"نافالني" لا يموت

عدو "بوتين" ساخرًا: حضّرت غاز الأعصاب في مطبخي

بخطى محسوبة على درجات سلم المستشفى، وعينين محدقتين تتسع إحداهما عن الأخرى قليلاً، وبينما لا تزال ضمادة صغيرة على ذراعه اليسرى، أراد أليكسي نافالني، المعارض الروسي الشرس، إيصال رسالة ضمنية جديدة إلى النظام الروسي بأنه عاد من الموت وعازم على مواصلة كفاحه بعد نجاته من حادث تسميم تعرض له في 20 أغسطس/آب الماضي.

خرج “نافالني” من المستشفى، الأربعاء الماضي، بعد أن أمضى 24 يومًا في العناية المركزة من إجمالي 32 يومًا قضاها في مستشفى شاريتيه ببرلين، بتأكيد الأطباء المعالجين استقرار وضعه الصحي، رغم أنه لا يستطيع التحكم في جوّاله ولا شرب كوب ماء وحده، لأن النتائج المحتملة للتسميم الخطير الذي تعرض له على المدى البعيد “لا يمكن تقييمها إلا خلال مرحلة العلاج”، بحسب الأطباء.

“لا أستطيع إلقاء الكرة ولا الوقوف على قدم واحدة”.. قالها “نافالني”، ألد أعداء الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، الذي كان يقيم حملة في سيبيريا الشهر الماضي، وفي طريق عودته إلى موسكو على متن طائرة شعر بآلام حادة استدعت الهبوط الاضطراري للطائرة لتلقي علاج طارئ في مستشفى مدينة أومسك السيبيرية قبل نقله إلى ألمانيا.

في مستشفى “شارتيه” ببرلين، خرج التشخيص الطبي المبدئي: “يُعتقد أنه سُمّم بمادة نوفيتشوك”، وهو غاز أعصاب  طوّره علماء سوفييت للجيش الروسي، وهو الغاز نفسه الذي تعرض له العميل المزدوج سيرجي سكريبال وابنته في بريطانيا قبل عامين.

العميل الروسي المزدوج سكريبال وابنته يوليا يعيشان في الخفاء حاليًّا تحت الحماية البريطانية، بعد أن استغرقت رحلة علاجهما فترة طويلة.

نافالني يهبط من الطائرة

الناطقة باسم نافالني، كيرا يارميش، وهي أيضًا سكرتيرة مؤسسة مكافحة الفساد الصحفية، أسسها نافالني في 2011، أعلنت عبر حسابها الخاص على موقع “تويتر” أنه دخل في غيبوبة وموصل بجهاز تنفس اصطناعيّ بعدما تعرّض للتسميم عبر مادة مزجت في شاي كان يحتسيه، لأنّه الشيء الوحيد الذي شربه في الصباح”، كما أعلن فياتشيسلاف جيمادي، رئيس الدائرة القانونية في “مؤسسة نافالني لمكافحة الفساد”، أنه “تعرض للتسميم بسبب مواقفه ونشاطه السياسيّ”.

برلين تصعّد والكرملين ينفي

التأكيد نفسه خرج على لسان شتيفان زايبرت، المتحدث باسم المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل: “مختبرات متخصصة تابعة للجيش الألماني حللت عينات من نافالني وأكدت وجود أدلة لا لبس فيها بتعرضه لغاز نوفيتشوك، بعد تواصل مع مختبر بورتن داون البريطاني السري والمتخصص في بحوث الأسلحة البيولوجية، للتشابه المحتمل بين حادثي تسمم نافالني وسكريبال.

الحكومة الألمانية بدورها قالت إن مختبرين متخصصين آخرين في فرنسا والسويد أكدا تسمم نافالني بغاز الأعصاب المذكور، وعلى أثر تلك التأكيدات استدعت الخارجية الألمانية السفير الروسي لديها لتقديم تفسيره للحادث، لأن “هناك أسئلة جدية لا يمكن إلا للحكومة الروسية الإجابة عنها، بل وعليها الإجابة عنها أمام العالم”، بحسب تصريح وزير الخارجية الألماني هايكو ماس.

وتتحفظ ألمانيا على التلميح بأي مؤشر بشأن المكان الذي يوجد فيه “نافالني” حاليًّا داخل أراضيها. كما ترفض، لأسباب أمنية، تأكيد أو نفي ما إذا كان المعارض يخضع للحماية.

موسكو، من جانبها، رفضت اتصالات دولية للتحقيق في الأمر، بل لامت برلين على عدم مد السلطات الروسية بمكونات الملف الخاص بنافالني، كما نفى الجانب الروسي تورطه في الأمر، وقال إنه “يرحب بعودة نافالني كأي مواطن روسي، ويتمنى له الشفاء”، بعدما أبدى الأخير نيته العودة إلى روسيا واستكمال عمله.

وصفة إعداد الغاز السام في المطبخ

وطبقًا لما نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية، برر بوتين عدم فتح بلاده تحقيقًا رسميًّا إلى الآن في قصة نافالني بأنه “من المقترح أن يكون المعارض قد تناول السم بنفسه”، وهو التصريح الذي سخر منه نافالني بكتابة “طريقة إعداد الغاز السام في المطبخ” عبر حسابه الخاص على موقع “إنستاجرام”.

“لقد أعددت نوفيتشوك في المطبخ. ابتلعت بعضًا منه من قارورتي عندما كنت في الطائرة.. ودخلت في غيبوبة.. كانت خطتي الماكرة أن أموت في مستشفى في أومسك، حيث كان تقرير تشريح الجثة سيُظهر أن سبب الوفاة هو (عاش لفترة كافية) لكن بوتين اكتشف ذلك.. ونتيجة لذلك، أنا، مثل الأحمق، دخلت في غيبوبة لمدة 18 يومًا ولم أحصل على ما أريد.. الخطة فشلت”.. بحسب نص كتبه “نافالني” ساخرًا.

الشرطة تواجه نافالني

لكن بعيدًا عن السخرية، طالب نافالني، موسكو، بأن تعيد إليه الثياب التي كان يرتديها يوم تسممه باعتبارها “دليلاً مهمًّا جدًّا”.

عودة ثالثة من الموت

أليكسي أناتوليفيتش نافالني، المولود عام 1976، محامٍ وناشط مناهض للفساد، وأحد أشد منتقدي الرئيس فلاديمير بوتين، الذي فاز بـ76.7% من الأصوات في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وهي نسبة تخطت أي رئيس آخر في فترة ما بعد الاتحاد السوفييتي.

وصف نافالني الرئيس بوتين وحزبه بـ”حزب المحتالين واللصوص”، وحُرِم المعارض الروسي من الترشح  في الانتخابات الرئاسية عام 2018 بسبب إدانته السابقة بالتزوير في قضية قال “نافالني” عنها إن “وراءها دافعًا سياسيًّا”.

بوتين

تاريخ “نافالني” مع العودة من الموت طويل، وتعد هذه مرته الثالثة التي يعود فيها من نهايته خلال 3 أعوام مضت. كانت محاولة الاغتيال السابقة مباشرة في يوليو/تموز من العام الماضي، وقبل شهر واحد من إجراء الانتخابات الرئاسية الروسية عندما هاجم نافالني مرضٌ غامض في عينيه دخل على أثره مستشفى السجن الذي كان يقضي فيه عقوبة ثلاثين يومًا بعد إدانته بـ”الدعوة إلى تظاهرة ممنوعة”، حيث انتفخت جفونه وانتشرت الخُرّاجات في رقبته وكتفيه وظهره بشكل بشع، ورجح مقربون ومحاميته حينها تعرضه لـ”التسميم في السجن بمادة كيماوية مجهولة”، لكن السلطات  الروسية وصفت الأمر بأنه “رد فعل من يعاني من الحساسية المناعية”. وكانت عودته الأولى من الموت عام 2017 بعدما تعرض لحروق كيميائية في عينه اليمنى، إثر إلقاء مجهولين صبغة مطهرة على وجهه أمام مكتبه، ولهذا تتسع إحدى عينيه عن الأخرى في أحدث صورة له.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

ندى الخولي

صحفية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram