، التي يتم تنسيقها من قبل اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب.

مصطفى كمال

باحث مساعد بوحدة الدراسات الأمنية بمركز الأهرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى