ثقافة وفنمختارات

“نبغيك ربك”.. 1,2,3.. شموس خالدة من وهران لمارساي

 

“ههنا في وهران، ما يقوله الراي هو الآتي: نبغيك ربك! نبغيك ربك! أحبك! يا إلهي! هذا ليس متاحًا للفهم.. ولكن بالنسبة إلى امرأةٍ ما لو يقول لها رجل هذه الجملة.. لك أن تتخيل، لو كنت امرأة وقال لي رجل هذه الجملة فحتمًا ستصيبني قشعريرة قوية.. نبغيك ربك! هذا هو الراي.. لأن كل أغنية تتناول موضوع الحب وقارورة الخمر والحياة الاجتماعية والحزن وحتى الرسول.. كل شيء”.. الشاب خالد في لقاء تليفزيوني.

عام 1991، أُشيع في مدينة وهران أن الشاب حسني قد مات في حادث مرور، وعندما توجه إلى منزله تفاجأ بتجمع غفير لعشاقه ممن جاؤوا ليتحققوا من الخبر الذي كان له وقع كبير عليه، إذ كتب أحد أشهر أغانيه يقول فيها: “حتى لميمة دهشت وبكات.. خلعتوها وقتلتوني.. هدرتوا فيا وقلتوا مات”.

29 يونيو/ حزيران 1992، يُلقي الرئيس الجزائري محمد بو ضياف خطابًا بمدينة “عنابة” وبعد أن قال: “الإسلام دين يحث على العلم”.. تنفجر قنبلة، يسود الصمت ثم يفرغ الملازم مبارك بومعارفي الرصاص في جسد بوضياف.

29 سبتمبر/ أيلول 1994، اغتِيل الشاب حسني أمام بيته في وهران.. تقول الرواية الأكثر غرابة في الجزائر إن أجهزة بعينها في الجزائر قتلته لاتهام الجماعات الإسلامية نظرًا إلى شعبيته الواسعة في ذلك الوقت.

يتعرض منتج أغاني الراي الشهير رشيد بابا أحمد للاغتيال بعد سنة.

الشاب خالد ورشيد طه والشاب فضيل

26 سبتمبر/ أيلول 1998، يلتقي خالد ورشيد طه وفُضيل، ثلاثة شبان جزائريون على مسرح باريس بيرسي بالعاصمة الفرنسية يرتدون اللون الأسود.. خالد يدخن، رشيد شارد بنظارته السوداء، وفضيل لم يكمل عامه العشرين بعد، بصحبة نحو 100 موسيقي من مختلف قارات العالم لنشهد حفل من أعظم ما أنتجه تاريخ الموسيقى، ملحمة “الشموس الثلاث” أو 1,2,3 Soleils وذلك أمام ما يزيد على 15 ألف متفرج.

من الذكر إلى الثورة

تعود أصول موسيقى الراي إلى شيوخ “المَلْحون”، وهو ذلك النوع من الغناء الذي يعتمد على الدارجة أو العامية الجزائرية والمغربية القريبة من العربية الفصحى اعتمادًا على “البندير” (وهي آلة إيقاعية تستعمل في الغناء الصوفي) والقصبة (وهي آلة موسيقية نفخية من أصل بربري) وكان في بدايته يحمل مواضيع حول المديح النبوي والصوفية.

ويذكر ابن خلدون أن أولى بواكير فن “الملحون” ظهرت في العهد الموحدي خلال القرن السابع الهجري، ويُرجع آخرون أصله إلى القبائل العربية التي هاجرت إلى شمال إفريقيا.

باحتلال الفرنسيين الجزائر تحوّل الراي من المديح والذكر إلى غناء شعبي يحمل موضوعات اجتماعية، تتخللها أفكار الثورة ضد المستعمر، ومعاناة الجزائر المحتلة من الفقر والمرض والاعتقالات، فكان تحريضًا غير مباشر على الثورة.

الشيخة ريميتي “أم الراي”

ريميتي.. فقراء وجنس وثورة

في مايو/ أيار 1923، ولدت الشيخة “ريميتي” في قرية قريبة من مدينة وهران لأسرة فقيرة، توفي والداها منذ الصغر ولم تفارق معاناة الفقر والعوز حتى لمع اسمها في خمسينات القرن الماضي مع صدور أسطوانة “شرخ، guetaâ” تلك القنبلة التي كسرت محظورات المجتمع الجزائري التقليدي في مواضيع الجنس والخمور وغير ذلك.

يتميز إنتاج ريميتي بالغزارة، إلا أنها في الخيال المشترك لسكان المغرب العربي الكبير تمثل المرأة الأكثر تحررًا وجرأة.

بداياتها كانت مع المغنين الرحّالة في الحانات والأفراح ولم تكن تحصل على المال إلا لسد جوعها في ظل استعمار فرنسي فرض التشرد على شعب طالما سعى للخلاص.

هكذا كانت موضوعات أغنيات ريميتي الكحول، المتع الجنسية، الجنون وكسر تابوهات العلاقات الاجتماعية بين الرجل والمرأة في مجتمعها، تغني للفقراء والمهاجرين والثورة وتعادي التصورات النمطية عن المرأة العربية كطرف خاضع ومغلوب على أمره.

تقول ريميتي إن أغانيها الشهوانية كانت تسمعها النساء سرًّا في الأعياد، وترفضها العائلات والدولة ومثقفو السلطة، حتى إن أغنياتها لا تُبث على أي منصة رسمية تتبع السلطات الحكومية حتى اليوم.

هاجرت الريميتي إلى فرنسا في السبعينات بعد أن منعت الإذاعة الرسمية بث أغانيها بعد التحرير من الاستعمار الفرنسي.

“أُم موسيقى الراي” كما يطلق عليها كانت مرآة معبرة عن واقع الناس ومن ثمّ حكاياتهم وحياتهم اليومية من خلال نصوص لم تعد تلتزم بمعايير اجتماعية أو أخلاقية معينة.

الشاب خالد في شبابه

راي ما بعد الاستعمار.. تهميش واحتجاج

أول اعتراف رسمي بموسيقى الراي كان عام 1985 مع إقامة أول مهرجان رسمي للراي بمدينة وهران.. كان ذلك بعد 30 سنة من أول أسطوانة تصدرها ريميتي، كاعترافٍ رسمي بعد عقود من النبذ.

دعنا نضع تصنيفًا للموسيقى في بلادنا عمومًا، حيث الأول هو الموسيقى الرسمية التي ترعاها وتتبناها أجهزة السلطة المختلفة السياسية أو الثقافية أو التعليمية، موسيقى جامدة تحبها السلطة لأنها لا تحرك شيئًا ولا تتناول ما يثير حساسية ضدها.

أما الثانية فهي الموسيقى الشعبية التي تعبر عن الناس بتنوعاتهم ومشكلاتهم، موسيقى تنتفض وتحتج وتنمو في مناطق مهمشة، يرددها الناس في المقاهي وجلسات السهر والحانات.. هنا كانت موسيقى الراي حيث التهميش والاحتجاج.

إذا كانت فترة ما بعد الاستعمار في السبعينات والثمانينات فترة ممارسة القمع والنبذ الممنهج تجاه موسيقى الراي نتيجة الصراع بين نخب تتبنى الثقافة التقليدية وأخرى تدعو لقيم حداثية، فإن التسعينات تعتبر لحظة الانفجار القصوى لهذا النوع من الموسيقى بعدما انخفضت تدريجيًّا سلطة الرقابة التي كانت تمارسها الأجهزة الرسمية على الفن.

انطلقت موسيقى الراي بمواضيعها حول الحب والنساء والهجرة وغيرها لتعبر عن أزمة الإنسان المغاربي عمومًا، ومع ذلك لم تكن التسعينات رحيمة جدًّا بالرأي.

لم يكن اغتيال زعيم سياسي من طراز بوضياف الأول ولا الأخير في تلك المرحلة من عمر الشعب الجزائري، الذي كان يمر بمرحلة دقيقة وخطيرة في تسعينات القرن الماضي، فبعد أن أقر الدستور التعددية السياسية ظهرت أحزاب عديدة منها الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

حقق التيار الإسلامي نجاحًا ساحقًا، بيد أن الجيش الجزائري رفض نتيجة الانتخابات ومن هنا بدأت “العشرية السوداء” لتسطر 10 سنوات من الحرب والمجازر والدماء لا يزال شعب الجزائر يعاني من تبعاتها إلى اليوم.. دفع ثمن ذلك الكثير من شباب وشابات الراي للهجرة إلى المغرب وفرنسا.

أسهمت الهجرة في انتشار الراي بنحو أكثر اتساعًا، وعملت على التنوع في استخدام الآلات الموسيقية الحديثة والغربية مع الاحتفاظ بالخصوصية الثقافية للنصوص المطروحة التي كانت مرتبطة بفئات شابة مسحوقة تثور على العادات والتقاليد التي ورثها الاستقلال.

الشاب خالد ورشيد طه والشاب فضيل

“شموس” خالدة وبهيجة

لمع نجم خالد في التسعينات، وتحوّل لنجم في أوروبا مع آخرين من فناني الراي الذين حولوه إلى شيء جديد من خلال ألحان الريجي والبلوز والروك.

وقع خالد حينها مع شركة UNIVERSAL الفرنسية وأطلق ألبوم باسمه “KHALED” وانفجرت أغنيته الأشهر “DIDI” التي أُعيد توزيعها في أرجاء مختلفة من العالم حتى إنها وصلت إلى الهند.

 

يلتقي خالد ورشيد طه وفضيل في باريس ليكون الاتفاق على الحفل الأهم والأكبر في تاريخ الموسيقى العربية، “الشموس الثلاث”، ليقدموا للجمهور 23 من أفضل أغانيهما ما بين الأداء الفردي والجماعي.

أشعلوا الدخان.. رقصوا.. تناوبوا على المسرح.. وانفعلوا مع الحاضرين والأوركسترا التي تدربت لمدة 60 يومًا.. حضر الحفل ما يقارب 15 ألف شخص.. خصصت شركة باركلي الفرنسية ما يقرب من 6 ملايين فرنك فرنسي.. شارك في الحفل الفرقة الماسية لعازفي الكمان/ عازفة الـ BASS الأمريكية الشهرية Gail Ann Dorsey.. حضر نجوم مثل STING والشاب مامي.. تنوعت الأنماط الموسيقية: جاز، روك، فانك، صالصا.. أُعيد من خلالها توزيع الأغاني، ما أعطى روحًا عالمية للحفل.

قبل الدخول إلى المسرح خالد يدخن سيجارًا، يصرخ في وجه فضيل، يحتضنه بقوة، يرقصان، يتمايلان يمينًا ويسارًا.. رشيد يتقدم بنظارته السمراء الشهيرة، يحرك كتفيه متراقصًا.. يصعد الثلاثي على المسرح مع انتهاء عزف موسيقى المقدمة “خلوني خلوني للمرحوم دحمان الحراشي”.

يحرك خالد رأسه منتشيًا، رشيد يحيي الجمهور، يقف الثلاثة متشبثين بالميكروفونات، لتنطلق أول أغاني الحفل “يا منفي”.. يا لها من بداية جبارة، “يا منفي” ذلك النص المحفور في ذاكرة كل جزائري، يحفظ الجميع قصة “يا منفي” عن ظهر قلب، كتبها أحد الأسرى في سجون الاستعمار الفرنسي يحكي قصة معاناته بداية من المحكمة العسكرية، وصوله للمعتقل مع ترديد مستمر: “قولوا لأمي ما تبكيش ولد ربي ما يخليش”.

أنهى الثلاثة الحفل بأغنية “يا الرايح” التي كتبها دحمان الحراشي وتحكي عن معاناة المهاجرين في بلاد الغربة، حيث التهميش والاشتياق للوطن.

بين “يا منفي” و”يا الرايح” يؤدي خالد ورشيد وفضيل مزيجًا من أغانيهما بالإضافة إلى الأيقونة التراثية “عبد القادر يا بو علام ضاق الحال عليا”.

لا تزال الذاكرة الشعبية تحتفظ بأغاني مثل “عبد القادر، يا الرايح، يا منفي، دي دي”.. تحكي فتاة مصرية عن زيارتها الأولى لتونس منذ عامين، عرض عليها سائق تاكسي توصيلة قائلاً: “يا الرايح وين مسافر”.

رشيد طه وحيدًا على المقهى

خاتمة ليست حزينة كليًّا

لم يكن نجاح الحفل مصادفة ولم يقم فقط على قوة الثلاثي والفرقة الموسيقية، بل يكمن النجاح الجبار لهذا الحفل في سياقه الاجتماعي والتاريخي واشتباكه مع التغييرات التي تطرأ على الموسيقى والاجتماع والسياسة بالإضافة إلى التعاون بغناء كل منهم أغاني الآخرَيْن.

أنتجت شركة باركلي فيما بعد أسطوانة تحمل عنوان الحفل، لتنال شهرة عالمية ومبيعات تخطت 5 ملايين نسخة في جميع أنحاء العالم.

لم يربح الراي اعتراف النظام فحسب، بل أسر قلوب الجماهير العربية كليًّا.. لكن الحياة لم تكن كريمة معهم ولا رفيقة بهم جميعًا.

حاول الشاب فضيل الانتحار ودخل مستشفى أمراض نفسية.. يحاول التعافي بالغناء.. رحل رشيد طه غريبًا.. بكاه خالد بحرقة.. لقد أصبح ذاك المتفجر عنفوانًا وألقًا عجوزًا وهادئًا لكنه لم يتخل عن لقب “الشاب”.. وفي ذلك شيء من الخلود.. لم يتخلَّ عن ابتسامته أيضًا.

 

عماد أدهم

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى