"بحر بلا ساحل"

نجم الدين كبرى "صانع الأولياء"

حلقة اليوم عن أبي الجناب، الإمام العلامة الشهيد “نجم الدين كبرى”، صاحب “فوائح الجمال وفواتح الجلال”. لُقّب بالطامة الكبرى لشدة حفظه، وبصانع الأولياء، وهي ترجمة للكلمة الفارسية (ولى تراش)، لكثرة من تخرجوا على يديه. ولد في خوارزم سنة 540ه، وتتلمذ على يد الحافظ السلفي وأبي العلاء الهمذاني العطار. وخرج من بلده يطلب الحديث فعاد إليها محدثًا، وخرج منها ثانية يطلب التصوف فعاد إليها وليًّا؛ بل عاد ناحتًا للأولياء “ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء”.

فسّر القرآن في اثني عشر مجلدًا، وقد ذهب إليه “فخر الدين الرازي” صاحب التصانيف، وناظر بين يديه فقيهًا في معرفة الله وتوحيده، فأطالا الجدال، ثم سألا الشيخ عن علم المعرفة، فقال: “هي واردات ترد على النفوس، تعجز النفوس عن ردها”. فسأله فخر الدين: كيف الوصول إلى إدراك ذلك؟ قال: “بترك ما أنت فيه من الرئاسة والحظوظ”. قال: هذا ما لا أقدر عليه. وأما رفيقه فزهد، وتجرد، وصحب الشيخ.

وفي رواية أخرى ينقلها الشعراني، أن “فخر الدين” جاء إلى الشيخ “نجم الدين” يطلب دخول الطريق على يديه في ألف طالب يمشون وراءه من بلاد الري، فلما بلغ ذلك الشيخ “نجم الدين” قال “إنه لا يُطيق الطريق”، فلما وصل إلى رباط الشيخ ظن أنه سيقوم له لكنه لم يتحرك، فسأله عن سبب مجيئه، فقال إنه يطلب الطريق، فقال له إنك لا تُطيق، فلما أصر فخر الدين أدخله الشيخ الخلوة، وأمره بأن يشتغل بالله تعالى، ثم سأل الله أن يسلبه جميع ما كان معه من العلوم، فلما شعر بذلك أخذ يصيح: لا أطيق، لا أطيق، فأخرجه الشيخ، وقال له: يا فخر الدين! كيف تطلب الطريق مع حبك للرياسة على الأقران وتكبرك عليهم؟ فبكى فخر الدين وهو يقول: قد خسرنا وفاز غيرنا، فقال له الشيخ: قد صرت من معارفنا، وكنّا نود أن تكون من أصحابنا“. فحال من يطلب الرياسة من العلماء كحال السلاطين والأمراء الذين في وقت عزلهم يكونون كالشبلي وأبي يزيد، وإذا عادوا لسلطتهم فكلهم مثل يزيد!

نُورُ الحقِيقَةِ نُصْبَ عَيْنِكَ لامِعٌ

 

لَكِنْ يَصُدُّكَ عَنْهُ قَلْبٌ حَالِكُ

 

هَيْهَاتَ! في أَهْلِ الـحَقِيقَةِ قِلَّةٌ

 

صَعُبَ الطَّرِيقُ فَقَلَّ فِيهِ السَّالِكُ

 

 

وفي رواية أخرى ينقلها لنا “طاش كبرى زاده” في كتابه “مفتاح السعادة”، أن الشيخ أبا الجناب سأل الإمام الرازي: لأي شيء وجبت زيارتك؟ فقال الرازي: أنا إمام المسلمين، وواجب التعظيم. فقال أبو الجناب: إن افتخارك بالعلم، ورأس العلوم معرفة الله تعالى، فكيف عرفته تعالى؟ قال الرازي: بمائة برهان. فقال الشيخ: البرهان لإزالة الشك، والله تعالى جعل في قلبي نورًا لا يدخل معه الشك، فضلًا عن الحاجة إلى البرهان. فأثّر ذلك في قلب الإمام الرازي -رضي الله عنه- فتاب في المجلس على يد الشيخ أبي الجناب.

هو لقاء بين عقلين، أحدهما غارق في عالم السببية، لا يؤمن إلا بالأسباب ونتائجها، ويصل أحيانًا إلى حدّ تأليه هذه الأسباب؛ وعقل يؤمن بخالق الأسباب وبمسبب الأسباب. ولذا كان “نجم الدين كبرى” يربي المريدين بمجرد النظرة، فالشيخ في قومه كالنبي في أمته، كما يقول عمّار البدليسي شيخ نجم الدين في كتابه “صوم القلب”. ومع ذلك كان نجم الدين يقول: “في داخلي شيطانٌ، لا يخفى عليّ.. وقطع رأسه ليس أمرًا سهلًا، لقنته الإيمان ألف مرة، ولم يدخل في الإسلام!“. ومع ذلك كان يقول: “كنتُ أسمعُ في وقت السَّحَر وأنا ذاكِرٌ في الخلْوَة تسبيحَ الملائكة وكأنّ الحقَّ نزلَ إلى السّماء الدُّنيا“.

وكان يقول: “رأيتُ دخول الجنّةِ في أكل الحلال، وفي ترك المِحالِ”، أي المكر والكيد. فالصوفي من الصفاء؛ صفاء النفس من دواعي الحقد وبواعث الحسد. والله شديد المحال. وما رأيتُ من صُنعِ الله إلا ورأيتُ الله فيه، وتلك وحدة شهود، أن يرى الله في كل شيء، فلا يحتقر صغيرًا ولا يعظم كبيرًا، ولا يخشى سلطانًا ما دام سلطان الله وملكه لا يزول. ويفسر إسقاط الكلفة بإسقاط المشقة، فالفرق بين العوام والخواص أن العوام يقومون إلى العبادة بنصب وملل، بينما من ذاق حُلو الوصال من الخواص لا يشعرون بكلفة أو مشقة في عباداتهم.

ارتحل “نجم الدين كبرى” إلىٰ مصر بأمرٍ مباشرٍ من أستاذه “عمَّار البدليسيِّ”. فقد حدث أن خطر ببال “نجم الدِّين كُبرىٰ” أنَّ علومَه أكثر من علوم شيخه “البدليسيِّ”! وهُنالك أحسَّ الشَّيخُ بما وقع في ضمير مريده، فأمره بالسَّفر إلىٰ مصر للورود علىٰ حضرة الشَّيخ “رُوزبهان الكازاروني”، قائلًا له: “لا يُؤدِّبُكَ إلا لطْمةٌ منه علىٰ قَفاك!“، وسعيًا وراء تلك اللطمة المُنْتظرة، ارتحل “نجمُ الدِّين كُبرىٰ” إلىٰ مصر، فوجد الشَّيخ “رُوزبهان” خارج خانقاه يتوضَّأُ بقليل من الماء، فأُلْقِيَ في روْعِه أنَّ الشَّيخ لا يدري بأي مقدار من الماء يكون الوضوء؟! وأيضًا عرف الشَّيخ ما يدور بخلده، فألقىٰ عليه -بعد أن أنهىٰ وضوءه- ببقيَّة من الماء!

يقولُ “نجمُ الدِّين كُبرىٰ”، واصفًا ما جرىٰ له: “فغُشي عليَّ من ذلك، وأخذتْنِي رقْدةٌ في الخانقاه، وكنتُ دخلْتُها مع الشَّيخ، فرأيتُ كأنَّ القيامة قد قامت، ويُسْحَبُ النَّاسُ إلىٰ جهنَّم؛ إلَّا مَنْ كان له تعلُّقٌ بشيخٍ كان جالسًا هناك علىٰ كثيب، فادَّعيتُ أنا أيضًا التعلُّقَ به، واسْتُخْلِصْتُ من أيدي الزَّبانية، وصعدتُ إلىٰ الكثيب؛ فلمَّا رآني ذلك الشَّيخُ، لطمني علىٰ قفايَ حتَّىٰ أُكْبِبْتُ علىٰ وجْهي، وقال: لا تُنْكِر علىٰ أهل الحقِّ بعد هذا! فانتبهتُ بذلك من رقْدتي، فإذا أنا بموضعي، وقد فرغ الشَّيخُ رُوزبهان من صلاته؛ فلَطَمَ عليَّ كما كنتُ رأيتُها في المنام، وقال لي مثلَ ذلك؛ فخرج عنِّي من تلك السَّاعة ما كان من العُجْب والدَّلال!”.

استشهاده

لما دخل التتار خوارزم سنة 618 نادى الشيخ أصحابه للصلاة، ثم قال: قوموا نقاتل في سبيل الله، ودخل بيته ولبس خرقة شيخه، وحمل على العدو فرماهم بالحجارة ورموه بالنبال، وجعل يدور ويرقص حتى أصابه سهم في صدره، فنزعه ورمى به نحو السماء، وفار الدم وهو يقول: إن أردت فاقتلني بالوصال أو بالفراق، ثم مات. وقيل إنه لما مات كان قابضًا على خصلة شعر مقاتل مغولي، ولم يتمكّنوا من تخليص المغولي من يد الشيخ إلا بقطع خصلة شعره!

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

كتبها

د. محمد حلمي عبدالوهاب

كاتب وباحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram