الجنسانية.. من “العرض المستمر” إلى “نيتفليكس”

 

مر مفهوم الإثارة الجنسية خلال فترة زمنية طويلة بتحولات كبرى في طبيعة الجمهور (وخاصة المراهقين) فطرائق العرض طرحت سؤالا مشروعا: كيف تعكس الدراما والسينما الخيالات الجنسية؟ وكيف مر جمهورها بتحولاته من سينما العرض المستمر التي كانت تعرض أفلام الإثارة الجنسية التقليدية مثل أفلام “حمام الملاطيلي” و”أبي فوق الشجرة”، إلى منصة نيتفليكس؛ التي تعرض الممارسة الجنسية في السياق، بطريقة مختلفة مشبعة بمعايير الصوابية السياسية في مسلسلات مثل “13 سببا لماذا” أو “تعليم الجنس” تعكس اختيارات المشاهدين المتغيرة بشكل ينبئ عن تحولات في الجنسانية، هي هذا المزيج من الميول الجنسية والهوية والإثارة والرغبة وما ارتبطت به من خيالات وأوهام وقيم وتقاليد، تعكس الأوضاع الاقتصادية، والترتيبات الطبقية، والمفاهيم الثقافية والدينية، والعلاقات الاجتماعية، والقيود والمعايير الأخلاقية والقانونية.

ملصق هذا الفيلم كان عبارة عن صورة وحش عملاق أخضر اللون مغطي بالخرافيش وأسفل قدميه فتاة عشرينية شقراء ترتدي لباس البحر (البيكيني) ويبدو الهلع على ملامحها الدقيقة. على جانب ممر السينما الذي يؤدي إلى باب صالة العرض الكبيرة كانت تعلق عادة صور فتوغرافية من المقاس المتوسط توضع بطريقة تجعلها واضحة وجاذبة لرواد السينما، هي عبارة عن لقطات من مشاهد الفيلم.. بعض هذه الصور كانت لبطلة الفيلم وهي تصرخ من الرعب عارية كما ولدتها أمها وظللت بالقلم الأسود سميك الخط، مناطق النهدين والفرج، وإلى جانب التظليل يظهر خاتم شعار الجمهورية منقوشا عليه بحروف صغيرة من أعلى “وزارة الثقافة” ومن أسفل “الرقابة على المصنفات”. هذا الفيلم الأمريكي متواضع المستوى لم يكن بالنسبة لجمهور السينما من أفلام الرعب، وإنما من أفلام الإغراء أو الإثارة الجنسية.

حتى بالنسبة للمراهقين من جمهور السينما، كان مثل هذا الفيلم بلا معنى (غير أنه فيلم قديم يعرض –وقتها- في سينمات العرض المستمر بعد مرور قرابة عشرين سنة أو أقل قليلًا على إنتاجه)، إلا أنه كان واحدا من أكثر الأفلام ملاءمة لتحقيق الإثارة الجنسية التي يتوقعها جمهور سينمات العرض المستمر الشعبية، ويكاد أن يختزل برنامجها الترفيهي في الهلع والجنس.

كانت سينمات العرض المستمر تعرض دائمًا فيلما من أفلام الألعاب القتالية الآسيوية، وبطلها الأبرز الأسطورة بروس لي، أو أحد الأفلام الأمريكية من بطولة العماليق مثل سيلفستر ستالون وجين كلود فان دام، أو أفلام رعب من نوعية فيلم الوحش يتضاءل فيه البطل أمام المحتوى.. العنف والهلع الممزوج بالبطولة في هذه الأفلام مدخل واسع للإروتيسية أو الإثارة الجنسية التي يطلبها المشاهد ويتوقعها في ذروة العرض، وهو فيلم المناظر “الإغراء” سواء العربية أو التركية.

 

أفلام من بطولة نجوم مثل الراحلتين ناهد شريف ومديحة كامل، تعرض حتى بعد فترة طويلة من إنتاجها، ويأتي فيلم “حمام الملاطيلي” من بطولة شمس البارودي على قمة هذه الأقلام (وهو بحساب الإيرادات وعدد سنوات العرض ربما يعتبر أنجح فيلم عربي على الإطلاق لما احتواه من مشاهد الإثارة الجنسية) لا ينافسه في هذا غير فيلم “أبي فوق الشجرة ” بطولة عبد الحليم حافظ ومرفت أمين.

ومن قبل انتشار الدراما التركية التلفزيونية وغزوها العالم العربي عن طريق المسلسلات التلفزيونية المدبلجة مثل مسلسل “مهند ونور” و”فاطمة”.. إلخ، كانت سينمات العرض المستمر تعرض باستمرار الأفلام التركية التي كان ينتظرها الجمهور ربما أكثر من غيرها باعتبارها برنوجرافية مجازة من الرقابة. في ختام الحفل يعرض الفيلم الرئيس، وهو غالبًا فيلم عربي حديث نسبيًا، يعرض في بعض الأحيان لأسباب اقتصادية متعلقة بالإنتاج والتسويق، وهو عادة من بطولة نجوم الشباك التقليدين مثل نادية الجندي، إحدى أبرز نجمات الاغراء العربيات، أو من بطولة عادل إمام الذي كانت أفلامه في هذه المرحلة شديدة الحرص على تلبية أمزجة جمهور سينمات العرض المستمر.

لقد كانت سينما العرض المستمر ربما لمدة ربع قرن الأكثر تعبيرًا عن الجنسانية.. عدة أجيال كانت تجلس في قاعة سينما العرض المستمر، في حالة من التضامن الثقافي لو جاز التعبير، ينتظر الإثارة الجنسية كما يتوقعها في ضميره، ينتظر أن يتحرر الوحش من عقاله، قادرا وعنيفا وعنيدا وأهوج، ومرغوبا رغم فقره أو قبحه، تحب النساء إغواءه (كل النساء)، ويتمنعن ويقاومن ثم يستسلمن في النهاية كما يجب أن يكون. ويخرج الجمهور وما ينظر بعضهم لبعض خارج ظلمة صالة العرض حتى يتسلل الخجل والندم إلى القلوب.

ثم أغلقت سينما العرض المستمر أبوابها بالتدريج.. في المدينة المتوسطة (البندر) أولا، وبعدها المدن الكبرى، فالعاصمتين القاهرة والإسكندرية.. فقدت سينمات العرض المستمر ومعها مفهوم الترفيه الجماعي لصالح تعميق عزلة الفرد، حيث حلت أجهزة الفيديو محل أجهز العرض السينمائي، والصور الإباحية محل الصور المختومة بخاتم الرقابة. لقد تحرر الوحش من القيود وتقوقع على نفسه وتعمقت أزمته الجنسانية أكثر فأكثر. وبشكل متزامن كانت السينما النظيفة تملأ الفراغ بالتهريج والسخرية بديلًا عن الهلع والجنس.. لماذا لا تحتقر السينما الجديدة الجنسانية إذا كان الجمهور أصبح خجلا من نفسه ومغتربا عنها وعاجزا عن التواصل مع الآخرين ويعارض حالته بالإنكار والتطهر الأخلاقوي والإدانة المعيارية؟.. باختصار، نفى الجمهور ميوله الجنسية. واستجابت صناعة المنتج الثقافي من خلال تقديمها “العلاقة” المتوترة ما بين الفرد ورغباته الجنسية والآخرين، في صورة “سلعة” نظيفة من الجنسانية.

 

ما تتيحه اليوم منصة عرض مثل نيتفليكس وإقبال الجمهور على مشاهدة ما تقدمه من محتوى فني سواء مسلسلات أو أفلام أصلية تنتجها المنصة أو تحصل على حقوق بثها يعكس تحولًا آخر في الجنسانية، وميل لخيال جديد عن الإثارة والممارسة الجنسية يعكس نضج الجمهور وتصالحه مع نفسه من ناحية، وخروجا جزئيا على الأقل من حالة الاغتراب الموحشة.

فالإثارة الجنسية كما تقدمها منصة نيتفليكس والمشبعة بمعايير الصوابية السياسية كما أشرنا فيما سبق، لا تطلب أي قدر من العنف، حيث لا حاجة للتمهيد إليها بالهلع، إذ تعتمد على التواصل الفعال ما بين شريكين أو أكثر وبغض النظر عن الهوية الجنسية أو طريقة ممارستها.

فالأمر لا يتطلب “وحشا” للدخول في علاقة جنسية بل يكفي أن يكون المرء إنسانًا عاديًا بكل عيوبه ونواقصه ليكون طرفا في علاقة رضائية غير موصومة اجتماعيًا. حتى إلياذة هوميروس يمكنك مشاهدتها على منصة نيتفليكس مصوبة سياسيًا، مثل شخصية “أخيل” في مسلسل “طروادة” (من إنتاج هيئة الإذاعة البريطانية) الذي يظهر كملون مثلي الجنس غير مهتم بالنساء، على عكس نفس الشخصية كما قدمتها السينما العالمية مرارًا وتكرارًا.

تخرج السلطة من الصورة الجنسية التي تقدمها نيتفليكس، التي تظهر خالية بدورها من خاتم الرقابة مثل الصور الإباحية، هي صورة جنسية كاملة بلا تظليل أو قطع ولكنها لا تظهر إلا في السياق الدرامي الذي عادة ما يكون بالتعقيد الكافي ليبرر الإثارة والممارسة الجنسية. هذا ما يوفر عودة تدريجية لحوار بلا خجل عن الجنسانية تديره مجموعات المقربين من المشاهدين يسمح من ناحية بتبادل الآراء والأفكار الجنسانية بشكل لا يخل باحترام الإنسان لنفسه. ومن ناحية أخرى، يعيد تشكل الوعي بالذات والميول الجنسية بطريقة تضامنية ما بين مجموعات المشاهدين التي تتسع وكأنها تجلس في صالة عرض كبرى تصل أطرافها إلى مساحات طبقية واجتماعية أوسع من تلك التي ملأت يومًا سينمات العرض المستمر.

 

ما تقدمه منصة نيتفليكس بطبيعة الحال، هو صورة تطبيعية للجنس (أو محاولة لتطبيع الجنس من خلال معايير الصوابية السياسية) بسبب ما ألزمت نفسها من قيود ومعايير.. على سبيل المثال نجد حلقة كاملة من مسلسل “13 سببا لماذا” تدور حول الكود النسوي “الأمريكي” الجديد أو معيار “نعم تعني نعم”، حيث تبدو العلاقات الجنسية كنوع من العقود الرضائية وليست ممارسة طبيعية “عفوية” حيث يروج اليسار الليبرالي الأميركي لمحاولة تطبيع العلاقات الجنسية بشكل جديد يتماهى مع النزعة المحافظة الجديدة من خلال حماية النساء من ممارسة الجنس الخطرة، بحجة اختلال علاقات القوة ما بين الرجال والنساء، فبدلًا من إزالة القوة من العلاقة يتم استبدالها بعلاقة قوة مختلة أيضًا، ولكن بصورة مقلوبة.

لأول وهلة تبدو تلك الإشكاليات المعقدة همّا غربيا محضا، إلا إن التجربة أظهرت أن أصداءه تتردد من حين إلى آخر في دوائر النخبة، بما يعطينا إشارات عن تحولات جنسانية أخرى مقبلة تعكسها الدراما والسينما وتغذيها تغذية رجعية.

بمشاركة

جرافيك

أحمد بيكا

قصــة

إسلام عوض عبدالمجيد

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search